الخميس - الموافق 13 مايو 2021م

فى طريق المعرفه ومع رمضان والفرقان ” الجزء السادس ” إعداد / محمـــد الدكـــروى

ونكمل الجزء السادس مع رمضان والفرقان، وقد توقفنا عندما بدأ القتال العام، وشرع النبى صلى الله عليه وسلم يحرض أصحابه على القتال فقال ” قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض” فقال عمير بن الحُمام يا رسول الله، أجنة عرضها السماوات والأرض؟ قال “نعم ” قال بخ بخ، فقال رسول الله “ما يحملك على قولك بخ بخ؟” قال لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال “فإنك من أهلها” فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال إن أنا حييت حتى آكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة، فما بينى وبين أن أدخل الجنة إلى أن يقتلنى هؤلاء، فقذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل وهو يقول ركضا إلى الله بغيـر زاد إلا التقى وعمل المعاد، والصبر في الله على الجهاد وكل زاد عرضة النفاد، غير التقى والبر والرشاد، هكذا كان أولئك الأبطال ينظرون إلى الحياة، فهى ممر لا مقر، وكل نعيمها زائل لا محالة، ولن يبقى ولن يدوم إلا نعيم الجنان، واشتد القتال، وحمي النزال، وأزهقت النفوس، وتطايرت الرؤوس.
وثبت الله المؤمنين، وأمدهم بالملائكة منزلين ومسومين ومردفين، وأغفى النبى صلى الله عليه وسلم إغفاءة ، ثم رفع رأسه فقال أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع أى الغبار، وكان رأس الرجل من الكفار يطير لا يدرى من ضربه، وكانت يده تطير لا يدرى من ضربها،
وقاتل عكاشة بن محصن يوم بدر بسيفه حتى انقطع فى يده، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلا من حطب، فقال “قاتل بهذه يا عكاشة” فلما أخذه من رسول الله هزّه فعاد سيفا فى يده طويل القامة، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، ولم يزل يقاتل بهذا السيف حتى قتل في حروب الردة وهو عنده، وأما قائد جيش الكفر أبو جهل، فقد التفت حوله عصابة من المشركين، وقالوا أبو الحكم لا يُخلص إليه ولكن هيهات، قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إني لواقف يوم بدر، فنظرت عن يمينى وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال يا عماه، أتعرف أبا جهل؟
فقلت نعم، وما حاجتك إليه؟ قال أخبرت أنه يسب رسول الله، والذى نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادى سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك، فغمزنى الآخر فقال لي أيضا مثلها، فلم ألبث أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول فى الناس، فقلت ألا تريان، هذا صاحبكم الذى تسألانى عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم احتز رأسه ابن مسعود وجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكبر وحمد الله وقال هذا فرعون هذه الأمة، وانجلت المعركة عن نصر عظيم للمسلمين، وانهزمت جموع الكفار وولت الدبر، مصداقاً لقول الله تعالى “سيهزم الجمع ويولون الدبر” وقتل منهم سبعون، معظمهم من صناديدهم وأشرافهم، وعلى رأسهم أبو جهل، وأسر منهم سبعون، وفر الباقون يجرون أذيال الهزيمة إلى مكة، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا رضي الله عنهم، منهم حارثة بن سراقة، وكان قد رُمى بسهم وهو يشرب من الحوض، فأصاب نحره فمات، وقد ثبت فى الصحيحين عن أنس أن أم حارثة قالت يا رسول الله.
أخبرني عن حارثة، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه بالبكاء، فقال رسول الله “يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى” وفي هذه الغزوة العظيمة دروس كثيرة، أولها هو درس فى فضل الجهاد في سبيل الله، فالجهاد ذروة سنام الدين، وسبيل عز المؤمنين، وهو أفضل عمل يتقرب به العبد لربه بعد الإيمان به، ففي الصحيحين عن أبى ذر رضى الله عنه قال، قلت يا رسول الله، أى العمل أفضل؟ قال “الإيمان بالله والجهاد في سبيله” فإن منزلة الجهاد منزلة عظيمة لا يصل إليها إلاَ من عظمت الآخرة فى نفسه وهانت الدنيا عنده، ورسخت محبة الله في سويداء قلبه، فعاش بالله ولله ومع الله، وبهذه العقيدة الصحيحة ربى الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه، فتسابقوا للجهاد، وواجهوا أعداء الله بثبات وإيمان، وحرصوا على الموت حرص غيرهم على الحياة، فنصر الله بهم الدين، وجعلهم أحياء في الدارين، فهم أحياء فوق الأرض بالعزة والتمكين، وهم أحياء تحت الأرض عند ربهم يرزقون.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة عزّها في الجهاد، متى ما رفعت راية الجهاد كانت عاقبتها النصر والعزة والتمكين، ومتى ما استكانت ورضيت بالقعود وتركت الجهاد ضربت بالذلة، وتسلط عليها أعداؤها، وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم” رواه أحمد وأبوداود، فإن الجهاد لا بد له من إعداد واستعداد، وإن غزوة بدر لم تكن مقطوعة الصلة بما سبقها من تربية طويلة بمكة ثم بالمدينة، حتى إذا قويت شوكة النبى صلى الله عليه وسلم وقوى عود أصحابه شرع الله لهم الجهاد، وليس الجهاد بأعمال طائشة، يقوم بها بعض المتهورين، دون علم راسخ، ونظر في المصالح والمفاسد، ولهذا قرر أهل العلم أن الأمة متى ما ضعفت أو كانت المصلحة فى ترك الجهاد فإن الأمة تؤخر الجهاد أعني جهاد الطلب، ويبقى جهاد الدفع واجبا بقدر الاستطاعة إذا دهم العدو بلاد المسلمين.
وفى هذه الغزوة تجلت صور الحب الحقيقى لله ورسوله، والاستجابة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، وبرزت صفحات من البطولة والتضحية، حيث كان الصحابة يتسابقون إلى ساحات الجهاد، ويتنافسون على القتال في سبيل الله ونيل الشهادة، بل كان لصغار الصحابة نصيب من هذه البطولات، فهذا عمير بن أبي وقاص أخو سعد، حضر غزوة بدر وعمره ستة عشر عاما، وكان قبل المعركة يتخفى عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يراه فيردّه بسبب صغره، وسرعان ما اكتشف هذا البطل الصغير، فيؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه صغيرا رده عن المشاركة فى المعركة، فتولى وهو يبكى، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم بكاءه وإصراره أجازه، فدخل المعركة، فقاتل حتى قتل رضي الله عنهم أجمعين، فقيل هم عباد ليل إذا جن الظلام بهم كم عابد دمعه بالخد أجراه، وأسدغاب إذالاح الجهاد بهم هبواإلى الموت يستجدون لقياه فيا رب فابعث لنا من مثلهم نفرا يشيدون لنا مجدا أضعناه، وهناك درس في نصر الله تعالى لأوليائه.
حيث استجاب الله دعاء رسوله وأصحابه، ونصر حزبه، وأنجز وعده ، مع وجود الفارق في العدد والعدة، فقال تعالى ” ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة” ولقد أراد الله سبحانه أن يعرف المسلمون على مدى التاريخ أن النصر سنة من سنن الله، وهو سبحانه إنما ينصر من ينصره ، فليس النصر بالعدد والعدة فقط، وإنما هو بمقدار اتصال القلوب بقوة الله ” وما النصر إلا من عند الله” ومن دروس هذه الغزوة ، أن رابطة الدين وعقيدة الولاء والبراء أعظم من كل العلاقات والقرابات والأنساب، فها هو عبد الرحمن بن أبى بكر بعدما أسلم، يقول لأبيه أبي بكر رضي الله عنه لو رأيتني وأنا أعرض عنك فى بدر حتى لا أقتلك، فقال أبو بكر رضى الله عنه أما إنى لو رأيتك وقتئذ لقتلتك، ويقابل أبو عبيدة رضي الله عنه أباه فى المعركة فيقتله، ويمر مصعب بن عمير بعد نهاية المعركة ورجل من الأنصار يأسر أخاه أبا عزيز، فيقول مصعب شدّ وثاقه فإن أمّه ذات مال، فيقول أخوه أهذه وصاتك بى؟ فيقول مصعب هو، أى الأنصارى هو أخى دونك.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك