الخميس - الموافق 28 يناير 2021م

فى طريق الاسلام ومع غزوة تبوك ” الجزء الثانى ” إعداد / محمـــد الدكــــرورى

ونكمل الجزء الثانى مع غزوة تبوك أو غزوة العسره وقد توقفنا عند دور المنافقين قبل النفير، فقد انصب على تخذيل الناس عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوتهم إلى الركون للدنيا ، حيث كان الوقت وقت اشتداد الحر ، وقطف الثمار، وكان الناس يفيئون إلى ظلال الأشجار، وهو وقت ميلان النفوس إلى الدعة والكسل والراحة، وقد وصف القرآن الكريم تلك الحال فقال الله تعالى فى سورة التوبة (وقالوا لا تنفروا فى الحر قل نار جهنم أَشد حرا لو كانوا يفقهون) وقال الله تعالى أيضا فى سورة التوبة (ولو أَرادوا الخروج لأَعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثَبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين) ومن ثم نتج عن ذلك تخلف رهط من المنافقين، وعدد قليل من الصحابة، فلم يخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتوه يحلفون له ويعتذرون إليه، ققال الله تعالى فى سورة التوبة ( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني أَلا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين)
وأما البقية من المنافقين فقد كانوا معه في المسير يقتنصون الفرص للكيد والإرجاف والتثبيط، وقد تمثل دور المنافقين في المرحلة الثانية وهي مرحلة النفير في مخالفة الأوامر، وبث الفتنة والفرقة في صفوف جيش المسلمين، والتكاسل عن المسير، وكان من أهم الأحداث التي حصلت محاولة اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الله تعالى فى سورة التوبة ( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إِلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإِن يتولوا يعذبهم الله عذابا أَليما فِي الدنيا والآخرة وما لهم في الأَرض من ولي ولا نصير) وقد أحبط الله تعالى مخططاتهم، بإطلاع نبيه صلى الله عليه وسلم، عليها حين همّوا بما لم ينالوا، فقد روى البيهقي في دلائل النبوة عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقود به وعمار بن ياسر يسوق الناقة.
أو أنا أسوق وعمار بن ياسر، يقود به، حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثني عشر راكبا قد اعترضوه فيها، فأنبهت رسول الله صلى الله عليه و سلم، فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ” هل عرفتم القوم ؟ قلنا لا يارسول الله قد كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب، فقال صلى الله عليه وسلم “هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا ؟ قلنا لا، قال ” أرادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة فيلقوه منها ” قلنا يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم ؟ قال صلى الله عليه وسلم ” لا، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدا قاتل بقومه، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم” ثم قال صلى الله عليه وسلم “اللهم ارمهم بالدبيلة” قلنا يا رسول الله و ما الدبيلة ؟ قال ” هي شهاب من نار تقع على نياط قلب أحدهم فيهلك” وبالرغم من وضوح هذه الجريمة الغادرة، تجلى موقف النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
العظيم تجاه هؤلاء النفر، بالتسامح والعفو عنهم، وذلك حفاظا على سمعة الفئة المؤمنة، ومخافة أن يقول الناس، إن محمدا يقتل أصحابه، وكان في المدينة وبعد الرجوع من تلك الغزوة أراد المنافقون استغلال غياب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، إذ كانوا يخططون لإقامة مركز خاص بهم، يأوي إليه أهل النفاق والشقاق، وهو مسجد الضرار، الذي وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بافتتاحه والصلاة فيه بعد العودة من تبوك، وأطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، على ما قصد إليه المنافقون من وراء إقامة هذا المسجد، فبعث مَن يحرق مسجد الضرار، فقال الله تعالى فى سورة التوبة ( والذِين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أَردنا إِلا الحسنى والله يشهد إنَهم لكاذبون ) فهؤلاء هم المنافقون، وهذا دورهم في هذه الغزوة، وتلك هي شيمهم وأخلاقهم في كل زمان ومكان.
وإن من أعظم حكم الابتلاء الواقع على أمة الإسلام عبر العصور هو تميز الصف المسلم وتمحيصه من أصحاب النفوس المريضة والمنافقين وطلاب الدنيا ذلك لأن المسلمين إذا كانوا دائما ظاهرين قاهرين لعدوهم دخل في صفهم من ليس منهم ولا على طريقتهم وهؤلاء الدخلاء على اختلاف أنواعهم منافقين طلاب دنيا وأصحاب أهواء وشهوات، وإذا دخلوا الصف وبقوا فيه على المدى الطويل يفسدون الصف ويكونون سبب التفرق والتشرذم، فهم تماما كالداء الكامن داخل الصف والأوساخ على الثوب الأبيض والأكدار التي تعكر صفو الماء الرائق إذا لم يتم التخلص منهم أولا بأول فإن العاقبة منهم وخيمة والابتلاء يضمن تطهيرا ذاتيا دائما للصف المسلم وصدق الله العظيم عندما قال فى كتابة الكريم فى سورة آل عمران (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) وكلما كان الابتلاء كبيرا وعريضا كلما بان الخبيث من الطيب.
وأيضا كلما توحدت الأمة المسلمة وهذا هو الجانب المشرق في هذه القضية، وصفحتنا تلك عن آخر غزوات النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، والتي أسفرت عن تمحيص الصف المسلم وذلك من حكمة الله تعالى في آخر حياة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ليلقى الله عز وجل وهو مطمئن على أمته، ولقد كان فتح مكة فرقانا بين عهد التكوين وعهد التمكين فبعد فتح مكة لم يبق بعدها مجالا للشك في الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا وعظم شأن الإسلام جدا وهذا أوغر صدور أعداء الإسلام في شتى بقاع الأرض وعز على الشيطان أن يرى المسلمين يجنون ثمار كفاحهم الطويل والشاق والتي رووها بدمائهم ومهجهم فسول لكل عدو ومتربص بالإسلام أن يبادر بالعداوة ويجاهر بالسوء، وبدون أي مبرر تعرضت للمسلمين أكبر قوة عسكرية ظهرت على وجه الأرض وقتها وهم الرومان, فبعد الصدام الدامي مع المسلمين.
في موقعة مؤتة فى السنة الثامنه من الهجرة، وما أسفرت عنه من انتصار مدوي للمسلمين، لم يغب عن ذهن هرقل ضرورة رد الهزيمة بعمل عسكري ضخم وقوي يخضد شوكة المسلمين المتنامية قبل أن يستفحل خطرها وتهدده في عقر داره فأعد هرقل جيشا عرمرما ضخما من الرومان والعرب الغساسنة، وترامت الأخبار للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، والمسلمين في المدينة بحشود الرومان وأنها قد وصلت لأرض البلقاء بالشام وقيل إن سبب الغزوة غير ذلك وهو نزول الأمر الإلهي من الله عز وجل كما قال تعالى فى سورة التوبة (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ) وكان الروم في الشام أقرب الناس إليهم وأولى الناس بالدعوة، لأنهم أهل كتاب, فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم، على جهادهم, وقيل أيضا إن سبب الغزوة هو قول اليهود للنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم “يا أبا القاسم إن كنت صادقا أنك نبي فالحق بالشام, فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء” .

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك