الإثنين - الموافق 18 يناير 2021م

فى طريق الاسلام ومع غزوة تبوك ” الجزء الرابع ” إعداد / محمـــد الدكــــرورى

ونكمل الجزء الرابع مع غزوة تبوك أو غزوة العسره وقد توقفنا عندما هدم النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، مسجد الضرار الذي قام المنافقون ببنائه بهدف التآمر على المسلمين، لكن الله تعالى كشف نواياهم وأسباب بنائهم لهذا المسجد، وأنزل فيهم آيات في القرآن الكريم، وقعود ثلاثة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم،عن الذهاب للجهاد في غزوة تبوك دون أن يكون لهم عذر في هذا، فأمر الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، المسلمين بمقاطعتهم، فقاطعوهم خمسين ليلة، حتى أنزل الله تعالى آيات من القرآن الكريم لمسامحتهم والصفح عنهم، وذلك في سورة التوبة، وتم كشف المنافقين المكذبين الذين لم يخرجوا للجهاد مع جيش المسلمين، وتعذروا بأعذار كاذبة لا أساس لها من الصحة، ففضحهم الله تعالى ورسوله وظهرت حقيقتهم، وتم تحقيق العزة للمسلمين، وتخويف اعدائهم وبث الرعب في نفوسهم.
وإعلاء راية الإسلام وتثبيته في مناطق بعيدة عن المدينة المنورة مثل منطقة تبوك، بالإضافة إلى إحقاق الجزية على أعداء المسلمين في تلك المنطقة، ولقد كانت الأجواء المحيطة بهذه الغزوة في غاية الصعوبة، وذلك لقوة العدو، فالرومان كانوا أكبر قوة عسكرية على وجه الأرض وقتها، هذا بالإضافة لكونهم موتورين على المسلمين راغبين في الثأر لهزيمتهم المدوية في مؤتة، وكان الوقت في الصيف والحرارة شديدة خاصة في الصحراء والمسافة بعيدة والطريق وعرة صعبة، وكان الناس وقتها في عسرة وجدب من البلاء وقلة من الظهر هذا بالإضافة أن الوقت كان وقت حصاد الثمار وكان الناس يحبون أن يمكثوا في ثمارهم وظلالهم، وأيضا توارد الأخبار المتلاحقة بأعداد الجيوش الرومية وتحركها صوب المدينة ونزولها بأرض البلقاء، لذلك ولما سبق فقد قرر الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، اتخاذ قرار سريع وحاسم.
بإعداد العدة لغزو الروم قبل أن يهجموا هم على المسلمين في المدينة فيقع المسلمون بين شقي الرحى الروم من ناحية والمنافقون من ناحية أخرى، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أراد الغزو لم يصرح بجهة الغزو من قبل الخدعة الحربية، أما في هذه المرة ولخطورة الموقف وشدة عسرته صرح الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعلن أنه يريد لقاء الرومان في أرضهم ليكون الناس على بينة من أمرهم ويتأهبوا تماما لخصم قوي وعنيد، ولقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الناس خطيبا ليحثهم على الإنفاق في سبيل الله وتجهيز جيش العسرة وقال صلى الله عليه وسلم “من جهز جيش العسرة غفر الله له” فانبرى الناس وتسارعوا في الصدقة وكان هذا اليوم يوم عثمان بن عفان رضى الله عنه، الذي تصدق بمائتي بعير ومائة فرس وألف دينار ذهبي, فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم “ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم”
وجاء أبو بكر الصديق رضى الله عنه، بماله كله، وجاء عمر بن الخطاب رضى الله عنه، بنصف ماله، وتصدق عبد الرحمن بن عوف بمائتي أوقية فضة، وغيرهم كثير جاءوا بحسب طاقتهم وقدرتهم على النفقة، وأثناء ذلك بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي يثبطون الناس عن الغزو ويتعللون لهم بالحر وشدة العدو وجني الثمار، فأرسل إليهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت اليهودي ففعل طلحة ذلك، فارتدع المنافقون عن كيدهم وغيهم، ورغم تسارع الناس بالإنفاق لتجهيز جيش العسرة إلا أن النفقة قد قصرت عن هذا الجيش الكبير والذي لم يخرج المسلمون في مثله حيث بلغ تعداده ثلاثين ألفا، هذا غير الذين تخلفوا عن هذه الغزوة والذين لم يجدوا ما ينفقونه ولم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما يعطيهم وهم البكاءون الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم، وهم من بني مزينة، ومن المواقف الرائعة لهؤلاء البكائين أن أحدهم وهو علبة بن زيد، قد خرج للمسجد وصلى الليل طويلا ثم بكى ورفع يديه مناجيا ربه ” اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض” فلما أصبح وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم “أين المتصدق هذه الليلة؟” فلم يقم أحد, ثم قال صلى الله عليه وسلم “أين المتصدق فليقم” فقام فأخبره فقال الرسول صلى الله عليه وسلم “أبشر فوالذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة” وهكذا تجهز الجيش واستعمل الرسول صلى الله عليه وسلم، على المدينة محمد بن مسلمة، وقيل سباع بن عرفطة وخلف على أهله علي بن أبي طالب وخرج المسلمون في ثلاثين ألفا.
ولم يتخلف عن هذه الغزوة إلا أناس على أربعة أقسام، وهم مأمورون مأجورون مثل محمد بن مسلمة وعلي بن أبي طالب، ومعذورون، وهم الضعفاء والمرضى والمقلون وهم البكاءون، وعصاة مذنبون تاب الله عليهم وهم الثلاثة الذين خلفوا وأبو لبابة وأصحابه، وملومون مذمومون وهم المنافقون، وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم، يقود هذا الجيش الكبير يوم الخميس غرة شهر رجب فى السنة التاسعه من الهجرة، طالبا تبوك والتي تقع على بعد اثنا عشر مرحلة من المدينة وكان الثلاثة والأربعة والأكثر من ذلك يتعاقبون البعير الواحد مما جعل هذه المسافة تقطع في أكثر من المعتاد، وقد كانت مسيرة الجيش شاقة جدا فالعدو بعيد والحر شديد، حتى إن العطش كاد أن يقتلهم حتى إن الرجل لينحر بعيره، فيشرب ما في كرشه، فإن لم يجد فيعصر فركه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله، إن الله تعالى قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا،
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم “أتحب ذلك؟” قال نعم, فرفع الرسول صلى الله عليه وسلم، يده فلم يرجعهما حتى نزل المطر عليهم فسقوا وارتووا، ثم أشار عليه عمر بن الخطاب، فقال يا رسول الله لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها فجاء الناس بأزوادهم، فبارك عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى ملأ الزاد والطعام كل المعسكر، وقد ضلت ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم، ببعض الطريق فخرج بعض أصحابه في طلبها فقال أحد المنافقين وهو زيد بن اللصيت، أليس محمد يزعم أنه نبي يخبركم خبر السماء وهو لا يدري أمر ناقته، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك عن طريق الوحي قال “إني والله ما أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها وهي في الوادي قد حبستها الشجرة بزمامها فانطلقوا فجاءوا بها” وأثناء السير مر الجيش الإسلامي على حجر ثمود فنزل الجيش عندها فاستقى الناس من بئرها وطبخوا منه وعجنوا عجينهم.

التعليقات