الثلاثاء - الموافق 13 أبريل 2021م

فى طريق الهدايه ومع أبرهة الأشرم ” الجزء الثالث ” إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثالث مع أبرهه الأشرم، وقد توقفنا عندما قام أبرهة بتعيين محمد بن خزاعى، هذا سيدا على مضر وأمره أن يدعو الناس بالحج إلى الكنيسة فلما وصل لديار بني كنانة ضربه رجل منهم بسهم مما أثار غضب أبرهة وعزم أن يهدم الكعبة لأجل ذلك، بل تذكر أهل الأخبار أن الكعبة كانت معظمة عند اليمنيين قبل الإسلام، فما أن علم رجل اسموه في كتبهم ذو نفر، بنية أبرهة حتى عزم القتال دفاعا عن البيت، فقاتل أبرهة وغُلب ذو نفر، ويذكر الطبري بعض ما يدعم نقوش المسند وكتابات البيزنطة التي عاصرت أبرهة ما شأنه أن الأشرم كان حليما، فلم يقتل أعدائه، وبلغ أبرهة بلاد خثعم وخرجت له قبائل أكلب وشهران وناهس بقيادة رجل يدعى نفيل بن حبيب الأكلبي الخثعمي، فأسره أبرهة وأراد قتله فقال له الخثعمي أيها الملك لا تقتلني، فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قومي بالسمع والطاعة، أما ثقيف فلم تبدى مقاومة وخرج قائدهم المدعو مسعود بن معتب، فقال أيها الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون، ليس لك عندنا خلاف، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد إنما تريد البيت الذي بمكة ونحن نبعث معك من يدلك، فلما اقترب أبرهة من مكة استولى على إبل بني هاشم وبعث رجلا يدعى حناطة الحميري ليسأل عن شريف المنطقة فقيل له هو عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، فتوجه حناطة هذا وقال لعبد المطلب إن الملك لا يريد حربكم إنما جاء ليهدم البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن لم يرد حربي فأتني به.
فخرج عبد المطلب مع حناطة نحو معسكر أبرهة وسأل عن ذو نفر، المذكور من قبل وتزعم كتابات أهل الأخبار أنه كان صديقا له فقال له، يا ذا نفر، هل عندك غناء فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر، وكان له صديقا وما غناء رجل أسير في يدي ملك، ينتظر أن يقتله غدا أو عشيا، ما عندي غناء في شيء مما نزل بك، إلا أن أنيس سائق الفيل لي صديق، فسأرسل إليه، فأوصيه بك، وأعظم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك، فتكلمه بما تريد، ويشفع لك عنده بخير، إن قدر على ذلك، قال حسبي، فبعث ذو نفر إلى أنيس، فجاء به، فقال يا أنيس إن عبد المطلب سيد قريش، وصاحب عير مكة، يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، وقد أصاب الملك له مائتي بعير، فاستأذن له عليه، وانفعه عنده بما استطعت، فقال أفعل، فدخل عبد المطلب على أبرهة سائلا إياه أن يرد له العير أو الإبل التي سلبها منه فعجب أبرهة وأحتقره رغم أنه أكرمه حينما رأى وسامته على روايات الإخباريين، متعجبا منه كيف يطلب الإبل ويترك البيت الذي جاء لهدمه فأجاب عبد المطلب إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه فلما رفض أبرهة طلب عبد المطلب، خرجت قريش إلى الجبال تنظر مافاعل أبرهة في كعبتهم، وفي صبيحة اليوم التالي عزم أبرهة على تنفيذ مخططه وهيأ الفيل الذي جلبه من صنعاء واسم الفيل كان محمود، فقام الخثعمي الذي أسره أبرهة بالهمس في أذن الفيل قائلا “ابرك محمود، وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام” فبرك الفيل ولم يقم، فوجهه أبرهة جهات مختلفة عن مكة.
فقام “يهرول” ورفض الهرولة ناحية مكة، وسمى ذلك العام بعام الفيل نسبة إلى هذه الحادثة التي وقعت فيه، عندما حاول أبرهة الحبشي أو كما يعرف كذلك بأبرهة الأشرم، حاكم اليمن من قبل مملكة أكسوم الحبشية تدمير الكعبة ليجبر العرب وقريش على الذهاب إلى كنيسة القليس التي بناها وزينها في اليمن، وحسب الرواية التاريخية، أن أبرهة قاد حملة عسكرية فاشلة لم يستطع خلالها أن يخضع منطقة مكة بما تمثله من رمزية دينية وقبلية لسيطرته، ووجه تسمية العام بعام الفيل، يعود إلى أن الحملة العسكرية التي سيّرت في غزو مكة، بهدف هدم الكعبة، استخدم فيها الفيلة، وحسب الرواية العربية أن أبرهة توفي في صنعاء بعد عودته من مكة بقليل، وذلك في سنة خمسمائة وسبعون أو خمسمائة وواحد وسبعون للميلاد، أما المصادر اليونانية فلم تشر إلى سنة وفاته، وقد ذكر المسعودي أن الحملة الحبشية التي كانت تستهدف مكة المكرمة، كانت يوم الأحد السابع عشر من شهر محرم سنة ثمانى مائة واثنين وثمانين حسب تقويم الإسكندر، الموافق مائتان وستة عشر حسب التاريخ العربي الذي أوله حجة العدد وهى حجة الغدر، الموافق لسنة أربعين من مُلك كسرى أنوشيروان، ويسجل المؤرخون الإيرانيون أن كسرى الأول المعروف بكسرى أنوشيروان حكم ما بين خمسمائة وواحد وثلاثون إلى خمسمائة وتسعة وسبعون للميلاد بذلك تكون السنة الأربعون من حكمه توافق عام خمسائة وواحد وسبعون للميلاد، وبحسب ذلك وبحسب كثير من المستشرقين والمشتغلين بالتقاويم وبتحويل السنين.
فإن عام الفيل يصادف سنة خمسمائة وسبعون أو خمسمائة وواحد وسبعون للميلاد، ويسجل المؤرخون أن أبرهة الحبشي في حال لو تم له ما أراد، ونجحت حملته العسكرية بإخضاع مكة المكرمة وهدم الكعبة لتغيرت الخارطة السياسية في الجزيرة العربية برمتها، ولقد قيل أيضا من بعض المنكرين لهذه الواقعه إنه لا توجد أدلة على قيام أبرهة الحبشى بغزو الكعبة وفقا لما تم تناقله تاريخيا، مؤكدين أنه لا توجد أية أدلة أو وثائق تشير الى غزو أبرهة الحبشى للكعبة، وقيل أن أبرهة الحبشى غزا مكة، لا أصل له لأنه طبقا للنقوش التى تركها أبرهة الحبشى فى اليمن بما فى ذلك النقوش التى تركها على سد مأرب وبقايا سد مأرب، الحبشى كان رجلا مسيحيا وهو يكتب نقوشه بالخط المسند اليمنى على جدران وبقايا سد مأرب كتب بسم الرب المسيح أو بسم المسيح الرب” وقيل أنه كان أبرهه الحبشي رجلا مسيحيا ولم يكن وثنيا، الأمر الآخر، هو توفى عام خمسمائة وخمسة وثلاثون ميلادى وليس خمسمائة وسبعون كما يزعم المؤرخون القدماء وأنه غزا الكعبة فى هذا الوقت، فهناك خمسة وثلاثون سنة فرق، ولا توجد أى وثيقة أن أبرهة الحبشى خرج من اليمن وقصد الجزيرة العربية لأنه طوال السنوات التى كان يحكم بها اليمن كان مشغولا بقمع تمردات القبائل اليمنية التى احتجت عليه وبسبب علاقاته مع الأحباش، وقد أردف ابنه يكسوم الذى ورث الحكم منه هو الذى بنى الدولة الشهيرة المسيحية التى عُرفت بدولة أكسوم أو يكسوم، وهى اندماج جنوب اليمن مع الحبشة فى دولة مسيحية جديدة عرفت بدولة يكسوم.
فلا توجد أى دلائل لا بالنقوش ولا وثائق تاريخية ولا أخبار تاريخية موثقة أنه غزا الجزيرة العربية، ثم أخيرا كان للمنكرين رأى بأنهم قالوا هل من المنطقى أن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يرسل الحجارة ليقتل جيش مسيحى وينتصر للوثنيين؟ وهل يمكن لعاقل أن يقبل أن الله تعالى وقف مع الوثنيين ضد المسيحيين؟” وإنه لا تتفق الكتب المقدسة وكتب التاريخ والمعالم الأثرية طوال الوقت، فقد تختلف الأمور قليلا أو كثيرا، وقيل أنه عندما جاء أبرهة الحبشي بجيشه الذي يضم عددا كبيرا من الفيلة التي يمتلكها إلى مكة المكرمة من أجل هدم الكعبة المشرفة، لكن الله تعالى أرسل عليهم طيورا أبابيل من عنده، صارت ترميهم بحجارة من سجيل حتى أهلكهم وقطع تدبيرهم ورد كيدهم مهزومين خاسرين، فحجارة السجيل هي حجارة من نار والعصف المأكول هو الطعام المأكول والمردود بعد أكله، وقال أهل السيرة أن الله سبحانه وتعالى أصاب أبرهة بداء في جسمه بحيث أصبح يتساقط منه إصبعا إصبع إلى أن وصل إلى قومه كأنه فرخ طير ثم مات وهو على هذه الحال، وقد كانت حادثة الفيل إثباتا لخلق الله جميعا بأن الله موجود وأنه هو من حمى بيته الحرام، فزاد هذا الأمر الكعبة تشريفا وعظمة، وقد سجل التاريخ هذه الحادثة لما كان فيها من المعجزات التي لم تكن موجودة في ذاك الزمان، وإن تلك الحادثة كانت بمثابة إعلان بفساد كل من في الأرض ليبعث الله عز وجل نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم مبشرا ونذيرا، وإنه نظرا لعظمة ما حدث مع أصحاب الفيل عند محاولتهم هدم الكعبة المشرفة.
فقد أطلق العرب على العام الذي وقعت به تلك الحادثة اسم عام الفيل، وأصبح تاريخا يرجع إليه الناس وينسبون السنين له، ومن أهم الأحداث التي قامت في عام الفيل أيضا هي ولادة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جاء عن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضى الله عنهما في نص الحديث الشريف أنه قال ” وُلد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل يوم الاثنين الثامن عشر من شهر ربيع الأول وفيه بُعث وفيه عُرج به إلى السماء وفيه هاجر وفيه مات” وبهذا يكون عام الفيل لدى المسلمين عاما مميزا ففيه حفظ الله عز وجل الكعبة وزادها عظمة وفيه ولد رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ولقد كان مولد النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم نذيرا بزوال دولة الشرك والظلم، وبداية لنشر الخير والعدل بين الناس، وكانت حادثة الفيل من دلائل وبشارات نبوته قبل مولده صلى الله عليه وسلم، ولقد كان يحكم العالم دولتان اثنتان، وهما الفرس والروم، ومن ورائهما اليونان والهند، ولم يكن الفرس على دين صحيح ولا طريق قويم، بل كانوا مجوسا يعبدون النيران, ويأخذون بمبادئ مذهبي الزرادشتية والمزدكية، فكلاهما انحرفتا عن طريق الفطرة والرشاد، واتبعتا فلسفة مادية بحتة لا تقر بفطرة ولا تعترف بدين، فالزرادشتية مثلا تفضل زواج الرجل بأمه أو ابنته أو أخته، والمزدكية من فلسفتها حلّ النساء، وإباحة الأموال، وجعل الناس شركة فيها، كاشتراكهم في الماء والهواء والنار والكلأ، أما الروم فلم يكن أمرهم أفضل حالا، فعلى الرغم من كونهم على دين نبى الله عيسى عليه السلام.
ولكنهم انحرفوا عن عقيدته الصحيحة، وحرفوا وبدلوا ما جاء به من الحق، فكانت دولتهم غارقة في الانحلال حيث حياة التبذل والانحطاط، والظلم الاقتصادي جراء الضرائب، إضافة إلى الروح الاستعمارية، وخلافهم مع نصارى الشام ومصر، واعتمادهم على قوتهم العسكرية، وتلاعبهم بالمسيحية وفق مطامعهم وأهوائهم، ولما كان الأمر كذلك لم تكن القوتان الكبيرتان في العالم آنذاك قادرتين على توجيه البشرية نحو دين صحيح، ولم تكونا مؤهلتين لحمل رسالة عالمية تخرج الناس من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن ظلم العباد إلى عدل الواحد الديان، أما اليونان وشعوب أوربا فقد كانت تعيش حياة بربرية، تعبد الأوثان، وتقدس قوى الطبيعة، فضلا عن كونها غارقة في الخرافات والأساطير الكلامية التي لا تفيد في دين ولا دنيا، وأما بقية الشعوب في الهند والصين واليابان والتبت، فكانت تدين بالبوذية، وهي ديانة وثنية ترمز لآلهتها بالأصنام الكثيرة وتقيم لها المعابد, وتؤمن بتناسخ الأرواح، وإلى جانب تلك الأمم كان هناك اليهود، وكانوا مشتتين ما بين بلاد الشام والعراق والحجاز، وقد حرفوا دين نبى الله موسى عليه السلام, فجعلوا الله سبحانه وتعالى إلها خاصا باليهود, وافتروا الحكايات الكاذبة على أنبيائهم مما شوّه سمعتهم, وأحلوا التعامل مع غيرهم بالربا والغش, وحرّموه بينهم، وقد نتج عن ذلك الانحلال والاضطراب والضلال فساد وشقاء، وحضارة رعناء قائمة على أساس القيم المادية، بعيدة عن القيم الروحية المستمدة من الوحي الإلهى، أما جزيرة العرب فقد كانت في عزلة عن تلك الصراعات والضلالات الحضارية والانحرافات.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك