الإثنين - الموافق 17 مايو 2021م

فضيلة رمضان .. بقلم :- الدكتور عادل عامر

إنَّ نجاة العبد من هذه النار تحصلُ بطاعة الله سبحانه والبُعد عن مَناهيه، وإنَّ إنجاء الأهل ووقايتهم من هذه النار العظيمة تكونُ بتَعلِيمهم ما يلزمُهم من طاعة الله سبحانه وتحذيرهم من مَعاصيه، وبالحِرص الدَّائب على استِغلال مَواسم الخير في تربيتهم وتعليمهم.فعلى المسلمِ الاهتمامُ بدينه، والعنايةُ بما يُصحِّحُه على الوجهِ المشروع لتَتَرتَّبَ فوائدُه عليه، لا سيَّما أركان الإسلام ومَبانيه العِظام، ومنها: عبادة صومِ رمضان التي تَتكرَّرُ في حياةِ المسلم مرَّةً واحدةً كُلَّ عامٍ؛ فعلى المسلمِ الذي وفَّقَهُ اللهُ لصيامِ شهرِ رمضان، وقيامِ لَيَالِيهِ على وجهِ الإخلاص والمُتابَعةِ أَنْ يختمه بكثرةِ الاستغفار والانكسار بين يَدَيِ اللهِ تعالى، والاستغفارُ

في ظل التفكك والتباعد الذى أطبق على حياتنا الأسرية، فى ظل طغيان المادة وطوفان الأنانية يأتى شهر رمضان المعظم ليحمل لحياتنا معناً جديداً يخرج فيه الإنسان من دائرة نفسه الضيقة لعالمه الخارجى الممثل فى الأسرة خاصة والمجتمع عامة ، هذه الألفة التى يتنسم شذها كل فرد من أفراد الأسرة حينما يلتفون حول طعام واحد وقت الأفطار والسحور وما يعقب ذلك من لقاءات اجتماعية وتجمع للأحباب والسهر جماعات حتى السحور وقراءة القرآن الكريم واداء الصلوات وخاصة صلاة الترويح.

فهذه الأجواء الأيمانية التى يحملها لنا هذا الشهر الكريم سرعان ما توحد القلوب وتطهر النفوس وتقوى وشائج الترابط العائلى المفتقد مما يعد خير علاج للنفس الإنسانية التى فطرت على حب التجمع والألفة مع الغير وحيث تؤكد الدراسات النفسية “أن الحياة العائلية هى أكبر مصدر للرضا والسعادة وأن رأس المال الاجتماعى هو التآلف والتكاتف الأسرى وأن أساس السعادة النفسية هى احساس الفرد بإنتمائه إلى أسرة”، وأنه على العكس فإن العزلة التى يعيشها الإنسان نتيجة لهاثه وراء الماديات وانشغاله عن الآخرين بحياته الخاصة “تزيد من احتمال الوفاة أربع مرات عن المعدل الطبيعى كما أن الوحدة والقلق تؤثران على عضلة وشرايين القلب وتزيد من كثافة الدم والتصاق الصفائح الدموية وتضعف جهاز المناعة مما يجعل الفرد أكثر عرضه واستهدافاً للأمراض المختلفة”.

ختامُ كُلِّ الأعمال والعبادات؛ فلا يَغْتَرَّ المؤمنُ بنَفْسِه ويُعْجَبْ بعمله ويُزكِّه، بل الواجبُ أَنْ يعترف بقِلَّةِ عمله في حقِّ الله تعالى وتقصيرِه فيه، ودورانِه بين القَبولِ والرَّدِّ؛ فلذلك كان السلفُ يجتهدون في إتمامِ العمل وإكماله وإتقانه، ثمَّ يَهْتمُّون بعد ذلك بقَبولِه ويخافون مِنْ ردِّه، وهؤلاء وَصَفَهم اللهُ تعالى بأنهم: ﴿يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، أي: خائفةٌ لا يَأْمَنُونَ مَكْرَ الله؛ فكانوا ـ مع الخوف مِنْ عدَمِ القَبولِ ـ يُكْثِرُون مِنَ الاستغفارِ والتوبةِ مع اهتمامهم بقَبولِ العملِ أَشَدَّ اهتمامًا منهم بالعمل؛ لأنَّ القَبولَ عنوانُ التقوى، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧﴾ [المائدة].

وإذا كان المُنافِقُ يَفْرَحُ بفراقِ شهرِ رمضان ليَنْطَلِقَ إلى الشهوات والمَعاصي التي كان محبوسًا عنها طيلةَ الشهر؛ فإنَّ المؤمن إنَّما يفرح بانتهاءِ الشهرِ بعد إتمامِ العمل وإكمالِه رجاءَ تحقيقِ أجوره وفضائلِه، ويَسْتتبِعُه بالاستغفار والتكبير والعبادة. وقد أَمَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ بالاستغفار الذي هو شعارُ الأنبياءِ عليهم السلام مقرونًا بالتوحيد، والعبدُ بحاجةٍ إليهما ليكون عَمَلُه على التوحيد قائمًا، ويُصْلِحَ بالاستغفارِ تزكيةَ عملِه وإعجابَه به وما يَعْترِيهِ مِنْ نقصٍ أو خللٍ أو خطإٍ، وفي هذا السياقِ مِنِ اقترانِ الأمرِ بالتوحيد والاستغفار يقول اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ ١٩﴾ [محمَّد]، وقال في شأن يونس عليه السلام: ﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٧﴾ [الأنبياء].

اجتنابكم ما لا يُحقِّقُ الغايةَ مِنَ الصيام، وذلك بأَنْ يَحْترِزَ الصائمُ عن كُلِّ ما نَهَى الشرعُ عنه مِنْ سَيِّئِ الأقوال، وقبيحِ الأفعال المحرَّمةِ والمكروهة، في كُلِّ الأوقات، وبالأَخَصِّ في شهر رمضان التي يَعْظُمُ قُبْحُهَا في حقِّ الصائم؛ لذلك وَجَبَ عليه أَنْ يَكُفَّ لسانَه عمَّا لا خيرَ فيه مِنَ الكلام: كالكذب، والغِيبةِ، والنميمة، والشَّتْمِ، والخصام، وتضييعِ وقته بإنشاد الأشعار، وروايةِ الأسمار، والمُضْحِكاتِ، والمدحِ والذمِّ بغير حقٍّ،

كما يجب عليه أَنْ يَكُفَّ سَمْعَه عن الإصغاء إليها، والاستماعِ إلى كُلِّ قبيحٍ ومذمومٍ شرعًا، ويعملَ جاهدًا على كَفِّ نَفْسِه وبدنه عن سائِرِ الشهوات والمحرَّمات: كغضِّ البصر ومَنْعِه مِنَ الاتِّساع في النَّظر، وإرسالِه إلى كُلِّ ما يُذَمُّ ويُكْرَهُ، وتجنيبِ بقيَّةِ جوارحه مِنَ الوقوع في الآثام؛ فلا يَمُدُّ يدَه إلى باطلٍ، ولا يمشي برجله إلى باطلٍ، ولا يأكل إلَّا الطيِّباتِ مِنْ غير إسرافٍ ولا استكثارٍ؛ ليصرفَ نَفْسَه عن الهوى، ويُقوِّيَها على التحفُّظِ مِنَ الشيطان وأعوانه، ومع ذلك كُلِّه يَبْقَى قلبُه ـ بعد الإفطار وفي آخِرِ كُلِّ عبادةٍ ـ دائرًا بين الرجاء في قَبولِ صيامِه ليكون مِنَ المقرَّبين، وبين الخوف مِنْ ردِّه عليه فيكون مِنَ المَمْقُوتِينَ.

• تفقَّدوا مَن حولكم من الأهل والعِيال؛ فإنَّكم مسؤولون عنهم؛ ((كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته؛ الإمام راعٍ ومسؤولٌ عن رعيَّته، والرجل راعٍ في أهله ومسؤولٌ عن رعيَّته))؛ متفق عليه.

• بل إنَّه – صلَّى الله عليه وسلَّم – يقول محذرًا عاقبة الإهمال والتساهل؛ ((ما من عبدٍ يستَرعِيه الله رعيَّةً يموتُ يومَ يموتُ وهو غاشٌّ لرعيَّته إلا حرَّم الله عليه الجنَّة))؛ متفق عليه.

مضان موسم برٍّ وإحسان، وموسم تجارةٍ مع الكريم المنَّان؛ يقولُ – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا دخَل رمضان فتحت أبواب الرحمة))؛ أخرجه البخاري، فاحرِصْ على النَّهل من هذا المنهل العذب، واستَعِنْ بالله وانفَعْ نفسك وإخوانك، وخُصَّ أهلَ بيتك وأقرَبَ الناس إليك، فلهُمْ عليك حقٌّ وواجبٌ.

• كما أنَّه يجبُ على المسلم أنْ يُبادر ساعات عُمره باستغلال هذا الشهر؛ فإنَّ عليه تجاه أولاده واجبًا لا بُدَّ منه، بحسن رِعايتهم وتَربيتهم، وحثِّهم على أبواب الخير، وتَعوِيدهم عليه؛ لأنَّ الولدَ ينشأ على ما عوَّدَه عليه والدُه:

تنظيم الوقت تكون البركة فيه، ولا بُدَّ من المحافظة على الأوقات المفضَّلة أثناء اليوم؛ أخرج البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: ((إنَّ الدين يسرٌ، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه؛ فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة))؛ الغدوة: أوَّل النهار، والروحة آخره، والدلجة الليل أو آخره.

كثيرون هم الذين يُجيدون التعامل مع وسائل الاتصال الحديثة، بل ويُعَدُّون مرجعًا للكثيرين ممن تخفى عليهم مكنونات تلك الوسائل وأسرارها.

لكنهم ومع الأسف لا يحسنون التعامل مع إخوانهم المسلمين، ويفتقدون أبسط أساليب التعامل مع الآخرين من الكبار والصغار مع حرصهم على إبراز أنفسهم في كل فرصة تُتاح لهم، فتراهم يَعمدون إلى كثرة الحديث، وعرض التجارب الشخصية، وفرد عضلات المغامرات الخاصة بمناسبة وبدون مناسبة.. لكنك إن فتشت فيهم عن الرقي في التعامل، والذوق في التصرفات فإنك ستتفاجأ بجحود في حفظ الجميل، وقسوة في التعامل مع الناس.. فهم يتثاقلون حين التفكير في مجرد الاتصال، ولا يُبادرون حتى بإرسال الرسائل التواصلية.. وليس هذا فحسب، بل رُبما قرأ أحدهم رسالة وصلته تُبارك له حلول شهر رمضان فيتجاهل الرسالة، ويُعرض عن المرسل في تكبر فاضح، وصدود واضح.. ومما يزيد الأمر سوءًا أن بعضًا من أولئك الذين لا يُحسنون التعامل مع الناس تظهر عليهم علامات الصلاح فهم من المحافظين على الفروض لكنهم لم يجعلوا لأنفسهم حظًّا من دينهم، فهم لا يُربونها، ولا يهذبونها، ولا يَرُدون الشر عنها!!

وهذا يدل على ابتعاد أولئك عن فهمهم لدينهم الفهم الحقيقي، ويُبرهن على اختلال الموازين، واضطراب المقاييس لديهم؛ لأنهم سيعرفون الاتصال والسؤال، وسيرسلون الرسائل عبر الجوال متى ما كانت من أجل مصلحة شخصية، ومسألة دنيوية.. مما يجعل الإنسان في حَيرة من أمره، فهو في ألم الصدود منهم والإعراض يتساءل.. وباتصالات سؤالهم ورسائل هواتفهم يتفاءل!!

فَيَا مَن تُحسنون استخدام أجهزة الاتصال والتقنية أحسنوا إلى الناس باتصال غَادق، أو إرسال صادق يجمع كلمة المؤمنين، ويُؤلف القلوب، ويُنقي النفوس، ويبني العلاقات بعيدًا عن الكِبر الخَدَّاع، والصُّدود الرَدَّاع.. فقد شهد النبي عليه الصلاة والسلام لرجل بدخوله الجنة لسلامة قلبه، ونقاء سريرته.. فاللهم اجعلنا ممن سَلمت قلوبهم، وخَالَقُوا الناس بِخُلق حَسن.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك