الجمعة - الموافق 22 يناير 2021م

فى طريق الاسلام ومع غزوة تبوك ” الجزء الثامن ” إعداد / محمـــد الدكــــرورى

ونكمل الجزء الثامن مع غزوة تبوك أو غزوة العسره وقد توقفنا عندما تلوَّم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ماشيا، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله ” كن أبا ذر ” فلما تأمله القوم قالوا يا رسول الله، هو أبو ذر، فقال رسول الله: “رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده” ومضى الزمان، وجاء عصر عثمان بن عفان، ثم حدثت بعض الأمور وسُيِّر أبو ذر الغفارى إلى الربذة، فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه، إذا مت فاغسلاني وكفناني ثم احملاني فضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمرون بكم فقولوا، هذا أبو ذر، فلما مات فعلوا به كذلك فطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركائبهم تطأ سريره.
فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة، فقال ما هذا؟ فقيل جنازة أبي ذر، فاستهل ابن مسعود يبكي، تعرض له أبو ذر الغفاري من الصعوبات والمخاطر أيام الغزوة التي نجاه الله منها وقواه بالصبر عليها، ولقد بذل أبو ذر جهدا كبيرا في المشي على قدميه وهو يحمل متاعه على ظهره حتى لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمين، لكي ينال شرف الجهاد في سبيل الله، وقال أبو كبشة الأنصاري لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى في الناس “الصلاة جامعة” قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ممسك بعيره، وهو يقول “ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم؟” فناداه رجل منهم، نعجب منهم يا رسول الله، قال ” أفلا أنذركم بأعجب من ذلك؟ رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن الله عز وجل لا يعبأ بعذابكم شيئا.
وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا” وقال ابن عمر رضي الله عنهما إن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرض ثمود، الحجر، واستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم” ثم زجر فأسرع حتى خلفها، وهذا منهج نبوي كريم في توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، صحابته إلى الاعتبار بديار ثمود، وأن يتذكروا بها غضب الله على الذين كذبوا رسوله، وألا يغفلوا عن مواطن العظة، ونهاهم عن الانتفاع بشيء مما في ربوعها، حتى الماء لكيلا تفوت بذلك العبرة، وتخف الموعظة، بل أمرهم بالبكاء، وبالتباكي، تحقيقا للتأثر بعذاب الله، فالغابرين شهدوا المعجزات ودلائل النبوة.
وعاينوا العجائب، لكن قست قلوبهم فاستهانوا بها، وحق عليهم العذاب، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون من نقمة الله وغضبه، وقد أصابت جيش العسرة مجاعة أثناء سيرهم إلى تبوك، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم، في نحر إبلهم حتى يسدوا جوعتهم، فلما أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم، في ذلك جاءه عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فأبدى مشورته في هذه المسألة، وهي أن الجند إن فعلوا ذلك نفدت رواحلهم وهم أحوج ما يكونون إليها في هذا الطريق الطويل، ثم ذكر حلا لهذه المعضلة وهو جمع أزواد القوم ثم الدعاء لهم بالبركة فيها، فعمل بهذه المشورة حتى صدر القوم عن بقية من هذا الطعام بعد أن ملأوا أوعيتهم منه وأكلوا حتى شبعوا، وعندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم، إلى منطقة تبوك وجد أن الروم فروا خوفا من جيش المسلمين، فاستشار أصحابه في اجتياز حدود الشام، فأشار عليه عمر بن الخطاب.
بأن يرجع بالجيش إلى المدينة وعلل رأيه بقوله إن للروم جموعا كثيرة وليس بها أحد من أهل الإسلام، ولقد كانت مشورة مباركة، فإن القتال داخل بلاد الرومان يعد أمرا صعبا، إذ إنه يتطلب تكتيكا خاصا لأن الحرب في الصحراء تختلف في طبيعتها عن الحرب في المدن، بالإضافة إلى أن عدد الرومان في الشام يقرب من مائتين وخمسين ألف، ولا شك في أن تجمع هذا العدد الكبير في تحصنه داخل المدن يعرض جيش المسلمين للخطر، وقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوما ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، لا أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل في المجلس، كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن الكريم، فقال عبد الله بن عمر، فأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحجارة تنكبه.
وهو يقول يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، والرسول صلى الله عليه وسلم، يقول ” أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟” وفي رواية قتادة قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوته إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين فقالوا يرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم، على ذلك فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم “احبسوا هؤلاء الركب” فأتاهم فقال صلى الله عليه وسلم، قلتم كذا وقلتم كذا، قالوا فأنزل الله فيهم ما تسمعون، فأنزل الله تعالى فى كتابة الكريم (ولو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين، ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وأياته ورسوله كنتم تستهزئون) ثم بين الله سبحانه وتعالى، أن استهزاءهم هذا أدى بهم إلى الكفر فقال تعالى (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين)
وقوله تعالى (إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) أى إن نعف عن بعضكم لتوبتهم وإنابتهم إلى ربهم مثل مخشن بن حمير، نعذب بعضا آخر لإجرامهم وإصرارهم عليه، وقد نزل في هؤلاء المنافقين قول الله تعالى (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خير لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما فى الدنيا والآخره وما لهم فى الأرض من ولى ولا نصير) وقد ذكر ابن كثير أن الضحاك قال إن نفرا من المنافقين هموا بالفتك بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو في غزوة تبوك في بعض الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلا وقد نزلت فيهم هذه الآية، وفي رواية الواحدي عن الضحاك قال خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى تبوك، فكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعض سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وطعنوا في الدين.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك