الأحد - الموافق 07 مارس 2021م

علاء جمال الجرزاوي يكتب “لم يكن صديقي” (بيوجرافيا)

في البداية لم تكن علاقتي به طفيفة فحسب؛ لأنه لم يكن هنالك علاقة بيننا من الأساس رغم أن الفارق بيننا سنتان دراسيتان لصالحه هو، فإذا كنت في الصف الأول فهو في الصف الثالث، لم انتبه له بتاتًا في المرحلة الابتدائية، كان هذا الأمر لامعقوليًا خصوصًا أن منزله يبتعد أمتارًا قلائلَ عن خاصتي بل، وتربطني به أواصر الدم والقرابة؛ فكيف لنا ألا نلتقي في المساحة الشاغرة الكائنة خلف بيتي وجواره؛ لعبنا فيها وتشاجرنا بها وكونَّا صداقاتنا والتقينا بأجيالٍ تكبرنا فاستقينا منهم الاحترام وكما احتووننا احتوينا، وكما أدوا رسالتهم ناحية من دونهم سنًا أدَّينا؛ حينما حان وقت العطاء أعطينا.
وشاهدنا بشغفٍ- دون مقابل اللهم إلا ثمنًا زهيدًا لكهرباء جهاز المرناة – مشوار المغرب الكروي المشرف في كأس العالم 98، وتابعنا عن كثبٍ عمق جراح أحفاد وليام والاس بعدما أذاقوهم أسود الأطلسي مرارة الهزيمة بثلاثية دون رد، وأصابنا ما أصاب الأخوة عندما اغتال الحكم الأمريكي آمالهم باحتساب ضربة جزاء- تشوبها الريبة، ويعلوها التواطؤ- لصالح النرويج، تقودها هذه الطعنة إلى فوز غير مستحق على البرازيل وبالتالي سرقة بطاقة التأهل من المستحِق…، كما إننا حملقنا في نهائي كأس العالم في نفس البطولة بين فرنسا والبرازيل، لم يكن للرأسمالية سلطان آنذاك على الرياضة ووسائل الترفيه، فلمَ إذن لم ألتقِ به ذات مرة؟ ولربما التقينا وخانتني الذاكرة.
أنهيتُ المرحلة الابتدائية في أواخر القرن المنصرم لتخطّ قدمي المرحلة التي تلتها، وكعادة الأيام الأُول في التجارب الجديدة تركيزنا ينصب على الكل حتى ندرك فيما بعد الأجزاء المكونة له، لم أعرف حينها نظرية الجشطلت ولم أكن لأستوعبها آنذاك، تأقلمتُ سريعًا مع الأجواء التي تحيط بي، وبدأتْ الإذاعة المدرسية تستحوذ اهتمامي وتثير يومًا بعد يومٍ فضولي خاصةً إذا كان محمد – تلميذ الصف الثاني- يقدمها بالإنجليزية، كانت لهجته البريطانية الرصينة تستهويني، وكان النشيد الوطني المصحوب بالموسيقى يحرك بشكلٍ تصاعديٍ شغفي، كما كانت تؤسر لبّي معلمة الموسيقى الأنيقة الواقفة بثباتٍ وباحترامٍ أثناء تحية العلم وعيناها متجهتان لأعلى صوبه كأنها جنديٌ مصطفٌ ومستعدٌ لمهامه بثقةٍ وإقبال.
تبدلت الأدوار فمقدم الإذاعة بالإنجليزية صار في اليوم التالي صاحب فقرة إذاعية بعنوان “دولة وعاصمة” والتي كانت عبارة عن سؤالٍ يطرحه عن عاصمة دولة ما، وينتظر من تلاميذ الصفوف الثلاثة الإجابة عليه نظير جائزة يستحقها صاحب الجواب الصحيح، لم تكن لهذه الفقرة أن تمر مرور الكرام؛ بل كان من أبرز نتائجها سجال كبير بينهما، فما أن يفرغ السائل من سؤاله، حتى يهرع هو مجيبًا عليه، أثار ذلك الأمر عجب السائل؛ فكيف لشخصٍ واحدٍ أن يقبض على الهدية في كل مرة، لم تكن الهدية في حد ذاتها هي المعضلة، إنما كانت روح التحدي التي تجمعهما، حتى قيل في أوساطنا بنبرة الثابت المتحدي: أن عاصمة الغد لن يستطيع الإجابة عنها، انتظرنا الغد يأتي بفارغ الصبر حتى نعرف من المنتصر، وعندما أُلقى السؤال، وجدناه بثبات الكبار يشق الصفوف شقًا متوجهًا بخطواتٍ رشيدة ناحية المنصة ممسكًا بالمجهار معلنًا فيه بصوتٍ متأن أن عاصمة بلغاريا هي صوفيا.
أنا لم أكن أفقه شيئًا عن عواصم العالم، وللوهلة الأولى أسمع عن بلغاريا، أما صوفيا فقد كنت أحسبها صفية…، أي حماقة تلك كنت أحياها وأي جهالة كنت غارقًا فيها؟!، واشفقتاه وقتئذ على حالي!!، لكنها حيلة التبرير لدينا الحاضرة وبقوة، فما الفائدة من معرفة هذه المعلومات ومن التثقف خارج حدود الكتاب المدرسي؟ وهل المنهج يعني دفتي كتاب أتقنه فتتحقق بذلك أهدافه؟ وهل دور المدرسة معرفيٌ وحسب؟ أم أن بموت المدرسة والمعلم ينزلق المجتمع إلى جرف هارٍ فينهار؟
في الواقع استهوتني شخصيته وأنا الذي إذا أعجبت بإحدٍ كان ذلك يصنف على أنه ضرب من ضروب اللامعقول، يا للوهم والخديعة!، أي نرجسية كانت تغشاني، آه ثم آه من الفردية المُهلِكة!!.
وفي يومٍ رأيته جالسًا مع أخي أحمد – رحمه الله – ، يتحدثان بحبٍ ويضحكان بصفاءٍ، كنت أكتفي أنا بإلقاء السلام وهو بالرد، هل سيكون بيننا جسر تواصلٍ في يوم من الأيام؟ وأي فلسفة ستحكم العلاقة؟ مصداقية وشجاعة سقراط أم مثالية أفلاطون أم نفعية أرسطو؟ الألفية الثالثة تبدأ وفي عامها الأول أصبح في الصف الأول الثانوي، وهو بالطبع في الثالث، المدرسة منضبطة من اليوم الأول في العام حتى آخر يوم دراسي فعلي، المحدد رسميًا من قِبَلْ الوزارة، ولم يمر على أسماعنا بعد المثل الذي انتشر آنفًا “بعد مارس مفيش مدارس”، و يا حر قلباه على ما آلت إليه تربويتنا!!…
كانت مدرستي الثانوية تمتاز بوفرة الأنشطة؛ إلا أن الفعاليات الرياضية كانت الأبرز، الدوري المدرسي يتميز بالقوة والمنافسة الشرسة، لاعبون مهرة، وتحكيم عادل وإدارة حازمة، لكن الجديد فقرة النشرة الرياضية في الإذاعة المدرسية، المذهل لي أنه هو هو من يقدمها، يا الله!! كان يحلل المباريات بصورة تجمع بين سحر اللغة، وعظمة الإلقاء، وتمكن مذهل من المعلومات الرياضية، لقد كانت وجبة متوازنة تليق بموهبة المُلقي، واستعداد ولهفة المُتَلقي، وكان يمنح اللاعبين ألقابًا ما زالت تصطحبهم إلى الآن، فمن منا بمقدوره نسيان” كامبوس”، اللقب الذي منحه لحارس المرمى المخضرم : ضياء ؟
يا لروعة الأيام الخوالي.
ويا لوجهه رائق الملمح، وجبينه المنبسط الذي ينم عن اتساع نطاق خبرته، ويا لعيناه التي تفيض اتقادًا وتلألأ غريبًا وعميقًا في آنٍ واحدٍ، فعند إطالة النظر فيهما تقرأ مزيجًا من القوة والضعف، خليطًا من الحرب والسلام، لكنك ستخرج بمسلمة يقينية أن هذا الشخص سيصبح ذات يومٍ ذا شأنٍ جليل، كما ترتسم على فيه ابتسامة خفيفة لا تفارقه توحي بالبساطة والانفتاح، لكنه عندما يضحك بصدق، ينفجر بقهقهاته وينتشر على مساحة ليس بالهينة، ورغم أحاديثه الهادئة، وردود أفعاله المنضبطة إلا أنه عندما يشرع في أكل اللحمة المنقوعة في المرق، كأنها أجراس حرب تعلن عن بدء معركة

بدء معركة وطؤها شديد، لواؤها طريد، لكن رميه لرقاق الخبز سديد، إنه في التحامٍ مستعر؛ يا الله ما هذا التحول؟!! ولم أكن لأنسى عشقه للمطبخ الإيطالي، وميله النهم لصيادية سمك أُعدت على الطريقة الاسكندرانية، وأتذكر عندما يأتي لزيارتي مُلقيًا على مسامعي جملة لا ينساها في كل لقاء “ريقي يجري على السمين! فلتكن صحبتك معي إلى دكانه”
ومع مرور الوقت ستكتشف أنه وعلى خلاف أقرانه في مثل هذا العمر غير بذيء اللسانٍ – ويا لخطورة أن تكون صالحًا بين مفسدين-! إنه لا يتطاول على أحدٍ بقول أو بفعل ولربما بالنية، كما أنه في المسائل الخلافية لا ينفعل غضبًا أو يضيق صدره، إنما يحاورك بأناقة وحضارة وسلام، كما أنه – ولربما يُضايق هذا البعض – لا يرد عليك بسرعة، لأنه وببساطة يتريث ويعطي لنفسه برهة التفكير فالصمت عنده أفضل من كلام يخرج في غير موضعه فيخطئ هدفه، كما أنه لا يستحي أن يقول لك : لا أعلم وتراه – لأنه يحب أمه – إنه يحترم النساء.
في إحدى المرات كان يعتزم إلقاء تحليله لإحدى المباريات، لكن الفتاة مقدمة الإذاعة المتحدثة اللبقة، اختتمت صباحها في الإذاعة المدرسية دون الإعلان عن فقرته، لأول مرة رأيته غاضبًا، وبدلًا من العودة إلى الصفوف، أمسك بالمجهار وقدم فقرته بنفسه، ثم ألقى على أفئدتنا رؤيته لمبارة الأمس المدرسية، كان تقريره رائعًا بما يكفي للدرجة التي جعلتنا ننتشي من العظمة والجمال، نستمع إلى فحواه وكأننا نستمع لمحمد أحمد حسين وهو يُلقي بشموخٍ وعظمة قصيدة “محمد الدرة” لعبدالعزيز جويدة؛ وكأن على رؤوسنا الطير :
تئنُّ حجارةُ الأقصى بكلِّ خُشوعْ
هُنا “طه” تَعانَقَ نورُهُ الأبديُّ في يومٍ
بِنورِ “يسوعْ”
قليلٌ كلُّ هذا الدّمِّ يا قدسُ
ليبقى صوتُ قُرآنِكْ
وقُدَّاسكْ
هنا مسموعْ
إنها نوستالجية الذاكرة، وحنين الفؤاد إلى الرفقاء!.
استمرت حالة اللامبالاة بيني وبينه، لكنه على ما يبدو سيكون اللقاء الحتمي قريبًا عندما تواجهني صعوبات نحوية، فقد كانت لسجالاته اللغوية أيضًا صدى، ولا تقل ضراوة عن مثيلاتها الثقافية والرياضية، فما أن يأتي معلم العربية بإعراب كلمةٍ ما حتى يأتي هو بإعرابٍ آخر مدعمًا بالدلائل والبراهين، آه من معلمينا عندما يفتحون لنا صدورهم، ويعلنون أننا على صواب وأن مسألة واحدة لها حلول عديدة ومقبولة بنفس الدرجة مع اختلاف زاوية رؤيتنا لها.
اللقاء كان المنزل الذي دخلته لأول مرة، يعيش فيه بمفرده، فأخيه الوحيد الأكبر خارج حدود البلاد، وقد حكي لي في غير ذات موضع عن فضله عليه، ودوره المحوري في حياته، وأنه أبدًا لن ينسى وقوفه بجانبه؛ أما أخيه نفسه يرى أنه لم يقدم له سوى ما توجب؛ فأبوه رحل عنه صغيرًا، لكنه يحفظ مواقفه رغم أنه لم يشهدها عيانًا، وقد لحقت به أمه بضع سنين بعده، يا ترى من يعتني به في هذه السن التي ما أحوجنا فيها إلى من يعتني بنا؟ بلغني فيما بعد أنه ودع أمه دون دمعة واحدة، كانت وصيتها الأخيرة، لا تبكِ يا ولدي وكن رجلًا؛ فبكاها بقلبه وذلك الأقسى، في الحقيقة لم يُر يبكي بعد ذاك اليوم سوى بكائه في وداع وحيد، والحقيقة أن هذا الوداع كان يستحق مداد البحر دمع، بكى بحرقة شديدة، خصوصًا بعدما صرخ فيه أحد الأصدقاء؛ أرَحَلَ الرفيق؟ رأيته ينهنه بالبكاء حتى ابتلت الأرض وغاصت في الدمع قدمه.
قادني لغرفته، على مكتبه شرائط كاسيت مرصوصة بعناية فائقة، أثير موجات الراديو تملأ أروقة المكان قرآنًا، وثقافة وفنًا، وعلى جدرانها ملصقات تحمل بين أحضانها صور كاظم الساهر مع مقطتفات من أغانيه الشهيرة، كانت الحجرة نظيفة جدًا لكنها فوضوية بما يكفي، كل شيءٍ مُلقًى بجانب، اللهم إلا الشرائط.
إنها شخصية لم أستطع فك طلاسمها بعد، هل هو شخصية ذات ميول دراسية أم ثقافية أم فنية أم دينية؟ تساءلت في قرارة نفسي، ولم أصل حينها لإجابةٍ غير أنني أضفت إلى شخصيته الثرية في وقتٍ لاحقٍ بُعدًا آخر ألا وهو التميز الأدبي.
لا أنكر حقيقة أنني استفدت منه لتحسين مهارتي النحوية، لكنني كنت مؤمن أن نجاح أي علاقة يستند على التكافؤ والتوازن والمجاراة، لكن كيف لي أن أسايره وهو لم يترك فضاءً إلا وزرع فيه أزهاره، وعرف عنه أحواله؟ حرارة تفكيري مرتفعة، آه من وجعي المطبق!
لكنني صرختُ في صمتٍ ذات مرة : لقد وجدتها، إنها الفرنسية، كان معروف عني تميزي عن أقراني فيها لدرجة أنني كنت أغازل الفتيات بعباراتها الإيقاعية؛ أحبتني الذكية الرقيقة ذوات عيون الريم بسبب طريقة مضايقتي لها، ألقيتُ عليه التحية بلكنة فرنسية ساحرة فرد بأحسن منها، فزدتُ فزاد فبُهتُّ، وقلت له : أراك متمكنًا في الفرنسية أيضًا، قال لي “ميغسي” لفظها بالغين هكذا ثم أردف أتابع عن كثب نشرة الخامسة الناطقة بالفرنسية، ولم أترك دقيقة واحدة من برنامج “بانوراما فرنسية” الذي يأتي كل ثلاثاء، يا لإجادة هذا الجيل للتعلم الذاتي، وقضاء الثواني فيما هو نافع!.
كان هذا غيض من فيض سيرة صديقي ورفيقي الذي شرفت بمشاركته أول كتاب لنا “ديوان موعد مع الحب”، إنه ممدوح علام الذي كان ولا يزال يمقت لغات الأرقام والرموز، وكان عليَّ استغلال هذه النقطة – كنوعٍ من المزاح طبعًا ليس إلا- وبدلًا من محاولة طرح أسئلة جغرافية أو أدبية أو حتى لغوية معقدة فيجيبها، كنت أتوجه إليه عادة بسؤالٍ رقميٍ بسيط ولا يجيبه من نوعية: ما الفرق بين المليار والبليون يا صديقي؟
كما إنه انهار ذات مرة عندما سألته : ما الرمز الكيميائي للنحاس(le cuivre) ؟ أطبق عليه الصمت قبل أن أدركه بالإجابة، إنه cu يا رفيق، فأراه بسرعة بديهة يقول لي :see you later. إن روح الفكاهة لا تفارقه أينما حلَّ؟
وقد ذُهل بكيفية لم أعهدها فيه من قبل عندما قلت له أن شفرات الأرقام 1, 2, 3… إلخ عربية رسمها الخوارزمي، فكل شكل يحمل زاوية والصفر 0 جاء عنده على هيئة دائرة لأن لا زاوية بها، كما أن شفرات الأرقام بهذا الشكل ١، ٢، ٣.. إلخ هي شفرات هندية.

التعليقات