الثلاثاء - الموافق 02 مارس 2021م

فى طريق المعرفه ومع نبى الله داود ” الجزء التاسع ” إعداد / محمـــد الدكـــــرورى

ونكمل الجزء التاسع مع نبى الله داود عليه السلام، وأما عن صحة قصة نبى الله داود عليه السلام مع المرأة؟ وفي ذكر هذه القصة ذكر أن إبليس تلبس على هيئة طائر من ذهب ووقف بالقرب من داود عليه السلام، ولمَّا أراد النبي بلوغه إذ بامرأة تغتسل بالقرب منه، فنفضت شعرها وسترت نفسها به فأحبها، وكان زوجها جنديا في جيش نبى الله داود عليه السلام، واسمه أوريا بن حنا، فطلب داود عليه السلام، من قائد جنده أن يقدم أوريا في القتال ليكون في مقدمة الجند، فقتل أوريا بذلك وتحللت المرأة للنبى داود عليه السلام فعاتبه الله على محبته امرأة ليست له، وهذا من ذنوب الأنبياء التي يعاتبهم الله عليها، وقيل إنما كانت نيته في تقديم أوريا أنه ذو بأس وقوة وكان يرجو النصر على يديه وأن يكفيه الله وجوده، وقد قال في هذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه من يتحدث على النبي بسوء أو يقذفه جلدته مئة وستين جلدة مؤكدا عدم صحة تلك القصة، وأما عن قصة نبي الله داود عليه السلام مع طالوت وجالوت؟ فتبدأ قصة داود مع طالوت وجالوت منذ أن أوحى الله لنبيه أن هناك غلام سيقتل جالوت وسيكون الملك، وآية ملكه أن يفيض الماء من قرن يضعه النبي على رأسه، واتفقت هذه العلامات مع نبى الله داودعليه السلام، وكان وقتئذ راعيا للأغنام، ولما أمر الله تعالى طالوت أن يغزو أهل مدين ويقتلهم جميعا خالف طالوت أمر ربه وأبقى ملك مدين حي.
فعاقبه الله تعالى بنزع الملك منه وجعله في داود عليه السلام، وذلك بعد أن برز طالوت بجيشه وجالوت بجيشه، فقال جالوت لطالوت بارزني أو أخرج من يبارزني وإن قتلني فله ملكي، فبرز داود لجالوت في المعركة فقتله، واجتمعت بني اسرائيل حول داود عليه السلام، وأحبوه، فآتاه الله الملك والنبوة، وأما عن العبر المستفادة من قصة داود عليه السلام؟ فقد تضمنت قصته عليه السلام العديد من الأمور التي تسترعي الانتباه والاهتمام خاصة فيما يتعلق بالجانب الإيمانى وأثره القوي على النفس البشرية حيث يكون الحافز والمحرك لمواجهة كافة أشكال ومظاهر الجبروت والطغيان كما فعل داود عليه السلام مع جالوت، كما تضمنت السورة، وهو تكريم الله تعالى لأنبيائه في الدنيا والآخرة، وقد كان تكريم الله لداود عليه السلام لأنه أواب وتائب، وكذلك الإيمان الصادق والثقة بالله هي سلاح المؤمن والذي سيجزيه الله عليه كل خير، وكذلك استحباب التحلي بمكارم الأخلاق وخاصة في القضاء وفصل الخصام فيجب عدم اتباع الهوى، وكذلك التشجيع على العمل وكسب القوت بالحلال من العمل الدؤوب والجاد كما كان يفعل داود عليه السلام، وقد جاء ذكر نبى الله داود عليه السلام، في القرآن الكريم ست عشرة مرة تارة مع عدد من الأنبياء وتارة في سياق منفصلٍ عنهم.
وأما عن موضوع الخلطاء والشركاء فإنك ترى كثيرا من الشركاء فعلا إذا دخلوا في شراكة يبغي واحد على الآخر، إما بأن يأخذ من رأس المال له، أو يأخذ من الربح أكثر، أو يحمل الطرف الآخر خسارة ليس عليه أن يتحملها، أو يكتم شيئا من الأرباح، أو يجعل لنفسه ربح صفقة دون شريكه، أو يعطيه صفقة تافهة، ويأخذ هو صفقة جيدة، وطبعا هذا لا يجوز في الشراكة، لو اشترك اثنان على أن يأتي ببضائع لبيعها، فقال الأول أنا لي ربح حمولة الباخرة الأولى، ولك ربح حمولة الباخرة الثانية، لا يجوز محرم، ومن الظلم، أن شركة المضاربة المال من واحد والعمل من واحد، يأخذ المضارب المال، ويعبث به لأنه مال الآخر، فيغامر به مغامرات خطيرة غير مدروسة، ولا محسوبة فيؤدي ذلك إلى خسارة صاحب المال ماله، وربما يسافر بدرجة أعلى من المتفق عليه، وينزل في فنادق أعلى من المتفق عليه، ويبذخ في السفر، ثم يقول له هذه كلفة الرحلة التجارية، إذا ” وإن كثيرا من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض ” إلا صنف لا يبغي من هم “الذين آمنوا وعملوا الصالحات ” فأولئك عندهم من الإيمان والعمل الصالح ما يمنعهم من الظلم، والعمل الصالح ما جمع الشرطين، الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ومن هنا يقول الله تعالى كما جاء فى سوة الكهف ” فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا”
فهذا المؤمن الذي يعمل الصالحات إيمانه وعمله الصالح يمنعه من البغي والظلم، ويجعله أمينًا لا يأكل حق غيره، ومن نقص إيمانه وعمله الصالح فإن هذا سيجعله يتردى في البغي، لكن أيهما أكثر الذين يبغون من الشركاء أو الذين يعدلون؟ الذين يبغون أكثر، وهكذا فإن من الدروس والعبر المستفادة من القصة هو إن التثبت والبينة من علامات صحة القضاء، وينبغي أن نتروى إذا أردنا أن نحكم حتى بين الأولاد، فإن بعض الآباء يذهب ليضرب المدعى عليه مباشرة، فيأتي ولد يشتكي أخاه فيضرب الآخر قبل أن يسمع من الآخر، وكذلك تفعل الأم، ويذهب المدرس ليعاقب الطالب المشتكى عليه قبل أن يسمع منه، والقاضي يجب عليه أن يتحرى أكثر وأكثر لأن القضايا المنظورة عنده أخطر وأكبر، ومن القصة أيضا نأخذ أسلوب القرآن في التشويق عند عرض القصص، وكذلك أهمية إتيان البيوت من أبوابها لأن عدم إتيان البيوت من أبوابها يسبب الفزع لأهل البيت، وأن الحكم بين الناس أفضل من العبادات الخاصة لأن داود بالتأكيد لما أغلق الباب ما أغلقه ليلعب أغلقه ليتعبد، ذهب إلى محرابه يصلي، وأن الأنبياء يلحقهم ما يلحق الناس من جهة الطبيعة البشرية، النبي قد ينسى، يذهل، يتسرع، ممكن يحدث منه هذا، لكن أقل بكثير من غيره، يعني يخطئ النبي لكن خطأه بالنسبة لخطأ الآخرين قليل جدا، لكن للتدليل على أنه بشر وليس بملك، فيقع منه.
إنا بشر من البشر أغضب كما يغضبون، أنسى كما تنسون، وأنه ينبغي استعمال الأدب في الدخول على القضاة، وأما الدخول اقتحام مجلس القاضي بغير إذن فلا يصح، وأن الحاكم لا يمنعه سوء أدب الخصم في الحكم له إذا كان معه الحق، يعني قد يأتي للقاضي اثنان الحق مع واحد منهما، ولكن قليل أدب، وطويل لسان، والآخر مؤدب جدا لكنه ظلم، فلا يمنع سوء أدب صاحب الحق أن يحكم له، والآخر ولو كان مؤدب جدا إذا كان ظالما يحكم عليه، وفيه حلم نبى الله داود عليه السلام لأنه لما حصل هذا ما غضب عليهما وعاقبهما، وقال كيف دخلتما بغير استئذان، ولأسجننكما ولأجلدنكما ولأفعلن بكما، وإنما سامح وغفر وتغاضى، ولم ينتهر، ولم يوبخ، وهذه أخلاق الأنبياء، وفي القصة أن الإنسان لو تسبب في فزع غيره أن عليه أن يؤمنه، وأن يهدئ من روعه، وأن على من أراد أن يتكلم بين يدي القاضي، ألا يقول له كلاما مسيئا، كأن يقول لا تشطط، لا تظلم، احكم بالعدل، لا تحكم بالظلم، فإن مثل هذا الكلام لا يليق، لم يقل القاضي شيء بعد، هو القاضي لو كان ظلم ممكن يقول، أذكره بالله، لكن القاضي الآن هو نبى الله داود عليه السلام لما تكلم الآن، القصة ما عرضت، هذه أول العرض ما جاءت بعد الشكوى، ولا جاءت الدعوى، إذا الإنسان إذا أراد أن يتكلم بين يدي القاضي يأتي بالكلام المناسب اللائق، وليس بالكلام الذي يجعل القاضي في ضيق مما يسمع، وفي الآية أن الموعوظ والمنصوح ولو كان كبير القدر جليل العلم إذا نصح لا ينبغي أن يشمئز.
ولا أن يغضب، وكذلك نبى الله داود عليه السلام صحيح النصيحة ما كانت في محلها لكن لأنها جاءت لا تشطط، وفيها وصية، وفيها تنبيه تقبلها، وفي الآيات أن الأخوة بين المؤمنين لا تنتفي بمجرد العدوان، يعني مع أن هذا حصل ظلم في الموضوع، لكن مع أنه حصل ظلم في الموضوع لكنه لم يمنعه من أن يصفه بأنه أخ، فقال تعالى كما جاء فى سورة ص ” إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ” وفي الآيات أن بعض الخصوم يكون أقوى من غيره في الخصومة حتى يغلبه، ويمكن أن نعتذر لنبي الله داود بأنه لم يسمع من الآخر أنه أراد السرعة في إنهاء القضية ليتفرغ للعبادة التي احتجب عن الناس من أجلها، وفي الآية جواز قول المظلوم لمن ظلمه أنت ظلمتني، لأنه قال ” خصمان بغى بعضنا على بعض ” فبعض الناس ينصحون الأقارب ألا يشارك بعضهم بعضا حتى لا تقع خصومة، فيقول إذا أردت أن تشارك لا تشارك صديقا أو أخا صاحبا، ولا قريبا، ولا واحد من أهل الزوجة، لأنك إذا صار بينك وبينه غدا خصومات في الشركات يكون الحرج البالغ أنك تخسر أخا زوجتك، أو تخسر ابن عمتك، أو تخسر صديق عمرك، لو تأملنا في الشراكات التي تحصل بين الناس سنجد أن هناك عددا من الناس خسر بعضهم بعضا، بالرغم من أنهم أقارب، أو أصهار، أو جيران، أو زملاء في العمل، أو أصدقاء عمر وطفولة، بسبب دخلوا في الشراكة وحصلت الخلافات.
وأحيانا الخلافات تحصل بسوء ظن، وتحصل بتفسيرات مختلفة للحدث الواحد كل واحد يفسرها على رأيه، ثم يتنازعان في القضية، وأن هذه الفتنة التي حصلت لنبى الله داود عليه السلام ما نقصت من درجته عند ربه، ولا أنزلت من رتبته عند الله، بل رفعته، وأنه بعد الفتنة صار أفضل مما كان قبل الفتنة، وهكذا بعض الناس ربما يكون له الذنب أنفع من جهة أنه يكون بعد الذنب التوبة الشديدة، ومحاولة الاستدراك، والأعمال الصالحة أفضل مما كان قبل الذنب، لكن ليس معنى هذا أن الواحد يذنب ليكون أفضل لأنه قد يذنب وينتكس، ويذنب مرة ثانية وثالثة ورابعة، وإذا به في مسلسل من الذنوب والخطايا، وفي الآيات أهمية الجمع بين الإيمان والعمل الصالح، وأن الحاكم الذي يجلس للناس لا يصح أنه يحتجب عنهم، وأن الأنبياء يختبرون، وأن الله تعالى يبتليهم، وأن الله عز وجل يفتنهم، وقد فتن الله تعالى داود، وفتن سليمان، وأن السجود للخضوع من سنن الأنبياء خضوعًا لله عز وجل، وأن الصلاة بعد الذنب مهمة في تكفير الذنب، وروى ابن أبي حاتم أن الوليد بن عبد الملك وكان خليفة قال لأبي زرعة أيحاسب الخليفة؟ فإنك قد قرأت الكتاب الأول، وقرأت القرآن، وفقهت، فقال يا أمير المؤمنين أقول، فقال له قل في أمان الله
قال يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أو داود عليه الصلاة والسلام؟ إن الله تعالى جمع له النبوة والخلافة، ثم توعده في كتابه.

التعليقات


Fatal error: Allowed memory size of 41943040 bytes exhausted (tried to allocate 20480 bytes) in /home/alfaraen/public_html/wp-includes/wp-db.php on line 1889