الخميس - الموافق 28 يناير 2021م

فى طريق الاسلام ومع غزوة تبوك ” الجزء الثالث ” إعداد / محمـــد الدكــــرورى

ونكمل الجزء الثالث مع غزوة تبوك أو غزوة العسره وقد توقفنا عندما قيل إن سبب الغزوة هو قول اليهود للنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم “يا أبا القاسم إن كنت صادقا أنك نبي فالحق بالشام, فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء” فنوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، غزو الشام, والأرجح والأشهر من هذه الأسباب هو السبب الأول، فكانت غزوة تبوك هي إحدى الغزوات التي حدثت في عهد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وقد وقعت في شهر رجب في السنة التاسعة للهجرة، بعد فتح مكة، وهي آخر غزوة شارك فيها الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وإن لهذه الغزوة مكانة عظيمة في التاريخ الإسلامي، لأن المسلمين فيها استطاعوا إثبات قوتهم أمام العالم أجمع، ولقد كان السبب الرئيسي من هذه الغزوة هو التخلص من الخطر المحدق بالإسلام والمسلمين من قبل الروم، الذين لم يحتملوا خسارتهم في معركة مؤتة أمام المسلمين.
عدا عن ذلك فقد قام المنافقين بمراسلة الروم ودس المكائد للمسلمين وارتكاب العديد من الجرائم في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي حق المسلمين، كما قاموا ببناء مسجد الضرار لإيهام المسلمين، إلا أن هذا المسجد شكل مركزا لتجمع المنافقين، ولم يدخل الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، إليه أبدا، وقام بهدمه بعد إنتهاء هذه المعركة، ومن دهاء وخبث المنافقين أنهم جعلوا الأمور بالنسبة للمسلمين غير واضحة أبدا، إلا أنهم تأكدوا من نوايا الروم تجاههم من خلال الأنباط القادمين من الشام، بعد أن تأكد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، من نوايا الروم فقد قام بإعداد جيش عظيم وصل عدد مقاتليه إلى ثلاثين ألف مقاتل، عدا المنافقين الذين لم يخرجوا معهم واختلقوا الأعذار ليبقوا في بيوتهم، فكشفهم الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، لذا سميت هذه الغزوة بالفاضحة، لأنه فيها تم كشف المنافقين ونواياهم الخبيثة.
وخرج صلى الله عليه وسلم، بجيشه لمواجهة جيش الروم الذي بلغ عدد مقاتليه أربعين ألف مقاتل، إلا أن الجو كان في ذلك الوقت شديد الحرارة والأرض مجدبة، وفي الطريق شح الماء والطعام، فأكل المسلمون أوراق الشجر، وفتحوا بطون البعير ليشربوا الماء منها، لذا سميت هذه الغزوة أيضا بغزوة العسرة، للصعوبات والعقبات التي واجهت المسلمين وهم في طريقهم إلى مكان المعركة، كما أن بعض المسلمين تخلفوا عن الخروج إلى هذه الغزوة فعاتبهم الله عزوجل، وعندما وصل المسلمون إلى عين تبوك، وهي مكان الغزوة وإليه نسب اسمها، كان الروم هناك ينتظرون قدومهم، إلا أنه بمجرد رؤيتهم للمسلمين دب في قلوبهم الرعب وفروا هاربين خائفين من مواجهة المسلمين، وانتصر المسلمون في هذه المعركة دون قتال ودون سفك دماء، وكان من نتائج هذه المعركة أن دخل حلفاء الروم وهم النصارى لحلف الرسول صلى الله عليه وسلم.
والمسلمين مقابل أن يدفعوا الجزية، كما تم إخضاع إمارة دومة الجندل وإمارة أيلة وهى العقبة إلى حكم المسلمين، وفى غزوة تبوك والمنافقين فقد ذكر ابن كثير في تفسيره، وفي تاريخه، أن الله سبحانه وتعالى لما أنزل قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) فقالت قريش، وكان ذلك بعد فتح مكة ” لينقطعن عنا المتاجر والأسواق أيام الحج، وليذهبن ما كنا نصيب منها، فعوضهم الله عن ذلك، بالأمر بقتال أهل الكتاب، حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ويرى ابن كثير أن سبب الغزوة هو استجابة طبيعية لفريضة الجهاد، ولذلك عزم الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، على قتال الروم، لأنهم أقرب الناس إليه، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لقربهم إليه وإلى أهله، وغزوة تبوك أو غزوة العُسرة من الغزوات التي حدثت في ظروف صعبة جدا، وعلى الرغم من الظروف.
فقد دعا الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، المسلمين إلى هذه الغزوة لأسباب عدة، وكان من أهم هذه الأسباب هو وقف تحرك الروم ومن حالفهم من القبائل العربية النصرانية، التي بدأت بالزحف نحو المسلمين، بعد أن جمع الروم الكثير من الجموع في الشام، على الرغم من أن الروم لم يكونوا يشكلوا تهديدا مباشرا للمسلمين، وكذلك تحقيق غاية الجهاد، وهي غاية سامية أمر الله تعالى بها، وامتثل لها الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، لنشر الدعوة الإسلامية، وكذلك كشف المنافقين الذين ظهرت حقيقتهم بعد أن دعا الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى غزوة تبوك في أكثر الظروف صعوبة، فأوجدوا الأعذار الكاذبة لتخلفهم عن هذه الغزوة، وقد سار جيش المسلمين مسافات طويلة حتى وصل إلى هذه المنطقة، علما أن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، كان قد أعلن قبل تحرك الجيش نيته لغزو الروم.
لكن الروم لم يحضروا إلى المعركة ولم يلاقوا المسلمين في تبوك، ولم يحدث قتال، وعندما دعا الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، إلى النفير العام، وأمر المسلمين بالاستعداد لمعركة عظيمة مع الروم، خصوصا أن الروم كانوا يمثلون قوة عظمى في تلك الأيام، وكان جيشهم أقوى جيوش الأرض في تلك الفترة، فخرج الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، مع المسلمين والصحابة حتى وصلوا إلى منطقة تبوك، وأثناء تجهز المسلمين للمعركة، حاول المنافقون إضعاف عزيمة المسلمين وثنيهم عن الخروج، لكن المسلمين لم يتوانوا عن بذل المال والنفس، خصوصا أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والعباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم، جميعا، كما أن نساء المسلمين أنفقن ما يملكن من حلي ومجوهرات لتجهيز الجيش، وكان عدد جيش المسلمين ثلاثين ألف مقاتل.
وعند وصول جيش المسلمين إلى تبوك، لم يجدوا أحدا من الروم أو من النصارى العرب، فثبت الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، حكم الإسلام في تبوك، وأرسل خالد بن الوليد رضي الله عنه، على رأس سرية إلى دومة الجندل، فوقع ملكها في الأسر وحملوه إلى تبوك، فصالح على الجزية، وقد لبث جيش المسلمين في تبوك بضعة عشرة ليلة، ولم يأت اي أحد من الأعداء، وقد نتج عن غزوة تبوك العديد من النتائج التي شكلت علامة فارقة في تاريخ المسلمين، خصوصا أن الله تعالى أنزل في سورة التوبة آيات تتحدث عن غزوة تبوك ونتائجها التي شكلت أحداثا مفصلية في الإسلام، كما أن غزوة تبوك كشفت الكثير من الحقائق والأشخاص، وأفرزت عددا من الأحداث الهامة، فقد هدم النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، مسجد الضرار الذي قام المنافقون ببنائه بهدف التآمر على المسلمين، لكن الله تعالى كشف نواياهم وأسباب بنائهم لهذا المسجد.

التعليقات


Fatal error: Allowed memory size of 41943040 bytes exhausted (tried to allocate 20480 bytes) in /home/alfaraen/public_html/wp-includes/wp-db.php on line 1889