الأربعاء - الموافق 16 يونيو 2021م

فلسفة قانون الإدارة المحلية في ضوء الدستور الجديد بقلم :- الدكتور عادل عامر

الدور المنتظر الذى يفترض أن تلعبه المحليات، ليس فقط فى مجال التنمية ولكن لمواجهة الفساد بمعناه المادى والمعنوى، ويقصد

بالمادى هنا الحصول على الرشى للقيام أو الامتناع عن قيام مصلحة ما تخص بعض المواطنين، أما المعنوى فيقصد به التقصير فى أداء العمل اليومى الروتينى. وأخيرًا تخفيف العبء الواقع الآن على أعضاء مجلس النواب بسبب عدم وجود مجالس شعبية محلية تقوم بتأدية وظائفها الطبيعية فى الرقابة والتشريع على المستوى المحلى، وهو ما أدى إلى مزيد من اعتماد المواطنين على النواب من أجل الحصول على خدمات هى فى الأصل حقوقهم الطبيعية، ولكن نتيجة البيروقراطية الراسخة يصعب الحصول عليها.

أن تأتي تعديلات قانون الإدارة المحلية بجديد في ظل التحديات التنموية الهائلة التي تواجهها مصر حالياً، والتي تتطلب المزيد من اللامركزية الحقيقية ودور أكبر للمواطنين في للرقابة على أداء مؤسسات الدولة المختلفة، وبالأخص على المستوى المحلي. ولكن يتضح مما تم نشره في بعض وسائل الإعلام مؤخراً أن الهدف الأساسي من تعديل قانون الإدارة المحلية – الصادر في 1979 والمعمول به حاليا – هو تحقيق الحد الأدنى من التطابق بين مواد القانون ومواد الدستور الصادر في 2014 ستجعل التغييرات المقترحة قانون الإدارة المحلية “متوافقًا مع مواد الإدارة المحلية في الدستور الجديد التي ركزت على تطبيق اللامركزية في اتخاذ القرارات وإعطاء المحافظين سلطات واسعة، إضافة إلى تخصيص نسبة تمثيل مناسبة للشباب والمرأة في المجالس الشعبية المحلية”.وقد نص الدستور الجديد على الآتي: “تكفل الدولة دعم اللامركزية الادارية والمالية والاقتصادية، وينظم القانون وسائل تمكين الوحدات الإدارية من توفير المرافق المحلية، والنهوض بها، وحسن إدارتها، ويحدد البرنامج الزمني لنقل السلطات والموازنات إلي وحدات الادارة المحلية” (مادة 176)، وتضمن الدولة “تحقيق العدالة الاجتماعية بين هذه الوحدات (مادة 176) وينظم القانون شروط وطريقة تعيين أو انتخاب المحافظين، ورؤساء الوحدات الإدارية المحلية الأخرى، ويحدد اختصاصاتهم (مادة 179) “ويُخصص ربع عدد المقاعد للشباب دون سن خمس وثلاثين سنة، وربع العدد للمرأة، على ألا تقل نسبة تمثيل العمال والفلاحين عن خمسين بالمائة من إجمالي عدد المقاعد، وأن تتضمن تلك النسبة تمثيلا مناسباً للمسيحيين وذوى الإعاقة.

وتختص المجالس المحلية بمتابعة تنفيذ خطة التنمية، ومراقبة أوجه النشاط المختلفة، وممارسة أدوات الرقابة على الأجهزة التنفيذية من اقتراحات، وتوجيه أسئلة، وطلبات إحاطة، واستجوابات وغيرها، وفى سحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية” (مادة 180).

ومن هنا نوضح أن اللامركزية هي عملية تحول السلطة التنفيذية من الإدارة المركزية الى المستويات الإدارية المحلية المختلقة حسب التسلسل الهرمي الإداري. ففي مصر تمثل المحافظات المستوي الإداري المحلي الأعلى، يتلوها في ذلك المركز ثم المدينة والقرى وأحياء المدن.1 وتنقسم اللامركزية إلى لامركزية إدارية، ولامركزية مالية، ولامركزية سياسية. حيث تمنح اللامركزية الإدارية سلطة اتخاذ القرارات للكيانات المحلية، و تدعم اللامركزية المالية نقل الموارد المالية من السلطة المركزية الى الكيانات المحلية كذلك تدعم قدرة الكيانات المحلية على تحصيل الموارد المالية الخاصة بها، بينما تدعم اللامركزية السياسية قدرة المجتمع المحلي على انتخاب ممثليه في المجالس التنفيذية وليس تعيينهم من قبل السلطة المركزية.

ولكن ما نجده في التعديلات المقترحة أن مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد لا ينقل السلطة إلى المستويات اللامركزية، وخاصة المنتخبة منها (المجالس الشعبية المحلية). فمقترح القانون الجديد يوسع من صلاحيات المحافظين (والذين يتم اختيارهم وتعيينهم من قبل السلطة المركزية) دون أي تقدم يذكر في صلاحيات المجالس المحلية المنتخبة مما يجعلها، كما كان الحال سابقاً، غير فعالة في منظومة الإدارة المحلية في مصر. بالإضافة إلى ذلك، لا يضمن القانون العناصر اللازمة لتطبيق اللامركزية حيث يظل قريبا جدا من قانون 43 لسنة 1979 نظرا لغياب الاستقلال المالي والسياسي للمستويات المحلية، لذلك فهو يعد تعديل للقانون وليس قانونا جديداً يرقى للتوقعات المرجوة منه. وتظل في هذا الإطار قدرة المواطنين على انتخاب القيادات المحلية، أو تفعيل حق المجالس الشعبية المنتخبة في الحصول على المعلومات أو مسائلة السلطة التنفيذية بصورة فاعلة آمالاً بعيدة المنال.  ما يلي هو تحليل موجز لأهم ملامح التعديلات المقترحة بقانون الإدارة المحلية:

  1. إعطاء المزيد من السلطة إلى الكيانات المركزية وتهميش المستويات الأدنى

أولاً، يعطي مشروع القانون الجديد سلطة أكثر للكيانات المركزية وتحديدا الوزارة “المختصة بالإدارة المحلية”. ثانيا، يزيد القانون الجديد الدور الإشرافي والرقابي للمحافظ ويعطيه أيضا سلطات أوسع على المجالس المحلية التنفيذية والمنتخبة.

زيادة دور الكيانات المركزية    

زيادة دور الوزارة المختصة بالإدارة المحلية وهي المسماة حاليا بوزارة التنمية المحلية، وكانت تلك الوزارة مسئولة سابقاً عن الإشراف على تطبيق نظام السلطة المحلية وتحديد كافة المتطلبات اللازمة لتفعيله وتطويره وبما يحقق أهدافه. أما طبقا لمشروع القانون الجديد، تصبح الوزارة مسئولة عن كافة المسائل المتعلقة بتنظيم شؤون الأجهزة المحلية ووحدات الإدارة، – فعلى سبيل المثال على الوزارة أن توفر “المرافق المحلية والنهوض بها” وعليها أن تضع “البرنامج الزمني لنقل السلطات والموازنات إلي وحدات الإدارة المحلية” وأن تحقق “العدالة الاجتماعية بين هذه الوحدات” وهذا هو ما ينص عليه الدستور الجديد. وبالإضافة إلى ذلك تتولى الوزارة مهمة التفتيش المالي والفني والإداري على العاملين بالإدارات المحلية المختلفة والإشراف والرقابة عليهم ومتابعة إنجازهم لأعمالهم (مادة 6-10). وينشئ القانون في مادة 10 أكاديمية تعليمية لتخريج متخصصين في مجالات الإدارة المحلية، وتتبع تلك الأكاديمية الوزارة المختصة بالإدارة المحلية وتهدف الأكاديمية إلى إعداد واعتماد الكوادر المختلفة، وإلى النهوض بالمستوى العلمي والوظيفي للعاملين في الإدارة وينظم اختصاصاتها ومواردها قرار من رئيس الجمهورية. وقد يرجح وإنشاء تلك الأكاديمية إلى أن الدولة لن تتجه إلى النظام الانتخابي في اختيار رؤساء المجالس التنفيذية بل ستعتمد على خريجي تلك الأكاديمية.

وتوسع المادة 11 اختصاصات المجلس الأعلى للإدارة المحلية في وضع الأطر العامة واللوائح الداخلية للمجالس الشعبية ووضع الضوابط اللازمة للسلوك الواجب لأعضاء الأجهزة التنفيذية ومناقشة تقارير الأداء للمجالس. ويُشكَل ذلك المجلس برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية الوزير المختص بالإدارة المحلية والمحافظين ورؤساء المجالس الشعبية المحلية للمحافظات، وهو ما يعد تعدً علي فكرة الديمقراطية وقوة المحاسبة والمسائلة لدي أعضاء المجالس المحلية المنتخبة حتي وان تم تفعيل نصوص دستور 2014 المتعلقة بتشكيل البرلمان المنتخب للحكومة، حيث تعطي تلك المادة نفوذاً للحكومة وان كانت منتخبة علي الكيانات المنتخبة الأقل والتي قد تمثل التيار المعارض لها.

وتنص المادة 12 على تشكيل مجلس للمحافظين برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية الوزير المختص بالإدارة المحلية لاسيما لمناقشة “أدوات الدعم والرقابة علي الوحدات المحلية”. ومرة أخرى، يسمح ذلك بسيطرة مباشرة ومنتظمة من الإدارة المركزية على الإدارة المحلية.

زيادة دور الكيانات المركزية علي المستويات الأقل (الإقليم والمحافظة)

زيادة الدور الإشرافي للمحافظ (مواد 13 الي 31). أصبح المحافظ مسئولا عن “حماية حقوق الإنسان بالمحافظة” (مادة 14) إضافة الى الأمن والأخلاق والقيم العامة التي كانت اختصاصات موجودة في القانون لسنة 1979. وقد يتساءل المرء عن دور المحافظ كحامي لحقوق الإنسان باعتبار أن المشروع الحالي لم يحدده. كما ترك المشروع الجديد المواد المتعلقة بإجبار المجالس المحلية المنتخبة علي أن ترسل قراراتها إلي المحافظ المعين ليبت فيها بالموافقة أو بالرفض كما هي، وهو ما يقلص من صلاحياتها ويدعم التدخل في قراراتها من قبل السلطات التنفيذية (مادة 20) كما أضاف القانون أن من حق المحافظ أن يحيل رؤساء الأجهزة التنفيذية إلى التحقيق (مادة 22).

1_ المحافظ ممثلاً للسلطة التنفيذية بالمحافظة ويشرف على تنفيذ السياسة العامة للدولة وعلى مرافق الخدمات والإنتاج في نطاق المحافظة.

2_ يتولى جميع السلطات والاختصاصات التنفيذية المقررة للوزراء بمقتضى القوانين واللوائح بالمرافق العامة الواقعة في نطاق محافظته، كما يعتبر رئيساً لجميع الأجهزة والمرافق المحلية.

3_ يكون المحافظ رئيساً لجميع العاملين المدنيين في نطاق المحافظة في الجهات التي نقلت اختصاصاتها إلى الوحدات المحلية ويمارس بالنسبة لهم جميع اختصاصات الوزير المختص.

4_ من حق المحافظ أن يقرر التصرف في الأراضي المعدة للبناء المملوكة للدولة ووحدات الإدارة المحلية فى المحافظة.

5_ المحافظ المُباشر الأول المسئول أمام رئيس مجلس الوزراء فيما يتعلق بالأنشطة والمشروعات التى تُقام داخل نطاق الوحدات المحلية بالمحافظة، ومسئول عن إعداد تقارير دورية عنها لرئيس الوزراء.

6_ المحافظ له الحق فى اتخاذ كافة الإجراءات القانونية لحماية أملاك الدولة الواقعة فى نطاق الإدارات المحلية داخل المحافظة.

7_ للمحافظ صلاحيات وزير المالية فيما يتعلق بالمسائل المالية والإدارية بالنسبة للمرافق التى نقلت إلى الوحدات المحلية ولأجهزتها وموازناتها.

8_ رئيس الجمهورية هو المسئول عن تعيين وإعفاء المحافظ من منصبه، ولا يجوز للمحافظ أن يكون عضواً بمجلس الشعب أو الشورى.

9_ المحافظ مسئول عن كفالة الأمن الغذائي ورفع كفاءة الإنتاج الزراعي والصناعي والنهوض به، وله أن يتخذ كافة الإجراءات الكفيلة بتحقيق ذلك فى حدود القوانين واللوائح.

10_ ويعامل المحافظ معاملة الوزير فيما يتعلق بالمرتب والمعاش.ووفقاً للمادة 28 يتم إنشاء مجلس تنسيقي بالمحافظة ويحدد أعضائه رئيس الوزراء، وهو مجلس يعمل بجانب المجلس التنفيذي للمحافظة، وهو مسئول عن متابعة خطط التنمية ووضع مقترحات ورؤى التنمية للمحافظات.

وخصص القانون باباً خاصاً لتعديل وتطوير الهيكل التنظيمي للعاصمة بما يحقق لها الاستقلال المالي وإدارة الأصول العامة الداخلة في نطاقها، وتطوير أسلوب تقديم الخدمات التعليمية والصحية، وجدير بالذكر أن الهدف من تلك المواد غير واضح لعدم قدرتنا على الحصول على كافة مواد الباب المختص بقانون العاصمة.

وأخيرا, تم تغيير مسمى الأقاليم الاقتصادية إلي أقاليم التنمية المحلية وتحديد أدوارها وآليات عملها ولكن لم يحدد القانون تقسيم تلك الأقاليم وحالياً هي غير واضحة إذا ما كانت على نفس تقسيم الأقاليم الاقتصادية القائمة (سبعة أقاليم اقتصادية على مستوى جمهورية مصر العربية) أم ستختلف طبقا للمتغيرات الجديدة وإعادة رسم حدود المحافظات.

  1. دور المجالس المحلية في ظل غياب العناصر اللازمة لتطبيق اللامركزية وتركها دون دور مؤثر وفعال

لا يغير القانون الجديد من طبيعة الموارد المالية الضئيلة المتاحة حالياً للإدارة المحلية. فحالياً، تحصل الإدارة المحلية على ما يزيد عن 90% من مواردها المالية من الحكومة المركزية، وهو ما يعزز احتياج تلك الإدارة للحكومة.

وعلى صعيد آخر، يفرض القانون الجديد إتاحة المعلومات للمجالس الشعبية والمواطنين في المادة 17، ولكنه لم يحدد مدي الحرية في الحصول علي المعلومات وآليات هذا الإجراء، حيث تتحايل المجالس التنفيذية علي تلك الحرية في طلب تصاريح وطلبات مختومة من هيئات أمنية للحصول علي المعلومات وهي طلبات تعسفية وبيروقراطية. كما ألزم القانون الجديد المجالس المحلية بتنمية المجتمعات المحلية تنمية شاملة أساسها مكونات وإمكانيات المجتمع المحلى ولكنه لم يعطها الإمكانيات والأدوات المناسبة لتفعيل هذا الدور.

وفيما يخص حق الاستجواب وطلبات الإحاطة ولجان تقصي الحقائق في مسودة القانون، فقد أعطى القانون الجديد بعض صلاحيات الاستجواب ومحاسبة أعضاء المجالس التنفيذية للمجالس المحلية ولكنه أيضا أخذ منها الدور التنفيذي وأعطاه لممثل الدولة ذي المستوى الإداري الأعلى علي حسب مستوى المشكلةـ، وهو ما يعد أيضا تعدً علي دور المجالس المحلية في الرقابة والمساءلة.

وأخيرا يدعم القانون مشاركة المواطنين في تسيير الشؤون العامة وذلك من خلال إجبار المجالس الشعبية على عقد جلسات استماع للمواطنين ولشركاء التنمية قبل إقرار خطة التنمية المحلية ولكن لم يحدد القانون الهدف من تلك الجلسات أو آليات عملها بالإضافة إلي كونها مجرد جلسات استماع وعرض وليس للمواطنين قوة الاعتراض أو التصويت علي الخطط.

كما يتوافق القانون الجديد مع دستور 2014 من جهة زيادة نسب المشاركة للمرأة والشباب دون سن الـ35 في المجالس المحلية المنتخبة، وفتح باب الانتخاب من سن 21 بينما كان من 25 سنة، واشتراط التمثيل الملائم لذوي الاحتياجات الخاصة والأقباط.

إن مشروع القانون لا يعدو كونه سوى تعديلات على قانون رقم ٤٣ لسنة ١٩٧٩، مع محاولة الالتزام أو على الأقل توفيق الأوضاع مع النصوص الدستورية الجديدة، والتى أتاحت للمشرع القانونى أن يحدث نقلة نوعية فى النصوص القانونية ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهى السفن.

 ثانيًا، غياب الحوار المجتمعي: اللافت للنظر أن القانون لم يخضع للحوار المجتمعى، حيث تعاملت وزارة التنمية المحلية مع القانون على أنه سر ويجب ألا يطلع عليه أحد إلا المشاركين فى وضعه فقط، وساعد ذلك على زيادة حالة الغموض والالتباس حول القانون، حتى ما تم تسريبه للصحافة كان بعض مواد القانون وليس القانون كاملا.

ثالثًا، رؤى الأحزاب مهمشة: حيث أغفل مشروع القانون بعض الرؤى التى طرحت من قبل بعض الأحزاب، مثل التجمع أو الوفد على سبيل المثال، فضلًا عن رؤى مؤسسات المجتمع المدنى والمراكز البحثية التى قامت بإجراء سلسلة من الندوات واللقاءات للتعرف على وجهة نظر التيارات الشبابية المختلفة حول ما يجب أن يكون عليه القانون، ولكن تم إغفال كل هذه الجهود من قبل القائمين على مشروع القانون، وهو ما يؤكد على أن الحكومة فى وادٍ وباقى مؤسسات الدولة فى وادٍ آخر.

رابعًا، قانون بلا روح أو فلسفة محددة: ربما جاءت مواد القانون منضبطة من حيث الصياغة لكنها بلا فلسفة أو رؤية لدور فاعل للمحليات فى المستقبل القريب أو البعيد، وهذا أمر طبيعى نتيجة التجاهل، ربما المتعمد أو غير المتعمد، للحوار حول القانون، على الأقل مع المتخصصين.

بمعنى آخر، اللجنة التى شكلت لوضع القانون هى ذاتها التى سيطرت على العمل المحلى التنفيذى فى فترات سابقة، وبالتالي جاء القانون بلا روح ثورية تساعد على إحداث نقلة تنموية للإدارة المحلية.

خامسًا، ثابت استاتيكي: نتيجة طبيعية للسبب الرابع، فقد جاء القانون بنفس المستويات المحلية القديمة، حيث حافظ القانون على نفس مستويات التقسيم الإدارى القديم، ولم يأت بجديد فى هذا الإطار، على الرغم من أن دواعى التنمية الاقتصادية والاجتماعية تتطلب إعادة النظر فى التقسيمات الإدارية الحالية والتى تنقصها مرونة الاستجابة للمتغيرات البيئية السريعة، والتى توجب اتباع نظام الوحدات ذات الطبيعة الخاصة، وإعادة النظر فى قانون المدن ذات الطابع الخاص.

وبناء على ما سبق، وقع المشرع القانونى فى بعض المشكلات، التى توجب إعادة النظر فى مشروع القانون، أو تعديلها من قبل أعضاء مجلس النواب، خاصة لجنة الإدارة المحلية، والتى يأتى على رأسها النائب الوفدى الكفء أحمد السجينى، وتضم فى تكوينها مجموعة أعضاء أكفاء على رأسهم نائب التجمع عبدالحميد كمال، فى أن يعقدوا جلسات استماع مع كافة أطياف المجتمع، وذلك لأنه إذا صلحت المحليات صلح المجتمع بأسره، وتحققت التنمية بمعناها الشامل، والعكس صحيح. وبناء عليه نبدى بعضًا قليلاً من الملاحظات حول مشروع القانون:

أولًا، تراجع فى انتخاب المحافظ: فى الوقت الذى فتح فيه الدستور الباب على مصراعيه حول إمكانية انتخاب المحافظين، وذلك عندما نص فى المادة ١٧٩ على أن القانون ينظم شروط تعيين أو انتخاب المحافظين، فإن القانون أخذ بمبدأ التعيين فقط. وبالرغم من عدم وجود شبهة دستورية فى هذا، ولكن ما كنا نتمناه أن تظل هذه الإمكانية قائمة فى القانون خاصة وأن انتخاب المحافظين كان يشكل نقلة نوعية فى العمل المحلى، وبالتالى مزيدًا من الدعم للتوجه نحو اللا مركزية.

ثانيًا، نظام انتخابي معقد: ففى الوقت الذى قدم فيه مشروع القانون تعريفًا منضبطًا للصفات الانتخابية المختلفة أسوة بقانون مجلس النواب ووضع نفس شروط الترشح، إلا أن القانون لم يستجب لرغبات البعض لخفض سن الترشح إلى ١٨ عامًا بدلًا من ٢١ عامًا.

كما أخذ مشروع القانون فى مادته ٤٧ بالنظام الانتخابى المختلط على أن يكون انتخاب كل المجالس المحلية بواقع نصف المقاعد بالنظام الفردى والنصف الآخر بنظام القوائم المغلقة المطلقة ويحق للأحزاب والمستقلين الترشح فى كل منهما. وفى الواقع فإن النظام المختلط به بعض الصعوبات فى مجال التطبيق، خاصة إذ ما وضعنا فى الاعتبار نسبة الأمية المرتفعة والانتماءات المحلية والقبلية.

ولنتذكر جميعًا عندما تم تطبيق النظام المختلط فى الانتخابات البرلمانية ارتفعت نسبة الأصوات الباطلة، وتبارى حين ذاك المحللون فى تقديم تفسيرات متعددة فى هذا الإطار، إلا أن الكل أجمع على أن النظام الانتخابى المطبق كان السبب الرئيسى فى ذلك، فضلًا عن صعوبات عملية الفرز وتأخر إعلان النتائج، وهو ما يؤدى إلى مزيد من التشكيك فى نزاهة العملية الانتخابية. وقد نص مشروع القانون على أنه يجب أن تتضمن كل قائمة انتخابية عددًا من المرشحين يساوى نصف عدد المقاعد المخصصة للدائرة وعددًا من الاحتياطيين مساويًا له، وهو ما يعد تكلفة مرتفعة على المرشحين من الناحية المادية، وصعوبات عملية فى إعداد قوائم بديلة لهذا الكم الكبير من المقاعد المطلوبة.

ثالثًا، تضارب مصالح: حيث أتاح نص الفقرة الأخيرة من المادة ٣ لموظفى وحدة محلية ما جواز الترشح لعضوية المجلس الشعبى المحلى بشرط ألا يكون فى دائرة عمله، وهذا يعد تناقضًا واضحًا، فكيف لموظف تنفيذى أن يراقب على دائرة عمله من مكان آخر فهو يعمل فى وحدة محلية بقرية، كيف يرشح نفسه فى الحى أو المركز الذى يرأس القرية وبذلك سيراقب على نفسه. علاوة على أن المادة ٥٥ تشترط فيمن يرشح لعضوية المجالس الشعبية المحلية أن يكون مقيدًا فى جداول الانتخاب بالوحدة المحلية التى يرشح نفسه فى دائرتها وله محل إقامة فى نطاقها، وهذا يعنى أن كل من يرشح نفسه ليس إلكترونيًا بل يدويًا مما يفتح باب وجود الوفيات فى كشوف الناخبين.

رابعًا، تدخل في عمل الهيئة الوطنية للانتخابات: حيث نصت المادة رقم ٥٧ على أن يصدر وزير الإدارة المحلية قرارًا بتشكيل لجنة عليا للإشراف على الانتخابات بوزارة الإدارة المحلية تضم ممثلين عن وزارة الداخلية، على أن يتضمن القرار تحديد اختصاصات هذه اللجنة. والسؤال الذى يطرح نفسه، ما هى وظيفة هذه اللجنة فى ظل وجود الهيئة الوطنية الدائمة للانتخابات، وما علاقة الداخلية بإجراء الانتخابات المحلية أصلًا.

خامسًا، فتح باب للفساد: حيث نصت المادة ٧٣ على أن لا يتقاضى عضو المجلس الشعبى المحلى أى رواتب أو مكافآت مقابل عمله وهذا مما يدعو إلى تقليل كفاءة وفعالية عمل المجالس الشعبية المحلية أو فتح المجال أمام المجالس الشعبية المحلية للفساد، ولكن من الأجدى أن يحدد راتب للأعضاء كما هو معمول به فى مجلس النواب.

سادسًا، التفريط في أدوات الرقابة: حيث نصت المادة ٨٩ لأعضاء المجلس الشعبى المحلى فى المركز أو المدينة أو الحى أو القرية توجيه الأسئلة وطلبات الإحاطة لرؤساء وحدات الإدارة المحلية ولرؤساء الأجهزة التنفيذية، حيث قام القانون إما بإلغاء الاستجواب الذى يعنى سحب الثقة من الفاسدين من رؤساء الأحياء والمراكز والقرى ووكلاء الوزراء واكتفى بتقديم الأسئلة وطلبات الإحاطة، أو نسى المشرع ذكرها، وهو الأدق على الأرجح.

سابعًا، مركزية اللامركزية: حيث لم يحدد القانون أى جدول زمنى لتطبيق اللا مركزية مما يجعلها مجرد شعارات فقط وهو ما وضحته المادة رقم ٩٣ التى نصت على أنه يجوز بقرار من المحافظ بناء على اقتراح المجلس الشعبى المحلى للمحافظة، وبعد أخذ رأى وزراء التخطيط والمالية والصناعة والقوى العاملة، تحديد نطاق المناطق الصناعية بالمحافظة وإنشاء لجان للخدمات بها، وهذا يعنى أنه لا قرار لأى محافظ إلا بعد الرجوع إلى الوزراء المختصين وهنا تنتفى صفة اللا مركزية المالية والإدارية ويصبح المحافظ بلا صلاحيات فعلية.

ثامنًا، الصناديق الخاصة: لم يوضح مشروع القانون أية آلية واضحة لضم الصناديق الخاصة بالإدارات المحلية التى يصل عددها إلى أكثر من ٧٠٠٠ صندوق موزعة فى النظام المحلى من حيث مستندات الصرف أو حتى ضمها إلى الموازنة العامة للدولة أو البنود المالية التى تصرف منها.

تاسعًا، ضوابط المدن الجديدة: لم يوضح المشروع ضوابط نقل المدن الجديدة إلى الإدارة المحلية، فالقانون لم يوضح شروط تسليم المدن الجديدة للمحليات على سبيل المثال. كما حافظ القانون على مستوى المركز، فى حين يرى البعض ضرورة إلغاء مستوى المركز، بحيث يكون هناك مستويان فقط، مستوى المحافظة ومستوى الوحدات المحلية الحضرية والقروية، فى حين يرى آخرون أن مستوى المركز هو مستوى شديد الأهمية، وأن إلغاءه والتعامل مباشرة مع مستوى المحافظة هو تكريس لفكرة المركزية.

عاشرًا، غياب الوظيفة التنموية للعاملين فى الإدارة المحلية: حيث لم يتحدث مشروع القانون عن تحويل وظائف الإدارة المحلية من تنظيمية إلى تنموية، وهو ما أدى فى السابق، القريب، إلى ضعف مساهمة نظام الإدارة المحلية فى تحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة.

وبالتالى لا بد أن تتم إعادة تصميم وظائف الإدارة المحلية بأن تصمم أنشطة نظام الإدارة المحلية على شكل مشروعات متناسقة لها جدول زمنى مرحلى يشمل المسئولين عن تنفيذ كل مرحلة من مراحل المشروع  يبقي الوضع علي ما هو عليه. فقد ترك القانون الجديد المجالس الشعبية كما هي في قانون 1979، بلا صلاحيات حقيقية. وأتت التغييرات في طبيعة هذه المجالس المحلية المنتخبة دون التوقعات، خاصة عند مقارنتها بالصلاحيات الجديدة التي تم منحها للمحافظين (المعينين من قبل الحكومة المركزية) وذلك في مجال الإشراف علي أنشطة المجالس المنتخبة. فقد أعطى القانون الجديد هذه المجالس المنتخبة بعض الصلاحيات كالاستجواب وطلبات الإحاطة وتشكيل لجان تقصي الحقائق، ولكنه أيضا أعطي الكلمة الأخير للمجلس التنفيذي الأعلى للبت في نتائج التحقيق. كما لم يقدم القانون حلولاً لمشكلة ازدواجية التبعية الإدارية والفنية للمديريات القطاعية الخدمية (مثل الصحة والتعليم والشباب) والتابعة لكل من الوزارات المركزية، والمجالس التنفيذية المحلية في نفس الوقت.

بالفعل، يتوافق القانون الجديد مع التغيرات الطفيفة التي أوردها دستور 2014 في مجال الإدارة المحلية، ولكن يبقى أمامنا الكثير لكي يؤدي بنا هذا القانون إلى تغييرات حقيقية وفاعلة في منظومة الإدارة والحكم المحلي في مصر ترقى لتطلعاتنا جميعاً.

الدكتور عادل عامر

دكتور في الحقوق وخبير في القانون العام

ومدير مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية

والاقتصادية والاجتماعية

وعضو بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية

والإستراتيجية بجامعة الدول العربية

ومستشار الهيئة العليا للشؤون القانونية

والاقتصادية بالاتحاد الدولي لشباب الأزهر والصوفية

ومستشار تحكيم دولي وخبير في جرائم امن المعلومات

ورئيس اللجنة التشريعية والقانونية بالمجلس القومي للعمال والفلاحين

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك