السبت - الموافق 22 يناير 2022م

فضيلة الوفاء .. بقلم :- الدكتور عادل عامر

حرص الإسلام على بناء شخصية المسلم على قيم وأخلاقيات رفيعة حتى تستقيم حياته، ويؤدي رسالته في الحياة، ويسهم بفاعلية في بناء ونهضة مجتمعه، ويواجه بقوة وصلابة كل التجاوزات الأخلاقية عملاً بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

والإسلام في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راق ومتحضر، وسما بأخلاق أتباعه فوق كل الصغائر، ورسم للإنسان حياة راقية تغلفها كل المعاني الإنسانية .

ونحن من خلال هذا الباب نسبح في بحر الأخلاق والقيم الإسلامية الرفيعة لنذكر الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين أن رقيهم وتحضرهم وإنسانيتهم العالية تكمن في أخلاقيات الإسلام، وأن ما نعانيه الآن في معظم مجتمعاتنا العربية والإسلامية من انفلات أخلاقي وبلطجة سلوكية سببه الرئيس ضعف الوازع الديني، واختفاء قيم وأخلاق الإسلام من حياتنا .

موعدنا اليوم مع قيمة إنسانية رفيعة، وخلق إسلامي لا يتصف به إلا أصحاب النفوس الكريمة، وهو خلق الوفاء، وقد أولاه الإسلام أهمية كبيرة في منظومته الأخلاقية الرائعة، وذلك لما له من أثر عميق ودور كبير في حياة الناس، أفراداً وجماعات وأمماً وشعوباً .

وقد احتفى القرآن الكريم بكل ما يعمق من خلق الوفاء وجاء استعمال هذا المفهوم في آياته على وجوه متعددة، فهناك وفاء بعهد الله، وهناك وفاء بالعهد على نحو مطلق، وهناك وفاء بالعقود، أو وفاء في الكيل والميزان، أو وفاء بالنذر، كما جاء مفهوم الوفاء في آيات قرآنية كثيرة في مقابل نقض المواثيق والعهود، وهذا يدلنا كما يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة على اتساع مساحة الوفاء في منظومتنا الإسلامية . . فالأمر لا يتعلق بعلاقة بين صديقين فحسب، وإنما الأمر يشمل جميع العلاقات بين الأفراد والجماعات والشعوب ويتجاوز الدائرة الضيقة بين فردين إلى دائرة أوسع تشمل الإنسانية كلها .

ويدخل في إطار الوفاء المطلوب من المسلم، الوفاء لماضي الأمة وتراثها، وتاريخها، فلا يجوز للمسلم أن يتنكر لماضيه، فالذي ليس له ماضٍ لا مستقبل له، والوفاء لماضي الأمة وتراثها لا يعني كما يوضح الدكتور عبد المقصود باشا، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية في جامعة الأزهر، تقديس هذا الماضي وتبرئته من كل العيوب، وإنما المقصود هنا ألا يفصل المرء بين يومه وأمسه، فالزمن حلقات متصلة ومن أجل ذلك لا يجوز أن تكون هناك قطيعة مع هذا الماضي لأنه يشتمل على الجذور، وفصل جذور الشجرة عن ساقها يميتها .

إذاً الوفاء للماضي يعني الحفاظ على الهوية وتنمية الإيجابيات التي يشتمل عليها الماضي وتجنب السلبيات، إضافة إلى مراعاة متغيرات العصر، وهذا ما يطلق عليه البعض الجمع بين الأصالة والمعاصرة . ويدخل في مفهوم الوفاء أيضا الوفاء لعلماء الأمة ومفكريها وعظمائها ممن قدموا للوطن خدمات جليلة، والوفاء لهم يكون بإحياء ذكراهم والاعتراف بفضلهم، وتعريف الأجيال الجديدة بجهدهم وتضحياتهم وعطائهم، وبذلك نقدم لهذه الأجيال نماذج مشرفة يقتدون بها ويحذون حذوها في البذل والعطاء الأمر الذي يعود بالخير على الوطن وكل من يعيش فيه . ويرتبط خلق الوفاء بأخلاق أخرى لا تنفصل مثل الصدق والتقوى، ولذلك جاء حديث القرآن الكريم في وصف الموفين بعهودهم والصابرين بأنهم الذين صدقوا وبأنهم المتقون: أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون .

وإذا كان الوفاء بالحقوق والعهود والمواثيق أمر يحتمه الإسلام فإنه لا يفرق في هذا الصدد بين المسلمين وغير المسلمين، فالأخلاق الإسلامية لا تتجزأ ولا يجوز أن تطبق بطريقة انتقائية .

قسم بعض العلماء الوفاء إلى أنواع:

– الوفاء مع الله: فعلى المسلم أن يكون وفياً بعهده مع الله في أن يعبده وحده لا يشرك به شيئاً، وأن يبتعد عن طريق الشيطان الذي يدفعه إلى ارتكاب المعاصي .

– الوفاء بالعقود والعهد: فالإسلام يوصي باحترام العقود وتنفيذ الشروط التي تم الاتفاق عليها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسلمون عند شروطهم .

– الوفاء بالكيل والميزان: فالمسلم يفي بالوزن فلا ينقصه، لأن الله تعالى قال: أوفوا بالمكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم .

– الوفاء بالنذر: فالمسلم مطالب بالوفاء بنذره وأداء ما عاهد الله عليه، ومن صفات أهل الجنة أنهم يوفون بالنذر، يقول الحق سبحانه وتعالى: يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً .

– الوفاء بالوعد: فالمسلم مطالب بأن يفي بوعده ولا يخلفه، والرسول يحذر من نقض الوفاء بالوعد ويعتبره من أخلاق المنافقين فيقول: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان.مناسبة إثارة هذا الموضوع هى التحولات المقلقة التى تطال الفكر والسلوك والقيم الأخلاقية فى بعض أجزاء الوطن العربى، سواء فى تعبيرات ومواقف بعض الأفراد أم فى تصرفات وقرارات بعض المؤسسات الرسمية.

ولعل أكبر وأعمق وأفدح تحول هو ما أصاب فضيلة الوفاء أو الإخلاص لتعهدات والتزامات ومواقف وأفكار سابقة. ونحن هنا نتحدث عن الإخلاص النبيل المحب الملتزم، وليس الإخلاص المظهرى الكاذب.

والسؤال الذى يطرح نفسه بقوة: هل نحن أمام إشكالية ضعف فى تذكر أقوال ومواقف والتزامات الماضى؟ وهو ما يمكن حدوثه عند الأفراد بسبب المرض أو الخرف أو الجنون، أم أننا أمام إشكالية تراجع فى حساسية ونبل أخلاقيات ضمير الإنسان الذى ماعاد يحكم تصرفات بعض الأفراد أو بعض المؤسسات؟

وهنا، هل نحن أمام ظاهرة وصفها الفيلسوف الألمانى الشهير نيتشه «بأن الكذب الأكثر انتشارا هو الكذب على النفس؟»، وفى هذه الحالة «فإننا نهدد أسس كل الفضائل، وهو التوقف عن الكذب»، كما قال الكاتب والشاعر الإنجليزى توماس هاردى. نحن بالطبع لسنا ضد تغيير الأفكار والقناعات والالتزامات السابقة بسبب تغير حقائق الواقع والظروف المستجدة. ولكن هل يستطيع أحد إقناعنا بأن هناك أسبابا حقيقية موضوعية مقنعة فى الواقع العربى تحتم عدم الإخلاص لكل مكونات الماضى البعيد والقريب؟.هل حقا أن هناك أسبابا موجبة للانقلاب على هوية العروبة الجامعة التى تمتد قرونا فى تاريخ العرب الطويل والتى أوجدت تاريخا مشتركا، ولغة واحدة، وثقافة فكرية وأدبية واحدة، وسلوكا اجتماعيا واحدا، وإلى حد كبير دينا واحدا يقبله الجميع كمكون أساسى فى ثقافة الأمة؟

هل حقا أن هناك أسبابا جدت لانغماس الشعوب فى لعبة فاجرة، تقودها قوى خارجية استعمارية متعددة، من أجل إدخال الشعوب فى صراعات عبثية، ومناكفات مخجلة، وغمز ولمز بذىء، واتهامات ملفقة، وتناس لتعاضد أخوى عبر القرون، وجعل بلادات وجهالات شبكات التواصل الاجتماعى هى الحاكمة للمشاعر وللأقوال؟

هل حقا أن هناك أسبابا موجبة لقراءة كل حدث صغير فى أية بقعة عربية، يقوم به جاهل أو غاضب أو يائس، جعله أساسا لعلاقة هذا الشعب العربى بذاك الشعب العربى الآخر. ألا يرى الإنسان العربى العادى أن وراء كل ضجة حول كل حدث تافه صغير استخبارات أجنبية أو جهات داخلية تعيش على استعمال الدين والعرق والجنس والمذهب والجهة الجغرافية وأخطاء التاريخ بصور انتهازية ومن أجل تغطية هذه الخيانة أو تلك؟

كل ذلك، وأكثر من ذلك بكثير لا يفسره إلا التراجع المذهل فى فضيلة الوفاء والإخلاص، إما بسبب الهجمة المركزة على إضعاف ذاكرة الأمة والأفراد وبالتالى نسف وتدمير ما قاله أيضا نيتشه «من ضرورة أن نكون وارثين لقيم الأخلاق فى الأزمنة الماضية حتى لا نبدأ من الصفر»، أو بسبب نجاح ثقافة عولمية مسطحة نجحت فى ترسيخ فردية ذاتية منغلقة مجنونة فى الإنسان العربى. والنتيجة وصول الأفراد والمجتمعات إلى تبنى رذيلة عدم الإخلاص والوفاء لكل قيمة اجتماعية إنسانية نشأوا عليها وشربوا من حليبها طيلة حياتهم السابقة، واليوم ينسونها.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك