السبت - الموافق 23 يناير 2021م

… فى ذكرى وفاة الألمعي والعبقري عبدالباسط والحصري … بقلم أحمد العش

بينما كانت معتقدات أكثر العالمين للهو والغى والموسيقى رهينة حبيسة، كان نبراس القرآن الكريم يشدو من مصر بأصوات نفيسة، ليوليّ جُل الوري شطرهم قبلة مصر بآذان مصغية وعواطف مشبوبة …
ولا غرو أن تنفرد مصر وتتفرد على عرش دول العالم، طيلة القرن العشرين، بجودة التلاوة القرآنية، بأنصع الملكات الاستثنائية، التى لا يفند سنابرقها إلا ريب المنون..
فقد ألقت بغيض من فيض فلذات أكبادها من القراء فى شتى الأنحاء، كل واحد يقارع أخاه وابنه وأباه فى براعة التعبير وجدارة التحبير وحسن البهاء، كأنه نسيج وحده فى حصافة الأداء، أوالبحر اللجي الذي لا تكدره الدلاء…
لا جرم أن قراء مصر كان لهم القدح المُعلي فى برهة شاسعة من الزمن، لتتوهج أفناء البلاد بشذا أصواتهم الندية ، وبرحيق نبراتهم الشجية، وليس أدل على ذلك من ولوج الأرتال من الناس، لكل طريق يلتمسون فيه قارئاً مصرياً، ليرتشفوا من صوته العذب، ويتدثروا بدفئه الرحب…
ولأنهم كُثر هؤلاء القراء الذين أنجبتهم مصر عبر الآماد، غير أن قليلاً منهم تركوا شامة على جبين المصريين والمسلمين فى آن، وقد سبرت أغوار كثير منهم عبر التطواف السردي، ثم هأنذا قد أنخت راحلتي عند بابين لأحدهم، شاءت الأقدار أن تجتمع ذكري وفاتهما فى شهر واحد، ذلكم الشهر النوفمبري الآنى، فمن ذا الذي يجهل عبدالباسط عبدالصمد ومحمود خليل الحصري؟
لا مرية البتة أن كلاً منهما كان فى قراءة القرآن أمة وحده، وكلاً منهما امتلك نواصي المزايا فى التأثر والتأثير بكلام رب العالمين، فأما محمود خليل الحصري ابن قرية شبرا النملة بمركز طنطا، الذي توفي فى ٢٤ نوفمبر عام ١٩٨٠م، فهو إمام المقرئين حقا، وشيخهم الألمعي صدقا، وأعظم من قرأ القرآن الكريم بأحكامه، مسترعياً قواعده وأصوله، كمخارج الحروف وصفاتها ، وأحكام الغُنات، ومراتب التفخيم والترقيق، ومواضع الوقف والابتداء، فكان ذلك إيذاناً بإجادته لجميع دروب القراءات العشر، وإحرازه قصب السبق فى كل شىء بين معشر القراء المصريين، ففى تسجيل المصحف المرتل بالإذاعة المصرية كان أولهم ، وأول من نادى بإنشاء نقابة لقراء القرآن الكريم، وأول من ابتعث لزيارة المسلمين فى الهند وباكستان، لقراءة القرآن الكريم فى المؤتمر الإسلامي الأول عام ١٩٦٠م، وفى عام ١٩٦١م عين بقرار جمهوري شيخاً لعموم القارىء، وكان أول من سجل المصحف المرتل فى أنحاء العالم برواية ورش عام ١٩٦٤م، ويُعزي له ثواب إسلام عشرة فرنسيين، عندما زار فرنسا عام ١٩٦٥م، ثم بلغ ذروة تألقه وتأنقه فى روضات القرآن الكريم، برئاسة إتحاد قراء العالم عام ١٩٦٧م، وأول قارىء فى العالم يسجل القرآن الكريم بروايتى قالون والدُوري عام ١٩٦٨م، وأول من سجل المصحف المعلم فى أنحاء العالم بطريقة التعليم عام ١٩٦٩م، وأسلم بسببه ثمانية نفر عقب زيارته لأمريكا عام ١٩٧٣م، وبعد هذا الدوي الناصع والصدى الواسع، يفارق الدنيا محزوناً علي رحيله الفاجع عام ١٩٨٠م، لكن سيبقى عظيم إرثه فى تبليغ مراد الله لسائر الآفاق، بجميع القراءات، معيناً صافياً يرتوي منه العالمين إلى يوم الدين…
وأما صنوه عبدالباسط عبدالصمد ابن مركز أرمنت بمحافظة قنا المتوفى فى ٣٠ نوفمبر عام ١٩٨٨م، فهو صاحب الحنجرة الذهبية، التى جابت العالم مشرقاً ومغربا، ففى جمال الصوت التجويدي لم يفري أحدٌ فريه، حتى أنه لم ينزع الدمع من مقل العين فحسب، بل كان ينتزعه من غلاظ الأكباد، بحسه الرائع وصوته الماتع ،…
كانت حفلات عبدالباسط عبدالصمد رحمه الله بمثابة بؤر اهتمام الملايين فى أى بلد يرتحل إليها، إذ كانت الوفود تتكالب علي الاصغاء لقراءته للقرآن الكريم، بين متكىء على أريكته ومتهيأ بقريحته..
وكأنه يتمثل قولاً في حديثي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( زينوا أصواتكم بالقرآن)
( ليس منا من لم يتغن بالقرآن)
ولا تثريب أن يلج عبدالباسط عبدالصمد هذا المضمار الذى يضفي على قراءته للقرآن الكريم عبق الجمال، فلعمر الله أن رسول الله قال لأبى موسى الأشعري يوماً لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داوود!!
نال الشيخ عبدالباسط عبدالصمد الكثير من الأوسمة فى الداخل والخارج، منها وسام الاستحقاق السوري والماليزي واللبناني والسنغالي ، ونال وساماً بعد رحيله من الرئيس مبارك عام ١٩٩٠م، وحظى بجدارة نقيب القراء الأول عام ١٩٨٤م، وفى رحلته مع القرآن الكريم، بلغ شأواً بعيداً وشأناً عظيماً من الإبداع بصوت ملائكي، ذي حنجرة ذهبية فائقة الصنع رائقة السمع، صال بها وجال فى مساجد مصر كالشافعي والحسين، كما أجلته وقدرته بعض الشخصيات السياسية والدبلوماسية في بعض دول العالم، منها إستقبال رئيس باكستان له فى المطار بحفاوة كبيرة، واكتظاظ أحد مساجد جاكرتا بإندونيسيا بنحو ربع مليون مسلم، يستمعون إلي روعة كلام الله من شدق عبده عبدالباسط عبدالصمد، ليواصل ابنه طارق عبدالباسط عبدالصمد مسيرة أبيه فى نشر كلام الله، بإجادة وإثابة عطاء غير مجذوذ …
رحم الله الشيخين الكبيرين على طول الأمد، محمود خليل الحصري وعبدالباسط محمد عبدالصمد !!!

التعليقات