السبت - الموافق 16 يناير 2021م

فى طريق الاسلام ومع غزوة تبوك ” الجزء التاسع ” إعداد / محمـــد الدكــــرورى

ونكمل الجزء التاسع مع غزوة تبوك أو غزوة العسره وقد توقفنا عندما القال الضحاك لقد خرج المنافقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى تبوك، فكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعض سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وطعنوا في الدين، فنقل ما قالوا حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم “يا أهل النفاق، ما هذا الذي بلغني عنكم؟” فحلفوا ما قالوا شيئا من ذلك، فأنزل الله هذه الآية إكذابا لهم، وكان عندما علمت الرومان بقدوم ثلاثين ألف مسلم فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءتها ذكريات مؤلمة لموقعة مُؤتة التي لم يمر عليها عامان بعد، حيث ارتبكت الجيوش الرومانية أمام ثلاثة آلاف مسلم فقط، وليس ثلاثين ألفا، ولم يكن في جيش مُؤتة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما في تبوك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، يتوسط جيشه، ولقد حسب الرومان حساباتهم.
فوجدوا الفرار من هذا الجيش غنيمة، حتى وإن سقطت هيبة الدولة العملاقة، وظهرت بصورة مخزية أمام الدولة الإسلامية الناشئة، وليس هذا فقط بل فرت أيضا قبائل العرب المُتنصرة حليفة الرومان من هذه الأماكن، مع أن هذا المكان وهو تبوك يدخل في نطاق أرضهم ووطنهم، ولكنهم لم يفكروا أصلا في مبدأ المقاومة، بل وصل بهم الرعب إلى ترك كل شيء والفرار، ولم يكتفى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بهذا النجاح الباهر، بل أصر على البقاء في تبوك بضعة عشر يوما، وفي رواية عشرين يوما ليثبت للجميع أنه ليس خائفا من الرومان وأعوانهم، مع أنه كان من عادة الجيوش في ذلك الزمن أن يمكثوا في أرض المعركة ثلاثة أيام فقط لإثبات جرأتهم على عدوهم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضاعف المدة إلى عشرين يوما كاملة لضبط الأمن في كل المنطقة، وقد توّج رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رحلته بإرسال سرية من المسلمين قوامها أربعمائة وعشرون فارسا بقيادة خالد بن الوليد رضى الله عنه، إلى دُومة الجندل، والتي تبعد عن تبوك بكثير، وذلك لأسر أكيدر بن عبد الملك الكندي، وكان ملكا نصرانيا وقد ساعد الرومان في حربهم ضد المسلمين، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، القائد خالد بن الوليد رضى الله عنه، أنه سيجد أكيدر يصطاد البقر خارج حصنه، فليأت به، وسبحان الله، كما أخبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وجد خالد بن الوليد رضى الله عنه، أكيدر خارج الحصن يصطاد فأسره، وأتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صالحه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك على الجزية، وحقن له دمه، ولم يقف نجاح هذه الحملة العسكرية عند هذا الحد، بل أتى ملوك وأمراء مدن الشام المتاخمة للجزيرة العربية يصالحون رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الجزية، ومن هؤلاء صاحب أيلة.
وهو يُحنة بن رؤبة، وكذلك أَتاه أهل جرباء، وأهل أذرح، وأهل مقنا، ولقد تم هذا النصر المبين دون أن يُرفع سيف، عدا المناوشات البسيطة التي تمت عند أسر أكيدر بن عبد الملك، ولقد أظهر الله عز وجل، طرقا عديدة لتحقيق النصر للمسلمين، فتارة يجري القتال العنيف الشرس بين المسلمين وأعدائهم كما في بدر، وتارة يصبر المسلمون على حصار عدوهم لهم كما في الأحزاب، حتى ينصرفوا دون نتيجة، وتارة يحاصر المسلمون أعداءهم فينزلون على رأي المسلمين دون قتال، كما في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، مع اليهود في بني قينقاع، وبني نضير، وبني قريظة، وتارة ينزلون على حكم المسلمين بعد قتال كما في خيبر، وتارة لا يفتح حصن يحاصره المسلمون، ولكن يأتي بهم الله بإرادتهم كما في أهل الطائف، وتارة لا يكون هناك قتال بالمرة كما هو الحال هنا في غزوة تبوك، ولقد الله الله تعالى فى كتابة العزيز.
