الأربعاء - الموافق 24 فبراير 2021م

فى طريق الاسلام ومع الخضر عليه السلام ” الجزء الثانى ” إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثانى مع الخضر عليه السلام، وقد توقفنا مع الخليفه الراشد عمر بن عبد العزيز عندما قال رأيت الخضر، وهو يمشي مشيا سريعا وهو يقول صبرا يا نفس صبرا لأيام تفقد لتلك الأيام الأبد، وصبرا لأيام قصار لتلك الأيام الطوال، وكما روي أن الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك أراد قتل رجل معارض لحكمه، فهرب الرجل، وبينما هو في صحراء إذا برجل يصلي، فخاف منه، ولكنه طمأن نفسه بأن ليس معه مال أو شيء يخاف أن يُسرق منه، فاتجه نحوه، فركع الرجل وسجد ثم التفت إليه وقال لعل هذا الطاغي وبقصد سليمان بن عبد الملك أخافك؟ فرد، أجل، فأخبره بأدعية يقولها للنجاة من بطشه ثم اختفى المُصلى، بعدها اطمئن الهارب وقرر العودة، فذهب إلى قصر سليمان، ودخل عليه فاستقبله سليمان بحفاوة وأجلسه إلى جواره وقال له سحرتني، أو ساحر أنت مع ما بلغني منك؟ فنفى الرجل علاقته بالسحر، فازداد استغراب سليمان من كراهيته للرجل التي زالت عنه بلا مبرر، وأصر أن يفهم ماذا حدث ليتغير ذلك، فأخبره الرجل بما جرى له، فقال سليمان “إنه الخضر” ونسب للخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، أنه سمع رجلا يقول في طوافه حول الكعبة “أشكو إليك ظهور البغي والفساد” فدعا المنصور الرجل، وسمع منه وعظا قاسيا، ثم انصرف الرجل، فأرسل المنصور رجاله وراءه ليحضروه، فوجدوا الرجل قد اختفى، فقال المنصور “ذاك الخضر” حسبما ذكر ابن حجر العسقلاني.
وقد اعتبر الإمام السيوطي الخضر عليه السلام خالدا في الأرض، كما الأنبياء إلياس وعيسى وإدريس، إلا أن إدريس والمسيح رفعا إلى السماء، أما الخضر وإلياس فيعشان في الأرض، ونسب للحسن البصري، قوله وكل إلياس بالفيافي، ووكل الخضر بالبحور، وقد أعطيا الخلد في الدنيا إلى الصيحة الأولى، وإنهما يجتمعان في موسم كل عام وينقل ابن حجر عن الفقيه والمحدث يحيي ابن شرف النووي، أن أغلب العلماء يعتقدون أن الخضر حي، وذلك متفق عليه عند أهل الصلاح والمعرفة، وحكايتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ منه وسؤاله وجوابه ووجوده المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تذكر، وقد ذكر أبو بكر الرازي أنه سمع بلال الخواص يقول كنت في تيه بني إسرائيل فإذا رجل يماشيني، فتعجبت، ثم ألهمت أنه الخضر، فقلت بحق الحق من أنت؟ قال أنا أخوك الخضر، فقلت ما تقول في الشافعي؟ قال من الأوتاد، قلت فأحمد بن حنبل؟ قال صدّيق، قلت فبشر بن الحارث؟ قال لم يخلف بعده مثله، قلت بأي وسيلة رأيتك؟ قال بِبِرّك لأمك، ونسب إلى بشر الحافي، قوله كانت لي حجرة وكنت أغلقها إذا خرجت معي المفتاح، فجئت ذات يوم وفتحت الباب ودخلت فإذا شخص قائم يصلي، فراعني، فقال يا بشر لا ترع، أنا أخوك أبو العباس الخضر، ثم أخذ يعلمه ويعظه، وحول خلود الخضر، فإنه تتداول المصادر روايتين رئيسيتين يكذبها كثيرون من الأئمه كإبن تيمية.
وأصحاب الفكر السلفي، إحداهما أنه كان من قادة ورجال ذي القرنين، تلك الشخصية التقية التي ملكت الأرض، بحسب الرواية القرآنية، حيث أراد ذو القرنين أن يخلد ولا يموت، فأخبرته الملائكة أن هناك عين ماء من شرب منها لا يموت، فانطلق ذو القرنين بجيشه يبحث عن العين لسنوات، ولكن الخضر سبق بقواته إلى العين وشرب منها، ولكن ذا القرنين كان متخلفا عن الركب ولم يلحظ عين الماء ولم يشرب منها، فخلد الخضر، حسبما ذكر ابن كثير، أما الرواية الثانية فمفادها أن جسد آدم أبي البشر كان مخفيا في مغارة لم يدفن، ودعا لمن يعثر على جسده ويدفنه بأن يطول عمره إلى يوم القيامة، فلما وقع طوفان نوح عليه السلام عثر الخضر على الجسد ودفنه، بعدما علم من نوح عليه السلام بأمر دعوة آدم لمن يدفنه، ولكن الصحيح أن الخضر عليه السلام أنه مات من دهر طويل قبل مبعث النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وليس لوجوده حقيقة، بل هذا كله باطل وليس له وجود، وهذا هو الصحيح الذي عليه المحققون من أهل العلم، فالخضر عليه السلام مات قبل مبعث النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، بل قبل مبعث نبى الله عيسى عليه السلام، والصحيح أن الخضر عليه السلام نبي كما دل عليه ظاهر القرآن الكريم، وقد قال النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء أولاد علات، وليس بيني وبينه نبي فدل على أن الخضر قد مات قبل ذلك.
ولو فرضنا أنه ليس نبيا وأنه رجل صالح لكان اتصل بالنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ولو فرضنا أنه لم يتصل لكان مات على رأس مائة سنة كما قال النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، في آخر حياته أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد فدل ذلك على أن من كان موجودا في ذلك الوقت لا يبقى بعد مائة سنة بنص النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، أنهم يموتون قبل انخرام المائة، فالحاصل أن الخضر عليه السلام قد مات وليس بموجود، والذي يزعم أنه رآه إما أنه كاذب، وإما أن الذي قال إنه الخضر قد كذب عليه وليس بالخضر، وإنما هو شيطان من شياطين الإنس أو الجن، وقد اختلف في نبوته، وممن يقول أنه نبي، ذكر ابن حجر قوله لنبى الله موسى عليه السلام في القرآن الكريم كما جاء فى سورة الكهف ” وما فعلته عن أمرى” أي أنه يوحى إليه، وحكى ابن عطية البغوي عن أكثر أهل العلم أنه نبي ثم اختلفوا هل هو رسول أم لا، ويقول ابن عباس رضى الله عنهما ووهب بن منبه انه نبي غير مرسل، وعن إسماعيل بن أبي زياد ومحمد بن إسحق أنه كان رسولا واستجاب له قومه، ونصر ذلك ابن الجوزي، وقيل انه ولي من الأولياء وقيل أنه ملك من الملائكة وقيل أيضا أنه عبدا صالح، وقال أبو الخطاب بن دحية لا ندري هل هو ملك أو نبي أو عبد صالح، ويعتبر الخضر مقدسا لدى العديد من الديانات مثل المسيحية، والدرزية، واليهودية.
وفي العديد من التقاليد الإسلامية وغير الإسلامية، يُوصف خضر بأنه رسول، ونبي، وولي، وعبد، وملاك، وحارس البحر، ومُعلم المعرفة السرية، ويساعد أولئك الذين هم في محنة، وقد قيل أنه تمت التوفيق بين شخصية الخضر مع مرور الوقت مع شخصيات أخرى مختلفة بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر سروش في إيران، والقديس سركيس المحارب، والقديس جرجس في آسيا الصغرى وبلاد الشام، ويوحنا المعمدان في أرمينيا، وكثيرا ما يرتبط الخضر بشخصية إيليا، وهكذا فإن من الشخصيات المهمة التى ربما يتوقف أمامها مؤرخو التاريخ الإنسانى والدينى، شخصية الخضر عليه السلام لما يرتبط من ذكره من حكايات وأساطير، لم يعلم مدى دقتها، سوى المذكور في النصوص الدينية المقدسة، وهو شخصية خلدته الأديان والحضارات معا، لكن حتى الآن لم نعرف من هو، وإنه يسمى الخضر، ولم يكن ذكره في التاريخ بقدر النماء الذى يدل عليه اسمه، وصفاته ومواقفه مع النبى موسى عليه السلام، كما وصفها القرآن الكريم وبعض الأحاديث النبوية، غير ذلك تبدو الأقاويل عن الخضر، وكينونته، وحقيقة كونه نبى أم ولى من أولياء الله، كلها تكهنات لا يوجد دليل واضح عليها، وبحسب ما ذكره ابن كثير في “البداية والنهاية” أما الخضر فقد تقدم أن موسى عليه السلام رحل إليه في طلب ما عنده من العلم اللدني، وقص الله من خبرهما في كتابه العزيز في سورة الكهف، المصرح بذكر الخضر عليه السلام.
وأن الذي رحل إليه هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل عليه السلام الذي أنزلت عليه التوراة، وقد اختلف في الخضر في اسمه ونسبه ونبوته وحياته إلى الآن على أقوال، فقال الحافظ ابن عساكر، يقال إنه الخضر بن آدم عليه السلام لصلبه، ثم روى من طريق الدارقطني، قال حدثنا محمد بن الفتح القلانسي، حدثنا العباس بن عبد الله الرومي، حدثنا رواد بن الجراح، حدثنا مقاتل بن سليمان، عن الضحاك، عن ابن عباس قال أن الخضر بن آدم لصلبه، ونسيء له في أجله حتى يكذب الدجال، وهذا منقطع وغريب، وقال أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني، سمعت مشيختنا منهم أبو عبيدة وغيره قالوا إن أطول بني آدم عمرا الخضر، واسمه خضرون بن قابيل بن آدم، وقال وذكر ابن إسحاق أن آدم عليه السلام لما حضرته الوفاة، أخبر بنيه أن الطوفان سيقع بالناس، وأوصاهم إذا كان ذلك أن يحملوا جسده معهم في السفينة، وأن يدفنوه معهم في مكان عينه لهم، ووفقا للباحث وليد فكرى في كتابه “أساطير مقدسة” وحاول البعض معرفة أصله، فقيل هو ممن آمنوا بالنبى إبراهيم عليه السلام وخرجوا معه من بلاده، وقيل إنه حفيد آدم مباشرة من ابنه قابيل، وإن آدم حين حضره الموت كان قد أخبر أبناءه بالطوفان، وأوصاهم أن يحملوا جثمانه فى السفينة، حتى إذا ما استقرت وابتلعت ماءها دفنوه فى موضع عينه لهم، فلما وقع الطوفان حملوا جسده، ثم عندما جفت الأرض تقاعسوا عن دفنه فدفنه حفيده الخضر.
وكان آدم قد دعا بطول العمر لمن يدفنه، فنال الخضر الدعاء، فهو يعمر حتى يشهد خروج المسيخ الدجال ويكذبه، وفى كتاب “عرائس المجالس للثعالبى” فإن الخضر ابن ملك عادل لكن أباه وقومه لم يكونوا يعبدون الله، وكان اسمه قبل حمل لقب الخضر، هو بليا بن ملكا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وكان آنذاك فتى وحيد أبيه، فأراد الأب أن يزوج ابنه لينجب ولدا ويستمر الملك فى عقبه، ولكن الابن كان عازفا عن الزواج زاهدا فى الحكم راغبا فى أن يتفرغ لعبادة الله، وألح الأب فى تزويج ابنه، وبالفعل زوجه ابنة أحد الملوك، فلما اختلى بها الابن قال لها “إنى رجل مسلم لست على دين أبى، وإنى عارض عليك أمرا فاكتمى سرى لتنالى النجاة فى الدنيا والآخرة، ولا تفشيه فتهلكى فى الدنيا والآخرة، إما أن تتركينى أتفرغ للعبادة وتتابعينى على دينى، وإما أن أرسلك إلى أهلك” فاختارت متابعته على دينه وتركه يتفرغ لعبادة ربه وكتمت سره، وبحسب كتاب “القصص القرآنى ومتوازياته التوراتية للمفكر السورى فراس السواح، أنه أثناء عصر الحروب الصليبية والتبادل الثقافى الذى حصل بين الثقافتين العربية والأوربية، ظهر إلى الوجود شخصية جديدة تجمع بين الخضر ومار إلياس إلى نموذج فرنسى هو القديس مار جرجس، كما يدعى فى بلاد الشام، وقد نسجت لهذا القديس سيرة حياة تقول بأنه كان بطلا من أبطال الإيمان المسيحى، عاش فى مدينة اللد بفلسطين، وأنقذ ابنة الملك التى اعتنقت المسيحية من تنين هائل صرعه بحربته.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك