الأحد - الموافق 01 أغسطس 2021م

فى طريق المعرفه ومع رمضان والفرقان ” الجزء الثامن ” إعداد / محمـــد الدكـــروى

ونكمل الجزء الثامن مع رمضان والفرقان، وقد توقفنا عندما قال للمسلمين لاحقا لما أخذت بعضهم نشوة النصر، فافتخر بقتله لصناديد أهل الكفر، قال الله تعالى لهم معلما ومؤدبا ” فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ” فأنتم أمسكتم بالسيوف وضربتم، ولكن الله هو الذي أمدكم بالقوة، وأوصلها إلى رقاب الأعداء فقتلتهم، فالنصر بداية من الله عز وجل، ولكن هذا لا ينافى قول الله عز وجل لنا ” وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخير ترهبون به عدو الله وعدوكم” فكل ما فى إمكاناتكم من قوة جهّزوها، وتدربوا عليها، واستعدوا لها، لكن لابد مع القوة من استمداد النصر من عند الله عز وجل، لأن لله عز وجل أسلحة فى القتال تحقق النصر لا يعطيها إلا لعباده المؤمنين، وقد أشار إليها مجملا الفاروق عمر بن الخطاب فى كتابه الذي أرسله إلى القائد سعد بن أبي وقاص فى غزوه لبلاد فارس وكان مما قاله له فيه” مُر الجند بطاعة الله عز وجل، فإنا لا ننتصر بعدد ولا عُدد، وإنما ننتصر بالمدد من الله عز وجل.
والله عز وجل يمد بمدده من أطاعه ونصر شرعه، أما إذا عصى الجند الله، فإنهم يتساوون مع أعدائهم وهم أكثر منا عَدّا وعددا فتكون النصرة لهم” وهذا هو المفتاح الكريم الثاني للنصر, فإذا أقمنا حدود الله وطبقنا شرائعه، جاءنا النصر من عند الله عز وجل، ومن أول ما يأتى به النصر من الله قذف الرعب في قلوب الأعداء، وهذا سلاح قال فيه صلى الله عليه وسلم “نصرت بالرعب مسيرة شهر” فعندما علم النبى صلى الله عليه وسلم أن ملك الروم جهّز أكثر من خمسمائة ألف، وأعلن أنه سيتوجه لمحق هذا النبى صلى الله عليه وسلم جهّز صلى الله عليه وسلم ثلاثين ألفا، وخرج من المدينة في وقت صيف كان شديد الحرارة، وبمجرد خروجه من المدينة طارت الأنباء إلى قيصر الروم بخروجه صلى الله عليه وسلم وبينهما ما يزيد عن الألف كيلومتر فما كان من قيصر الروم إلا أن ترك بلاد الشام كلها وذهب إلى عاصمة ملكه في القسطنطينية، رعبا وفزعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسار صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك.
فى شمال الجزيرة فلم يجد من الروم جندا ولا جيشا ولا أحدا في مقابلته، فالسلاح الأعظم الذى نصر الله عز وجل به المسلمين فى كل حروبهم في شهر رمضان، فيقول تعالى ” وقذف فى قلوبهم الرعب” ولماذا كان النصر حليف أهل الإيمان فى شهر رمضان بالذات؟ لأن شهر رمضان هو شهر الصبر، فقد قال صلى الله عليه وسلم” الصوم نصف الصبر، والصبر نصف الإيمان” فما شأن الصبر بالنصر؟ فيقول الله عز وجل ” إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا” وقيل بفحص هذه الظاهرة علميا، وجد أن الله تعالى ركب طاقات أعضاء الإنسان جميعا على أن يقوم جزء يسير منها بالعمل في الحياة الطبيعية، وادخر باقى الطاقات حتى تتفجرللمؤمن الصابر في الوقت المناسب، فالعضلات جميعا تعمل ببعض طاقاتها، وعند الاستثارة تعمل بكل طاقاتها، فتقوى عشرة أمثال طاقاتها الأولى، وكذا طاقات الجهاز العصبى، تعمل عملها الطبيعى، وحتى خلايا الكلية والكبد تعمل بعشر طاقاتها.
وعند الطوارئ تراها وقد زاد إنتاجها إلى عشرة أمثالها، فترى المؤمن الصابر عند الطوارئ النفسية، فرحا مستبشرا، لأنه بصبره تزداد طاقة إنتاجه والنتيجة ” إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون” وقد تم فى السنين الأخيرة اكتشاف مادة الأندروفين وهى مادة كيميائية، تفرزها خلايا المخ، خاصة القشرة العليا من فصي المخ، وهى مادة تزداد في دم الإنسان كلما زاد صبره على الآلام المختلفة، وكلما زادت إرادته في إنجاز عمل خاص، وهى التى تعين الإنسان على وقف الألم، وعلى زيادة التحمل، وعلى استقرار طاقاته وهو يواجه الصعوبات والمخاطر، ولذا فالمؤمن تكون قوته في وقت الشدة عشرة أضعاف قوته العادية لأنه تدّرع بدرع الصبر، ودرع الصبر لا يكون إلا لأهل الإيمان وهذا حالهم الجلى فى شهر الصبر شهر رمضان، ونحن نحتفى هذه الأيام بذكرى غزوة بدر فى اليوم السابع عشر من شهر رمضان، وفتح مكة فى العشرين من رمضان.
فهما من الليالى التي اختصها الله عز وجل بالفضل، ولذلك فقد حرص سلفنا الصالح على إحيائها في طاعة الله عز وجل، لأنها من ليالى النصر، والفرح بالنصر والفرح بإعزاز الحق، وكذلك لأنهما من الليالى التى تجلى فيها الله لحبيبه ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم ولأصحابه من المهاجرين والأنصار، فأعزهم وأيّدهم وأمدهم ووفقهم، فأهل التوفيق يحيون هذه الليالى، ليحظوا بمدد من التوفيق الإلهى الذى حظى به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله أمدّهم عندما استغاثوا به فانتصروا على أعدائهم، ويقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أعدى الأعداء لك نفسك التى بين جنبيك” ومن أجل أن ينتصر الإنسان على هذا العدو يحتاج إلى إمداد ومعونة من الله سبحانه وتعالى، فإن لم يمدنا الله بمعونة من عنده أو مدد من لدنه ما استطعنا أن نتغلب على أنفسنا، بل ربما قهرتنا أنفسنا وفي ذلك هلاكنا، فأهل الله السابقون، وأئمة الدين المتقون، يحيون هذه الليلة ضارعين إلى رب العالمين، أن يرزقهم التوفيق.
وأن يمدّهم من بحار النبوة، ومن أسرار الفتوة، ومن أنوار الألوهية، ما به يستطيعون أن ينتصروا في هذه الحياة على أنفسهم بفضل الله وتوفيق الله، ففى ليلة بدر كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وصلوا إلى ميدان المعركة وكانوا خارجين لمقابلة التجارة التي كان فيها أبو سفيان وعمرو بن العاص وأربعون رجلا من قريش، وكانت هذه التجارة في طريقها من بلاد الشام وبها مكاسب ومغانم كثيرة، فنزل أمين الوحى جبريل عليه السلام وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمه أن أبا سفيان وعمرو بن العاص آتين من بلاد الشام ومعهما أربعون رجلا، ومعهم مال وفير، فاخرجوا فربما يعوضكم الله عز وجل ويغنمكم هذا المال مقابل المال الذى اغتصبوه منكم في مكة، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه عدد قليل حوالى ثلاث مائة وثلاث عشرة رجلا، ولم يعرفوا أنهم خرجوا من أجل الحرب، ولذلك كانت الأسلحة التى معهم قليلة، ومعهم ثلاثة من الخيول ومن الجمال سبعون جملا، ولذلك كان كل ثلاثة يتناوبون على جمل واحد.
حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه كان يتناوب مع اثنين من أصحابه، وعندما قالوا له يا رسول الله عليك أن تركب ونحن أقوى على المشي، فقال صلى الله عليه وسلم” أعلم أنكم تكفوننى ذلك، ولكنني لا غنى لي عن الأجر” يعنى أريد الأجر مثلكم، فضرب لنا المثل في القدوة، وعلمنا كيف يكون قائد الجيش نفسه شريكا لجنده، ورغم أن الأسلحة كانت قليلة، والعدد كان قليلا، إلا أنه شاءت إرادة الله أن يكون القتال، مع أن جُلّ الذى خرج لا يريد إلا الغنيمة والأموال، والأرباح والمكاسب التي بالتجارة، وعندما علم أبو سفيان بخروج المسلمين غيّر الطريق ونجا بكل من معه، ولكنه كان قد أرسل رسولا إلى أهل مكة يعلمهم بأن تجارتهم معرضة لسوء ليخرجوا إليه، فخرجوا فى ألف فارسا ومعهم مائة فرس، ومعهم من الجمال عدد كثير، وأموال كثيرة وأسلحة وفيرة، وخرجوا واستعدوا لحماية تجارتهم، وفى نفس الوقت كانوا موتورين لأن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج من بينهم ولم يستطيعوا أن يصنعوا معه شيئا.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك