الأحد - الموافق 17 يناير 2021م

فى طريق الاسلام ومع خالد بن سعيد بن العاص ” الجزء الثانى ” إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثانى مع الصحابى الجليل خالد بن سعيد بن العاص، وقد توقفنا تغيب خالد، وعلم أبوه بإسلامه فأرسل في طلبه من بقي من ولده، ولم يكونوا أسلموا، فوجدوه، فأتوا به أباه أبا أحيحة سعيدا، فسبه وبكته وضربه بعصا في يده حتى كسرها على رأسه، وقال اتبعت محمدا وأنت ترى خلافه قومه، وما جاء به من عيب آلهتهم وعيب من مضى من آبائهم، فقال خالد، قد والله تبعه على ما جاء به، فغضب أبوه ونال منه، وقال اذهب يا لكع حيث شئت، والله لأمنعك القوت، فقال خالد، إن منعتني فإن الله يرزقني ما اعيش به، فأخرجه وقال لبنيه، لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به ما صنعت بخالد، فانصرف خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يلزمه، ويعيش معه، وتغيب خالد عن أبيه في نواحي مكة حتى خرج المسلمون إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فخرج معهم، وكان أبوه شديدا على المسلمين، وكان أعز من بمكة.
فمرض فقال لئن الله رفعني من مرضي هذا لا يعبد إله ابن أبي كبشة بمكة، فقال ابنه خالد عند ذلك، اللهم لا ترفعه، فتوفي في مرضه ذلك، فكان هكذا هو الصحابي المجاهد خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، يوم بدأت خيوط النور تشع في أنحاء مكة معلنة بالنبأ العظيم لمبعث النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، كان قلب خالد وجميع جوارحه يستقبل ذلك الإشعاع الباهر الذي همس في وجدانه، وكلما سمع قومه يتحدثون في ناديهم عن الدين الجديد جلس إليهم وأصغى في حذر مكتوم، وكان الفتى النبيه يطوي على نفسه الخبر ويكتم سره، فإن أباه لو علم أنه يحمل في سريرته كل هذه الحفاوة بدعوة محمد الأمين لأزهق روحه قربانا لآلهة قريش، وهو الذي أمعن أيما إمعان في تعذيب المؤمنين برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل عن خالد إنه كان من المبكرين في الإيمان برسالة النبى صلى الله عليه وسلم.
وما إن علم الأب بإسلام ولده خالد حتى جن جنونه، فانهال عليه بالضرب والشتم، ثم خرج به إلى رمضاء مكة، حيث وضعه بين رمالها الملتهبة وأحجارها الثقيلة ثلاثة أيام لا يوارى فيها ظل ولا تبلل شفتيه قطرة ماء، إلا ان خالدا بقي ثابتا على دينه، فعاد به أبوه إلى داره، وراح يغريه ويمنيه مرة، ويرهبه أخرى، دون جدوى، فطرده من بيته، ولم يعد إليه حتى مات أبوه، وقد هاجر خالد الهجرة الثانية إلى الحبشة، ومكث فيها ما شاء الله أن يمكث، ثم هاجر إلى المدينة مع إخوانه المؤمنين وفي مقدمتهم جعفر بن أبى طالب، وذلك سنة سبعة من الهجرة، ومعه امرأته أميمة بنت خالد الخزاعية، وقد شهد خالد عمرة القضاء وفتح مكة ومعركة حنين والطائف وتبوك، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن واليا، فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عليها، إلا إنه سرعان ما عاد إلى المدينة ممتنعا عن استلام أية مسؤولية.
بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم، وقدعُرف خالد بن سعيد بولائه للإمام علي رضى الله عنه، وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قال قولته ” أنتم لطوال الشجر، طيبو الثمر، ونحن تبع لكم” وقد أقام خالد بالمدينة ولم يبايع الخليفة أبا بكر الصديق حتى بايع بنو هاشم، ثم استعمل أبو بكر الصديق خالد بن سعيد على جيش من جيوش المسلمين حين بعثهم إلى الشام، فاستشهد رضوان الله تعالى عليه في مرج الصفر، وهو موقع بالشام، وقيل كانت وقعة مرج الصفر أوائل السنة الرابعة عشرة من الهجرة، في صدر خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وكان عندما هاجر خالد إلى الحبشة كانت معه امرأته أميمة بنت خلف الخزاعية، وولد له بها ابنه سعيد بن خالد، وابنته أم خالد، واسمها أمة، وأما عن أميمه بنت خلف، فقد تزوجها خالد بن سعيد بن العاص، وهاجرت معه إلى الحبشة، وولدت له هناك سعيد وأمة، وقد هاجر معه إلى أرض الحبشة.
أخوه عمرو بن سعيد بن العاص، وقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر مع جعفر بن أبي طالب في السفينتين، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين، فأسهموا لهم، ولم يزل خالد وأخواه عمرو وأبان على أعمالهم التي استعملهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما توفي رجعوا عن أعمالهم، فقال لهم أبو بكر الصديق ما لكم رجعتم? ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ارجعوا إلى أعمالكم، فقالوا نحن بنو أبي أحيحة لا نعمل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا، وكان خالد على اليمن، وأبان على البحرين، وعمرو على تيماء وخيبر، وقرى عربية، وتأخر خالد وأخوه أبان عن بيعة أبي بكر الصديق، فقال لبني هاشم إنكم لطوال الشجر طيبوا الثمر، ونحن تبع لكم، فلما بايع بنو هاشم أبا بكر الصديق بايعه خالد وأبان، وإن خالد بن سعيد بن العاص.
بن أمية بن عبدشمس بن عبد مناف، يلتقى نسبه مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، في الجد الثالث، وقد ولد في بيت تبدو عليه دلائل النعمة والشرف، وله من السيادة والمجد والأدب نصيب، وقد طلعت الشمس ذات يوم على بطحاء مكة، وإذا بالأخبار تتوالى على مسامعه أن أمرا عظيما قد حدث، وهو إن السماء قد اتصلت بالأرض في صورة وحى وشرع جديد لينقذ البشريةَ من الظلمات إلى النور، والمختار لتلك المهمة العظمى هو النبى محمد بن عبدالله، خير خلق الله صلى الله عليه وسلم ويسمع خالد هذه الأخبار في سكون مهيب، وصمت وديع، وسرور عظيم، وما كان له أن يُظهر ما يشعر به من تصديق وإيمان فجأة فإن مكة وقتها كانت مشدوهة فزعة بسماعها الخبر، لأنه يهدد مجد الآباء والأجداد الضالين، وكان خالد من الأعلام السابقين، والذين قدموا في سبيل نصرته الكثير، مما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يرشحه واليا على اليمن.
ولما بلغه الخبر العظيم باستخلاف أبي بكر رضي الله عنه فقد جاء إلى المدينة، فلم يبايع أبا بكر الصديق مع معرفته لقدره، فقد كان يرى أن الأحق بها واحد من آل البيت بني هاشم ولم يكرهه أبو بكر على البيعة، مع حبه له تقديرا لرأيه ومكانته، ولم يلبس خالد أن اقتنع بكفاءة أبي بكر للخلافة فبايعه بلا رغبة ولا رهبة، ولما كانت أعمالهم خالصة لذي الجلال والإكرام، لذا لم يتطلعوا للقيادة والزعامة، بل استوت عندهم الأمور فلا فرق إن كان أحدهم قائدا أو جنديا، وها هو ناطق بالحكمة حين عزله عن قيادة أحد الجيوش المتجهة إلى الشام فيقول “والله ما سرتنا قيادتكم، ولا ساءنا عزلكم” ثم يعتذر له الخليفة، مبينا له وجهة نظره عسى أن يكون العزل خيرا لخالد في دينه، ويخيره بين أن يكون تابعا لجيش عمرو بن العاص وهو ابن عمه أم مع شرحبيل بن حسنة فيجيب خالد بجواب النفوس التقية “ابن عمي أحب إليّ في قرابته، وشرحبيل أحب إلي في دينه” ثم يختار أن يكون جنديا في كتيبة شرحبيل بن حسنة، واستمر الرجل مجاهدا في كل المواقع التي قدر له أن يكون فيها مجاهدا، حتى رزق الشهادة في موقعة مرج الصفر بأرض الشام.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك