الثلاثاء - الموافق 13 أبريل 2021م

فى طريق الهدايه ومع أبرهة الأشرم ” الجزء الثانى ” إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثانى مع أبرهه الأشرم، وقد توقفنا معه حينما أراد أن يهدم الكعبه، فلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جدا، ورأوا أن حقا عليهم المحاجبة دون البيت، ورد من أراده بكيد، فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له “ذو نفر” فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وخرابه، فأجابوه وقاتلوا أبرهة فهزمهم لما يريده الله عز وجل من كرامة البيت وتعظيمه، وأسر “ذو نفر” فاستصحبه معه، ثم مضى لوجهه حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخشعمى فى قومه، شهران وناهس فقاتلوه، فهزمهم أبرهة، وأسر نفيل بن حبيب، فأراد قتله ثم عفا عنه، واستصحبه معه ليدله فى بلاد الحجاز، فلما اقترب من أرض الطائف خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة على بيتهم، الذى عندهم، الذى يسمونه اللات، فأكرمهم وبعثوا معه “أبا رغال” دليلا، فلما انتهى أبرهة إلى المغمس، وهو قريب من مكة، نزل به وأغار جيشه على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها، فأخذوه، وكان فى السرح مائتا بعير لعبد المطلب جد النبى محمد صلى الله عليه وسلم، وكان الذى أغار على السرح بأمر أبرهة أمير المقدمة، وكان يقال له “الأسود بن مفصود ” فهجاه بعض العرب، فيما ذكره ابن إسحاق، وبعث أبرهة حناطة الحميرى إلى مكة، وأمره أن يأتيه بأشرف قريش، وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تصدوه عن البيت، فجاء حناطة فدل على عبد المطلب بن هاشم، وبلغه عن أبرهة ما قال، فقال له عبد المطلب والله ما نريد حربه.
وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلى بينه وبينه، فوالله ما عندنا دفع عنه، فقال له حناطة فاذهب معى إليه، فذهب معه، فلما رآه أبرهة أجله، وكان عبد المطلب رجلا جميلا حسن المنظر، ونزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على البساط، وقال لترجمانه قل له حاجتك ؟ فقال للترجمان إن حاجتى أن يرد على الملك مائتى بعير أصابها لى، فقال أبرهة لترجمانه قل له لقد كنت أعجبتنى حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتنى، أتكلمنى فى مائتى بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه، لا تكلمنى فيه؟ فقال له عبد المطلب إنى أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه، قال ما كان ليمتنع منى، قال له عبد المطلب أنت وذاك، ويقال إنه ذهب مع عبد المطلب جماعة من أشراف العرب فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم، ورد أبرهة على عبد المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة والتحصن فى رءوس الجبال، تخوفا عليهم من معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، وقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة” اللهم إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدوا محالك” وقال ابن إسحاق ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب، ثم خرجوا إلى رءوس الجبال، وذكر مقاتل بن سليمان أنهم تركوا عند البيت مائة بدنة مقلدة، لعل بعض الجيش ينال منها شيئا بغير حق.
فينتقم الله منه، فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبأ جيشه، فلما وجهوا الفيل نحو مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه ثم أخذ بأذنه وقال “ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك فى بلد الله الحرام” ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل، وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد فى الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا فى رأسه بالطبرزين وأدخلوا محاجن لهم فى مراقه فبزغوه بها ليقوم، فأبى فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى مكة فبرك، وإذ هم في انشغالهم حتى خرجت طيور من البحر تحمل ثلاث حجارة، واحدة في مناقيرهم وإثنتان في أرجلهم أصابت جميع الجيش فحاولوا الفرار وسألوا الخثعمي طريق العودة وأورد أهل الأخبار بيتا شعريا منسوبا إليه جاء فيه” أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب غير الغالب” ويقول الطبرى، أنهم خرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، فأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم، فسقطت أنامله أنملة أنملة، كلما سقطت أنملة أتبعتها مدة تمث قيحا ودما، حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون، وإن هناك منكرون لغزو أبرهة الحبشى إلى مكة، وإنهم يعتمدون على الآثار، ومن ذلك ما قامت به بعثة يقال لها “بعثة ركمانز” فى عام الف وتسعمائة وواحد وخمسين ميلادى، حيث عثرت على نقش فى منطقة تثليث الواقعة فى جنوب غرب المملكة، والموجود فى النقش.
وقد ذكره المؤرخ الأميركى فرانسيس إدوارد بيتر فى كتابه “محمد وأصل الإسلام” وفيه حسبما ذكر”بقوة الرحمن ومسيحه الملك أبرهة، زبيمان، ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت واليمامة، والقبائل العربية فى المرتفعات والسواحل، كتب هذا النقش عندما غزا قبيلة معد، وعندما ثارت كل قبائل بنى عامر، وعين الملك القائد أبى جبر، وحضروا أمام الجيش ضد بنى عامر، وذبحوا وأسروا وغنموا بوفرة، ورجع أبرهة بقوة الرحمن فى شهر ذو علان فى السنة الثانية والستين وستمائة حيث أكد النقش على عودة أبرهة سالما من حملته، كما أن أسماء القبائل والمدن المذكورة فى النقش، لم تتضمن قريش أو مكة على الإطلاق، وبالإضافة إلى كل ذلك، فإن النقش قد حدد توقيت الحملة بعام ستمائة واثنين وستين من التقويم السبئي، والذى يناظر سنة خمسمائة واثنين وخمسين من التقويم الميلادي، وهو ما يسبق عام خمسائة وسبعون ميلادى، والذى يُعتقد بأنه قد شهد هجوم الفيل على مكة المكرمه، بثمانية عشر عاما كاملة، وإنه في العام خمسمائة وستة عشر، قد استعرت الفوضى السياسية في مملكة حمير وسقطت نهائيا عام خمسمائة وخمسة وعشرون، إلى خمسمائة وسبعة وعشرون، وقد بررت بيزنطة تدخلها بدعم الملك كالب ملك مملكة أكسوم بسبب المجازر التي ارتكبها يوسف أسأر بحق المسيحيين في نجران والمخا وظفار يريم ولكن الحقيقة هو أن البيزنطيين أرادوا وحدة سياسية مستقرة في بلاد الحميريين ضد الإمبراطورية الفارسية ولم يكن المسيحيين في نجران بالبراءة التي صورتها بعد المصادر.
بل كانوا يريدون إبادة اليهود من اليمن بدلالة إحراقهم عددا من المعابد اليهودية فجهود التنصير التي بذلتها بيزنطة من القرن الرابع الميلادي كانت لهذا الهدف، وهكذا كان فور مقتل يوسف أسأر اليهودي تم تعيين حميري مسيحي يدعى شميفع أشوع كحاكم على البلاد وإعادة إعمار كل الكنائس التي هدمها يهود اليمن وحلفاؤهم في ظفار يريم ونجران والمخا ومأرب وبناء ثلاث كنائس جديدة في نجران وحدها غادر معظم الجيش الأكسومي البيزنطي فى اليمن ولكن بعض أفراده رفضوا الرحيل لإن أرض الحميريين جيدة جدا وفقا للمؤرخ البيزنطي بروكبيوس وأحد هولاء كان أبرهة، قتل شميفع أشوع من قبل أبرهة واللافت للنظر هو أن أبرهة قدم نفسه كملك حميَّري وأعاد استخدام اللقب الملكي للحميَّريين وهو ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابهم في المرتفعات والتهائم ومن المؤكد أنه لم يكن حميريا على الإطلاق بل من مملكة أكسوم في إثيوبيا حاليا ومع ذلك فإنه دون كتاباته بلغة سبئية وأعاد استخدام اللقب الملكي الحميري ولم يحاول طمس أو تغيير أي شي من ثقافة مملكة حمير التغيير الوحيد كان تعصبه للمسيحية عدة عوامل أدت لتبنيه هذه السياسة، ضعف مملكة أكسوم وفقدان سيطرتها على النوبة بجنوب مصر ورغبته بكسب الزعامات القبلية المسيحية والذين تركزوا في ظفار يريم ومأرب وحضرموت ونجران، والعامل الثالث والأهم هو اختلاف مذهبه الديني عن بيزنطة وأكسوم المصادر مختلفة حول تصويرها لأبرهة، المصادر البيزنطية ترسم صورة سيئة عنه.
ومرد ذلك أنه لم يفى بأي من وعوده لهم أما المصادر المسيحية الأخرى فتصفه بأنه كان مسيحيا حقا يخاف الرب، وإن المصادر الأساسية لحياة أبرهة الأشرم هي ستة كتابات بخط المسند، أربع منه كتبها بنفسه أطولها معاركه مع يزيد بن كبشة، سيد قبيلة كندة وزعيم تحالف قبلي كان قد قاتل المسيحيين إلى جانب يوسف أسأر وقد أكتشف نص بخط المسند لكاتب مجهول يذكر كندة وبكيل و”ذي يزن” و”ذي خليل” و”ذي سحر” وبنائها لتحصينات مقابل البحر لقتال أبرهة وقد ورد في النص ذاته أن أقيال حضرموت والأشاعرة و”ذي معاهر” و”ذي كلاع” و”ذو ذبيان” و”ذو رعين” كانوا إلى جانب أبرهة ضد سيد كندة، وقد توقفت المعارك عقب وصول أخبار بتصدع هو الثالث أصاب سد مأرب منذ بداية إنشائه، فتوصلوا لهدنة لبناء السد ويذكر أبرهة أنه بنى كنيسة جديدة في مأرب نص آخر يشير لإستقبال أبرهة لمبعوثين من بيزنطة وفارس والنص الثالث يشير لحملة على قبائل معد واحدة ضد عامر بن صعصعة في تربة قرب الطائف والأخرى في حلبان التي تبعد قرابة ثلاثة مائة كيلو متر غرب الرياض وانتهت الحملة بتقديم سكان تلك المناطق أبنائهم رهائن مقابل الولاء فسر عدد من المستشرقين النص بأنه يشير إلى المعركة التي ذكرت في قصة أصحاب الفيل، ولكن اكتشافات حديثة تفند هذا الرأي لعدة أسباب، أنه لم يشر النص أن جيش أبرهة كان يحوي أي فيلة ولم يتطرق لمكة بل لمكانين اسمهما تربة وحلبان، وأن الفيلة تستهلك الكثير من الماء ولا تحتمل الصحراء.
ومن غير المنطقي أن يسير أبرهة مسافة تتجاوز ألف كيلو متر راكبا على فيل، وأن تاريخ نقش مريغان قد حدد توقيت الحملة بعام ستمائة واثنين وستين من التقويم اليمني الحميري اليعفري، والذي يناظر سنة خمسمائة واثنين وخمسين من التقويم الميلادي بمعنى أنه متقدم على غزو الكعبة بحوالي ستعة عشرة سنة، وإن المشهور في التفسير هو أنه يحكي أن أبرهة الحبشى بنى كنيسة ضخمة وكان إسمها القليس في صنعاء باليمن وبالفعل يوجد في اليمن موقع بصنعاء القديمة يسمى غرقة القليس ولكن كلمة قليس مشتقة من كلمة قلسن وهى بالحميرية تعني كنيسة، فغرقة القليس قد تكون مقرا لأي كنيسة فالمسيحية موجودة باليمن من القرن الرابع، وكان هدف بناء الكنيسة على ما أورد الرواة، هو صرف العرب عن حج بيت الله الحرام فى مكة وتحويل أنظارهم إلى كنيسته في صنعاء بعد أن أحدث فيها رجل من “بني فقيم” ذكره الطبري بأنه من أهل البيت الذي تحج له العرب، ويحكي الرواة أن رجلا من بني سليم كان عند أبرهة اسمه محمد بن خزاعي، وكان يتودد للملك فدخل عليه يوما وهو يأكل الخصى، فقال محمد لأخيه قيس، والله لئن أكلنا هذا لا تزال تسبنا به العرب ما بقينا” ثم قام أبرهة بتعيين محمد، هذا سيدا على مضر وأمره أن يدعو الناس بالحج إلى الكنيسة فلما وصل لديار بني كنانة ضربه رجل منهم بسهم مما أثار غضب أبرهة وعزم أن يهدم الكعبة لأجل ذلك، بل تذكر أهل الأخبار أن الكعبة كانت معظمة عند اليمنيين قبل الإسلام، فما أن علم رجل اسموه في كتبهم ذو نفر، بنية أبرهة حتى عزم القتال دفاعا عن البيت.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك