الخميس - الموافق 28 يناير 2021م

فى طريق الاسلام ومع غزوة تبوك ” الجزء السادس ” إعداد / محمـــد الدكــــرورى

ونكمل الجزء السادس مع غزوة تبوك أو غزوة العسره وقد توقفنا عندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمون المدينة جاءه المنافقون ليعتذروا عن تخلفهم عن الغزوة وحلفوا له كذبا فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، علانيتهم ووكل سريرتهم لله تعالى، وجاءه الثلاثة الذين خلفوا وكان أمرهم ما كان ورأى النبي صلى الله عليه وسلم، أبا لبابة وأصحابه وقد قيدوا أنفسهم في سواري المسجد وقد حلفوا ألا يفكوا أنفسهم حتى يتوب الله عليهم وكان من أمرهم ما هو معلوم أيضا، وأنزل الله سبحانه وتعالى، في هذه الغزوة كلها سورة كاملة في القرآن هي سورة التوبة أو الفاضحة للمنافقين وهى تقص علينا نفسية المنافقين وكيفية التعامل معهم وتفضح أساليبهم وكيدهم وأهدافهم الدنيئة, وكانت هذه الغزوة بحق خاتمة الغزوات النبوية، وقد قال ابن كثير، فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم، على قتال أهل الكتاب لأن هذه الآية هي أول الأمر بقتالهم.
بعد ما أذل الله المشركين، ودخل الناس في دين الله أفواجا، واستقامت جزيرة العرب، وقد أمر الله ورسوله بقتال أهل الكتابين اليهود والنصارى، وكان ذلك في سنة تسعه من الهجرة، ولهذا تجهز رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، لقتال الروم ودعا الناس إلى ذلك، وأظهره لهم وبعث إلى أحياء العرب فندبهم، فأوعبوا معه، واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفا، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم، وكان ذلك عام جدب، ووقت قيظ وحر، وخرج رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، يريد الشام لقتال الروم فبلغ تبوك، فنزل بها صلى الله عليه وسلم، وأقام بها قريبا من عشرين يوما، وقد ذكر المؤرخون أسباب هذه الغزوة فقالوا أنه وصلت الأنباء للنبي صلى الله عليه وسلم، من الأنباط الذين يأتون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعا وأجلبت معهم لخم وجذام وغيرهم من مستنصرة العرب.
وجاءت في مقدمتهم إلى البلقاء، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم، أن يغزوهم قبل أن يغزوه، وقد وصلت أخبار الروم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، في وقت صيف اجدبت في الأرض، واشتد فيه الحر، وقل فيه الماء، مما جعل الموقف مُحرج بالنسبة للمسلمين لكن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن يملك حلا سوى مواجهة الروم رغم كل التحديات التي يعيشها المسلمون، وبطبيعة الحال أتى القرار الحاسم الذي لا رجعة فيه من النبي صلى الله عليه وسلم، بالخروج والزحف لمواجهة حشود الروم، فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم، بإبلاغ قبائل العرب المجاورة وأهل مكة لاستنفارهم على الحرب وحثهم على الصدقات والدعم المادي للجيش الإسلامي، وفي هذا الوقت نزلت آية من سورة التوبة توصي المسلمين بالقتال والصمود، فكانت ردة فعل المسلمين تجاه قرار الرسول صلى الله عليه وسلم، سريعة وواضحة فقد تدفقت القبائل والأفراد والمقاتلون للمدينة.
وأتى القريب والبعيد استعدادا لقتال الروم، وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم، الصحابة على الإنفاق في هذه الغزوة لبعدها، وكثرة المشركين فيها، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله، فأنفق كل حسب مقدرته، وكان عثمان صاحب القدح المعلى في الإنفاق في هذه الغزوة، فهذا عبد الرحمن بن حباب يحدثنا عن نفقة عثمان حيث قال، شهدت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يحث على جيش العسرة، فقام عثمان بن عفان فقال يا رسول الله، عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان، فقال يا رسول الله عليَّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش فقام عثمان بن عفان فقال يا رسول الله، عليَّ ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
ينزل عن المنبر وهو يقول ” ما على عثمان ما عمل بعد هذه، ما على عثمان ما عمل بعد هذه” وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنهما قال “جاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم، جيش العسرة، قال، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم، يقلبها بيده ويقول “ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم ويرددها مرارا” فكان عثمان بن عفان رضى الله عنه أكثر المجاهدين بالمال في الغزوة، وأما عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فقد تصدق بنصف ماله وظن أنه سيسبق أبا بكر الصديق رضى الله عنه، بذلك، ويفول عمربن الخطاب عن ذلك الموقف “أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوما أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت، اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما أبقيت لأهلك؟” قلت، مثله، قال.
وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما أبقيت لأهلك؟” قال، أبقيت لهم الله ورسوله، قلت، لا أسابقك إلى شيء أبدا” وقد روى أن عبد الرحمن بن عوف أنفق ألفي درهم وهي نصف أمواله لتجهيز جيش العسرة، وكانت لبعض الصحابة نفقات عظيمة، كالعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن عبيد الله، ومحمد بن مسلمة، وعاصم بن عدي، ولقد قدَّم فقراء المسلمين جهدهم من النفقة على استحياء، ولذلك تعرَّضوا لسخرية وغمز ولمز المنافقين، فقد جاء أبو عقيل بنصف صاع تمر، وجاء آخر بأكثر منه، فلمزوها قائلين، إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء، فنزلت الآية الكريمة (الذين يلزمون المطوعين من المؤمنين فى الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم ) ولقد حزن الفقراء من المؤمنين، لأنهم لا يملكون نفقة الخروج إلى الجهاد، فهذا عُلبة بن زيد.
وهو أحد البكائين صلى من الليل وبكى، وقال اللهم إنك قد أمرت بالجهاد، ورغبت فيه، ولم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في جسد أو عرض، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد غفر له، وهذه قصة واثلة بن الأسقع، عندما نادى النبي صلى الله عليه وسلم، في غزوة تبوك، خرجت إلى أهلي فأقبلت وقد خرج أول صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق في المدينة ينادي “ألا من يحمل رجلا له سهمه؟ فإذا شيخ من الأنصار، فقال لنا سهمه على أن نحمله عقبة، وطعامه معنا؟ فقال نعم، قال فسر على بركة الله، فخرج مع خير صاحب حتى أفاء الله عليه، فأصابه قائلا، فسقاهن حتى أتيه فخرج، فقعد على حقيبة من حقائب إبله، ثم قال سقهن مدبرات، ثم قال سقهن مقبلات، فقال ما أرى قلائصك إلا كراما، إنما هي غنيمتك التي شرطت لك، قال ” خذ قلائصك يا ابن أخي فغير سهمك أردنا” .

التعليقات


Fatal error: Allowed memory size of 41943040 bytes exhausted (tried to allocate 20480 bytes) in /home/alfaraen/public_html/wp-includes/taxonomy.php on line 3250