الجمعة - الموافق 05 مارس 2021م

فى طريق الهدايه ومع الخضر عليه السلام ” الجزء السابع ” إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء السابع مع الخضر عليه السلام، وقد توقفنا مع الخضر عليه السلام وأما الذين ذهبوا إلى أنه قد مات، ومنهم البخاري، وإبراهيم الحربي، وأبو الحسين بن المنادي، والشيخ أبو الفرج بن الجوزي، وقد انتصر لذلك، وألف فيه كتابا سماه “عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر” فيحتج لهم بأشياء كثيرة، منها قوله تعالى كما جاء فى سورة الأنبياء ” وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد” فالخضر إن كان بشرا فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل صحيح، وقال ابن عباس رضى الله عنهما، ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق، ولئن بعث رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحياء ليؤمنن به وينصرنه، كما ذكره البخاري عنه، فالخضر إن كان نبيا أو وليا، فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حيا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان أشرف أحواله، أن يكون بين يديه يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه، لأنه إن كان وليا فالصديق أفضل منه، وإن كان نبيا فموسى عليه السلام أفضل منه، وقد روى الإمام أحمد في مسنده، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ” والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني” وهذا الذي يقطع به، ويعلم من الدين علم الضرورة.
وقد دلت عليه هذه الآية الكريمة أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء مكلفون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانوا كلهم أتباعا له، وتحت أوامره، وفي عموم شرعه، كما أنه صلى الله عليه وسلم لما اجتمع معهم ليلة الإسراء، رفع فوقهم كلهم، ولما هبطوا معه إلى بيت المقدس، وحانت الصلاة، أمره جبريل عن أمر الله أن يؤمهم، فصلى بهم في محل ولايتهم، ودار إقامتهم، فدل على أنه الإمام الأعظم، والرسول الخاتم المبجل المقدم، صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، فإذا علم هذا وهو معلوم عند كل مؤمن، علم أنه لو كان الخضر حيا لكان من جملة أمة محمد صلى الله عليه وسلم وممن يقتدي بشرعه لا يسعه إلا ذلك، وهذا نبى الله عيسى بن مريم عليه السلام، إذا نزل في آخر الزمان بحكم بهذه الشريعة المطهرة، لا يخرج منها ولا يحيد عنها، وهو أحد أولي العزم الخمسة المرسلين، وخاتم أنبياء بني إسرائيل، والمعلوم أن الخضر لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه، أنه اجتمع برسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم واحد، ولم يشهد معه قتالا في مشهد من المشاهد، وهذا يوم بدر يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما دعا به لربه عز وجل، واستنصره، واستفتحه على من كفره “اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض” وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ، وسادة الملائكة حتى جبريل عليه السلام، كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال إنه أفخر بيت قالته العرب.
وثبير بدر إذ يرد وجوههم، جبريل تحت لوائنا ومحمد، فلو كان الخضر حيا لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته، وأعظم غزواته، وقال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي، سئل بعض أصحابنا عن الخصر هل مات؟ فقال نعم، وقال وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن الغباري، وقال وكان يحتج بأنه لو كان حيا لجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ما نقله ابن الجوزي في العجالة، فإن قيل، فهل يقال إنه كان حاضرا في هذه المواطن كلها؟ ولكن لم يكن أحد يراه، فإن الجواب هو أن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد، الذي يلزم منه تخصيص العموميات بمجرد التوهمات، ثم ما الحاصل له على هذا الاختفاء، وظهوره أعظم لأجره وأعلى في مرتبته، وأظهر لمعجزته؟ ثم لو كان باقيا بعده لكان تبليغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحاديث النبوية، والآيات القرآنية، وإنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة، والروايات المقلوبة، والآراء البدعية، والأهواء العصبية، وقتاله مع المسلمين في غزواتهم، وشهوده جمعه وجماعاتهم، ونفعه إياهم، ودفعه الضرر عنهم ممن سواهم، وتسديده العلماء والحكام، وتقريره الأدلة والأحكام، أفضل ما يقال عنه من كنونه في الأمصار، وجوبه الفيافي والأقطار، واجتماعه بعباد لا يعرف أحوال كثير منهم، وجعله لهم كالنقيب المترجم عنهم، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما.
عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ليلة العشاء ثم قال” أرأيتم ليلتكم هذه، فإنه إلى مائة سنة لا يبقى ممن هو على وجه الأرض اليوم أحد” وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم “عين تطرف ” قال ابن عمر، فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه، وإنما أراد انخرام قرنه، وقال الإمام أحمد أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام، فقال” أرأيتم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن على ظهر الأرض أحد ” رواه البخاري، ومسلم، وقال الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بقليل، أو بشهر” ما من نفس منفوسة، أو ما منكم من نفس اليوم منفوسة يأتي عليها مائة سنة، وهي يومئذ حية” وقال أحمد عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قبل أن يموت بشهر” يسألونني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، أقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسة اليوم، يأتي عليها مائة سنة” وهكذا رواه مسلم، من طريق أبي نضرة، وأبي الزبير، كل منهما عن جابر بن عبد الله به نحوه، وقال ابن الجوزي فهذه الأحاديث الصحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر، وقالوا فالخضر إن لم يكن قد أدرك زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو المظنون الذي يترقى في القوة إلى القطع، فلا إشكال، وإن كان قد أدرك زمانه.
فهذا الحديث يقتضي أنه لم يعش بعد مائة سنة، فيكون الآن مفقودا لا موجودا، لأنه داخل في هذا العموم، والأصل عدم المخصص له، حتى يثبت بدليل صحيح يجب قبوله، فقد كانت قصة موسى مع الخضر عليهما السلام من روائع القصص بما احتوته من غرائب الأخبار، وعجائب الأمور، وبرز فيها جليا علم الله المسبق لكل الحوادث، والذي يحيط بكل شيء، وتجلت فيها قدرة الله تعالى من أولها لآخرها، لتكون تسلية وتعليما لنبى الله موسى عليه السلام، ومعجزة للخضر عليه السلام الذي نرجح نبوته، والجميل في القصة أنها جاءت في أوثق المصادر على الإطلاق التي لا يتطرق إليها شك، ولا يدخل فيها ريب القرآن الكريم كلام رب العالمين، وصحيح السنة النبوية كلام رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم وقد كان أكثر من كتب في هذه القصة يركز اهتمامه على ما جاء في كتاب الله تعالى، ليعطينا من الآيات الدروس والعبر، وقد أبدع العلماء في ذلك حقيقة وأحببت أن أطرق الموضوع من جانب السنة، لأنها جاءت بزيادات وتوضيحات لم يأت بها القرآن الكريم، وفي السنة الخير العظيم فهي المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، فقد جمعت الروايات الواردة في القصة خصوصا من الصحيحين، وجعلتها في حديث واحد، ثم فسّرت غريب الحديث، وذكرت بعدها الدروس والفوائد، وتتميما للفائدة ذكرت بعض الأحاديث الواردة في يوشع بن نون عليه السلام لأنه من أبطال هذه القصة.
ثم حللتها كسابقتها، وذكرت منها الدروس والفوائد، وقد جمعت شخصية الخضر عليه السلام بين ثلاث صفات كما يحكي القرآن وهى العبودية، وقد وصفه الله تعالى بأنه ” عبد من عبادنا” والعبودية لله تعالى تعني الانقياد له والخضوع له، وهي أعم وأشمل من مفهوم العبودية على أنها صلاة وزكاة وحج وغيرها، فالإنسان حين يسعى في الأرض لطلب الرزق، فهو يعبد الله لأن ربه يأمره بذلك في قوله تعالى ” هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ” والعبودية مقرونة بالإخلاص لله، وهي الشرط الأساسي في قبول العمل، وإلا رد على صاحبه، فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال “أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، وابتغى به وجهه” وفي حديث أبى هريرة “أن رجلا يريد الجهاد وهو يريد عرضا من أعراض الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أجر له، فأعاد عليه ثلاثا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول” لا أجر له” وكما جاءت فى الخضر عليه السلام صفة الرحمة، حيث فال الله تعالى ” آتيناه رحمة ” وهذه صفة الأنبياء والمؤمنين، والله تعالى يقول عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم “ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ” فلو لم يكن رحيما لما نجح في مهمته التي أوكله الله بها وهي هداية البشرية للإسلام.
وكذلك كان مع الخضر عليه السلام صفة العلم حيث قال تعالى ” وعلمناه من لدنا علما” أي، وهذا يقتضي أنه تعالى علمه لا بواسطة تعليم معلم، ولا إرشاد مرشد، وقد آتى الله تعالى الخضر عليه السلام علما لدنيّا أهله، لأن يعلم موسى عليه السلام، وكان أهم ما تميز به الخضر عليه السلام أنه كان منطلقا في كل تصرفاته من باب المصلحة العامة، فلم يكن يتحرك لشيء بدافع شخصي، وكل الأمور التي فعلها في قصته مع نبى الله موسى عليه السلام، كانت جميعها لأجل تحقيق المنفعة للغير، وعلى وجه التحديد لعباد الله المؤمنين، الذين عرفوا حق الله فأدوه، فلم يغفل عنهم في أمورهم، وأرسل لهم ذلك العبد الصالح ليقوم على تحقيقها لهم، وقد تمحورت قصة نبى الله موسى عليه السلام مع الخضر في ثلاث مواقف رئيسة كما يحكي القرآن الكريم، الأول قصتهما مع أصحاب السفينة، إذا أنهما لما انطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة فكلموها أن يحملوهما، فعرف أهل السفينة الخضر، ولم يعرفوا موسى فحملوهما بلا ثمن ومن غير مقابل إكراما للخضر، ولما وصلت السفينة ورست عمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه منها واقتلعه من داخلها ثم رماه في البحر، وهنا اندهش موسى عليه السلام، وقال في نفسه قوم حملونا وأكرمونا وأركبونا بلا ثمن ثم بعد ذلك يخرق سفينتهم ويفسد وسيلتهم، فلم يتحمل الصمت، فقال وقد أخذته الغيرة على الحق فقال أخرقتها لتغرق أهلها.

التعليقات