فى سورة التوبة (قل هل تربصون بنا إلا أحدى الحسننين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون) ولقد حققت هذه الغزوة الغرض المرجو منها بالرغم من عدم الاشتباك الحربي مع الروم الذين آثروا الفرار شمالا فحققوا انتصارا للمسلمين دون قتال، حيث أخلوا مواقعهم للدولة الإسلامية، وترتب على ذلك خضوع النصرانية التي كانت تمت بصلة الولاء لدولة الروم مثل إمارة دومة الجندل، وإمارة إيلة، وكتب رسول الله بينه وبينهم كتابا يحدد ما لهم وما عليهم، وقد أظهرت غزوة تبوك معجزات النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ومنها سحابة الماء، وكان ذلك لما جاز النبي صلى الله عليه وسلم، حجر ثمود، أصبح الناس ولا ماء لهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ربه، واستسقى لمن معه من المسلمين، فأرسل الله سبحانه وتعالى.
سحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء، فتحدث ابن إسحاق عمن قال لمحمود بن لبيد، هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال نعم والله، إن كان الرجل ليعرفه من أخيه، ومن أبيه، ومن عمه، وفي عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضا على ذلك، ثم قال محمود، لقد أخبرني رجال من قومي، عن رجل من المنافقين معروف نفاقه، كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث سار، فلما كان من أمر الناس بالحجر ما كان، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين دعا، فأرسل الله السحابة، فأمطرت حتى ارتوى الناس، قالوا، أقبلنا عليه ونقول ويحك، هل بعد هذا الشيء؟ قال “سحابة مارة” وأيضا من المعجرات فى هذه الغزوه هو خبر ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، سائرا في طريقه إلى تبوك، ضلت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رجل من أصحابه، يقال له عمارة بن حزم، وكان عقبيا بدريا، وهو عم بني عمرو بن حزم، وكان في رحله زيد بن اللصيت القينقاعي، وكان منافقا، فقال زيد بن اللصيت وهو في رحل عمارة، وعمارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، أليس محمد يزعم أنه نبي؟ ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمارة عنده “إن رجلا قال، هذا محمد يزعم أنه يخبركم أنه نبي، ويزعم أنه يخبركم بأمر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي، في شعب كذا وكذا، قد حبستها شجرة بزمامها” فانطلقوا حتى تأتوني بها، فذهبوا فجاءوا بها، فرجع عمارة بن حزم إلى رحله، فقال والله لعجب من شيء حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم، آنفا عن مقالة قائل أخبره الله عنه بكذا وكذا، للذي قال زيد بن اللصيت.
فقال رجل ممن كان في رحل عمارة، ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم، زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي، فأقبل عمارة على زيد، يجأ في عنقه أى يطعنه فيه، ويقول إليَّ عباد الله، إن في رحلي لداهية، وما أشعر، اخرج أي عدو الله، من رحلي فلا تصحبني، قال ابن إسحاق فزعم بعض الناس أن زيدا تاب بعد ذلك، وقال بعض الناس، لم يزل متهما بشر حتى هلك، وأيضا قد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصحابه في تبوك بأن ريحا شديدة ستهب، وأمرهم بأن يحتاطوا لأنفسهم ودوابهم فلا يخرجوا حتى لا تؤذيهم، وليربطوا دوابهم حتى لا تؤذى، وتحقق ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهبت الريح الشديدة وحملت من قام فيها إلى مكان بعيد، وانتهت الغزوه وقد إسقطت هيبة الروم من نفوس العرب جميعا وقد أظهرت قوة الدولة الإسلامية كقوة وحيدة في المنطقة قادرة على تحدي القوى العظمى.

التعليقات