السبت - الموافق 16 يناير 2021م

فى طريق الاسلام ومع غزوة تبوك ” الجزء السابع ” إعداد / محمـــد الدكــــرورى

ونكمل الجزء السابع مع غزوة تبوك أو غزوة العسره وقد توقفنا عندما تنازل واثلة في بداية الأمر عن غنيمته ليكسب الغنيمة الأخروية، أجرا وثوابا يجده عند الله يوم لقائه، وتنازل الأنصاري عن قسم كبير من راحته ليتعاقب وواثلة على راحلته ويقدم له الطعام مقابل سهم آخر هو الأجر والثواب، وجاء الأشعريون يتقدمهم أبو موسى الأشعري يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم، أن يحملهم على إبل ليتمكنوا من الخروج للجهاد، فلم يجد ما يحملهم عليه حتى مضى بعض الوقت فحصل لهم على ثلاثة من الإبل، وبلغ الأمر بالضعفاء والعجزة ممن أقعدهم المرض أو النفقة عن الخروج إلى حد البكاء شوقا للجهاد وتحرجا من القعود حتى نزل فيهم قرآن وهو قول الله تعالى (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا ما نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون)
وقد خرج المسلمون من المدينة بعدد كبير قوامه ثلاثين ألف ولم يتخلف منهم إلا المنافقون، والثلاثة المشهورين، وقد استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، على المدينة محمد بن مسلمة وقيل سباع بن عرفطة، وجعل علي بن أبى طالب رضى الله عنه، خليفة على أهله فاخذ المنافقون يلمزون في ذلك ويقولون ما تركه إلا استثقالا، وتخففا منه، فأخذ علي بن أبي طالب سلاحه ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبره ما يقوله المنافقون وهو نازل بالجُرف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” كذبوا وإنما خلفتك لما ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلإ أنه لا نبي بعدي” فرجع علي، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سفره، ولقد استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يحشد ثلاثين ألف مقاتل من المهاجرين والأنصار وأهل مكة والقبائل العربية الأخرى.
ولقد أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم، على غير عادته في غزواته، هدفه ووجهته في القتال، إذ أعلن صراحة أنه يريد قتال بني الأصفر وهم الروم، علما بأن هديه في معظم غزواته أن يوري فيها، ولا يصرح بهدفه ووجهته وقصده، وذلك حفاظا على سرية الحركة ومباغتة العدو، وكانت الأسباب وراء ذلك هو بعد المسافة، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدرك أن السير إلى بلاد الروم يعد أمرا صعبا لأن التحرك سيتم في منطقة صحراوية ممتدة قليلة الماء والنبات، ولا بد من إكمال المؤنة ووسائل النقل للمجاهدين قبل بدء الحركة، حتى لا يؤدي نقص هذه الأمور إلى الإخفاق في تحقيق الهدف المنشود، وكذلك كثرة عدد الروم، بالإضافة إلى أن مواجهتهم تتطلب إعدادا خاصا، فهم عدو يختلف في طبيعته عن الأعداء الذين واجههم النبي صلى الله عليه وسلم، من قبل، فأسلحتهم كثيرة، ودرايتهم بالحرب كبيرة.
وقدرتهم القتالية فائقة، وكذلك شدة الزمان، وذلك لكي يقف كل امرئ على ظروفه، ويعد النفقة اللازمة له في هذا السفر الطويل لمن يعول وراءه، أنه لم يعد مجال للكتمان في هذا الوقت، حيث لم يبق في جزيرة العرب قوة معادية لها خطرها تستدعي هذا الحشد الضخم سوى الرومان ونصارى العرب الموالين لهم في منطقة تبوك ودومة الجندل والعقبة، وكان عندما أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم، النفير ودعا إلى الإنفاق في تجهيز هذه الغزوة، أخذ المنافقون في تثبيط همم الناس قائلين لهم لا تنفروا في الحر، فأنزل الله تعالى فيهم قوله سبحانه وتعالى ( فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله، وقالوا لا تنفروا فى الحر، قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في جهازه لتبوك.
للجد بن قيس “يا جد، هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟” فقال يا رسول الله أوتأذن لي ولا تفتني؟ فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ” قد أذنت لك ” فأنزل الله تعالى فى كتابة الكريم (ومنهم من يقول أئذن لى ولا تفتنى ألا فى الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) وذهب بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مبدين أعذارا كاذبة ليأذن لهم بالتخلف، فأذن لهم، فعاتبه الله بقوله تعالى( عفا الله عنك لمَ أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ناسا منهم يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهم من أحرق عليهم بيت سويلم، ولقد تحدث القرآن الكريم عن موقف المنافقين قبل الغزوة وأثناءها وبعدها، ومما جاء من حديث القرآن الكريم.
عن موقف المنافقين قبل غزوة تبوك ما يتضمن استئذانهم، وتخلفهم عن الخروج، وكان ممن تخلف عبد الله بن أبيّ بن سلول، وقد قال الله تعالى عنهم فى كتابة العزيز (لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون انفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون) فقد بين الله سبحانه وتعالى، موقف المنافقين وأنهم تخلفوا بسبب بعد المسافة وشدتها، وأنه لو كان الذي دعوتهم إليه يا محمد عرضا من أعراض الدنيا ونعيمها وكان السفر سهلا لاتبعوك في الخروج، ولكنهم تخلفوا ولم يخرجوا، فالآية تشرح وتوضح ملابسات موقفهم قبل الخروج إلى الغزوة، وأسباب هذا الموقف، ثم حكى الله سبحانه وتعالى، ما سيقوله هؤلاء المنافقون بعد عودة المؤمنين من هذه الغزوة، ولقد كان نزول هذه الآية قبل رجوعه من تبوك، وأنه سيحلف هؤلاء المنافقون بالله كذبا وزورا، قائلين لو استطعنا أن نخرج معكم للجهاد في تبوك لخرجنا.
فإننا لم نتخلف عن الخروج معكم إلا مضطرين فقد كانت لنا أعذارنا الضرورية التي حملتنا على التخلف، ولقد كانت غزوة تبوك منذ بداية الإعداد لها مناسبة للتمييز بين المؤمنين والمنافقين، وضحت فيها الحواجز بين الطرفين، ولم يعد هناك أي مجال للتستر على المنافقين أو مجاملتهم بل أصبحت مجابهتهم أمرا ملحا بعد أن عملوا كل ما في وسعهم لمجابهة الرسول صلى الله عليه وسلم، والدعوة، وتثبيط المسلمين عن الاستجابة للنفير الذي أعلنه الله تعالى ورسوله، والذي نزل به القرآن الكريم، بل وأصبح الكشف عن نفاق المنافقين، وإيقافهم عند حدهم واجبا شرعيا، ولقد تخلف الصحابى أبو ذر الغفاري، وأبطأ به بعيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه” وتلوَّم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماشيا.

التعليقات