الأربعاء - الموافق 17 أغسطس 2022م

“عاشوراء”.. الملحمة الإنسانية الخالدة ..بقلم الكاتب: عباس آل حميد

 

ورد في المستدرك على الصحيحين، عن أم الفضل قالت: «وضعت الحسين في حِجر النبي (ص)، ثم حانت مني التفاتة، فإذا عينا رسول الله تهريقان من الدموع، فقلت: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، ما لك؟ قال: أتاني جبريل فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا، فقلت: هذا؟ فقال: نعم، وأتاني بتربته حمراء».

عاشوراء ملحمة إنسانية خالدة أبطالها هم آل بيت النبي (ص)، وقائدهم هو ابن بنت الرسول الأعظم (ص)، وسيد شباب أهل الجنة، كما قال عنه الرسول (ص)..

ملحمة تجسد أروع قيم العظمة والنبل والتضحية في التاريخ ولا يزال صداها يتردد حتى اليوم؛ لأنها تتمحور حول طلب الإصلاح في العالم لتحفز الإنسان عاطفيًّا وعقليًّا لتحرير نفسه والعالم من حوله.

ملحمة عاشوراء:

في سنة 61 للهجرة (680 م)، خرج الإمام الحسين [ابن بنت الرسول الاعظم (ص)] مع أهل بيت الرسول الأعظم (ص)، وثلة من أصحابه طلباً للإصلاح في الأمة الإسلامية بعدما وصل حالها لما وصل إليه، معلنًا: “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدّي رسول الله (ص)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر”، مستنهضًا ضمير الإنسانية: “إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ دِينٌ وَكُنْتُمْ لا تَخَافُونَ الْمَعَادَ فَكُونُوا أَحْرَارًا فِي دُنْيَاكُمْ”.

غير أن الإمام الحسين (ع) كان يدرك أن استنهاض الأمة يحتاج إلى ملحمة عظيمة تتجسد فيها كل معاني البطولة والتضحية أمام كل مظاهر الخنوع والإجرام، فقرر أن يقضي شهيدًا هو ومن معه وأن تُسبى أسرته قرابين لله وللإنسانية، فأعلن عن عزمه هذا لكيلا يتبعه إلا من وَطَّن نفسه للشهادة، فقال (ع): “من كان باذلًا فِينَا مهجتَه وموطِّنًا على لِقَاء الله نفسه فلْيَرْحَل مَعَنا”، وقال: “من لحق بنا استشهد، ومن تخلّف عنّا لم يبلغ الفتح”.

في العاشر من شهر المحرم سنة 61 من الهجرة ذُبِح الإمام الحسين سِبط الرسول الأعظم (ص) واثنان وسبعون فردًا من أهل بيت الرسول (ص) وأطفاله وأصحابه ظلمًا بأبشع الصور وأكثرها إرهابًا بعد حصار دام ثلاثة أيام مُنِعُوا فيها من الماء من قِبَل جيش يزيد بن معاوية الذي بلغ عدده أكثر من 30 ألف مقاتل.

لم تنتهِ الملحمة هنا، وإنما استمرت بسوق أهل بيت رسول الله (ص) وأطفاله ونساءه، سبايا مقيدين على الجمال بغير رحل ولا وطاء وبكل مظاهر الإذلال والهوان، تعلو بجانبهم رؤوس الإمام الحسين(ع) وأصحابه مرفوعة على رماح طويلة.. وطافوا بهم من الكوفة والعراق إلى دمشق مرورًا بكبريات المدن الواقعة بين الكوفة والشام على طريق الساحل، معلنين للناس أنهم خوارج عن الدين!

كاد الأمر ينتهي هنا لولا حفيدة الرسول (ص) “زينب بنت الإمام علي (ع)” -التي كانت من المسبيات- حين تمثلت كل القيم والمعاني الإنسانية العظيمة التي اختزلتها ثورة الحسين (ع) التي أراد بثَّها في وجدان الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء.

فكانت (ع) تبثها بقوة وتلقائية وحرارة في كل حركة من حركاتها ومواقفها وزفراتها لتدخل إلى قلوب الناس ووجدانهم في العالم كله فتهزهم وتوقظ ضمائرهم فيثوروا على ذواتهم لينعكس ذلك في ثورات وثورات ضد الظلم والفساد على مرِّ التاريخ.

في يوم عاشوراء رفعت جسد أخيها الحسين وهو مقطوع الرأس وممزق إربًا إربًا وهي تلقي بطرفها إلى السماء مخاطبة الله تعالى: “اللهم تقبل منا هذا القربان”.

وماذا الآن؟

وكأن كلمة “زينب” لامست كل القلوب وشاطرها مئات الملايين حول العالم تضحيتها.

الآن -ومنذ ذلك الحين- يقيم مئات الملايين من المسلمين في مختلف دول العالم في كل سنة مراسم العزاء بمناسبة عاشوراء لفترة تمتد لشهري المحرم وصفر، فيقيمون المآتم ليلًا، ويستحضرون ذكرى يوم عاشوراء بكل ما تحتويه من مصائب وبطولات ودروس، ويبكون على ما أصاب الإمام الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه وانتهاك الحق في أجلى صوره، ويعاهدونه على المضي قُدُمًا في طريقه والتضحية في سبيله والثأر من الباطل للحق الذي انتُهِك والظلم الذي تفشَّى.

تشمل هذه المراسم قائمة طويلة من الممارسات الشعائرية، بعضها ورد الحث عليه من قبل أئمة أهل البيت (ع)، كالزيارة والجلوس وتذاكر في أمور أئمة أهل البيت وعلومهم، والبكاء وقراءة المراثي، وبعضها لم يرد بشأنه حث، وإنما انبثقت على مر الأزمان نتيجة تفاعل ثقافات بعض المجتمعات الشيعية مع مفهوم إحياء عاشوراء، وتختلف من مجتمع إلى آخر.

ولا تقتصر فترة استذكار عاشوراء على شهرين في السنة، إنما تمتد طوال السنة، من خلال زيارة الحسين (ع) وإقامة المآتم الحسينية في مختلف المناسبات الدينية والاجتماعية.

نردد عند زيارتنا للحسين (ع) في كل مناسبة: “السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، والسلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله، السلام عليكم يا وارث محمد حبيب الله”، فيغرس ذلك في وجداننا وأعماقنا أن خط الله والهدف الرسالي هو نفسه على مر التاريخ، وهو إيصال الإنسان لله تعالى.

إن ثورة الأنبياء كانت ثورة على الانحراف عن خط الله والخضوع للطاغوت والظلمات بأشكالها المتنوعة، وكذلك كانت ثورة الإمام الحسين لتوقظ العالم على مر التاريخ إلى يوم الدين، وتخلق في قلوب البشر حرارة ودفقًا يهز وجدانهم ويدفعهم للأمام نحو الإصلاح مهما بلغت التضحيات وإنكار الذات، وتجعل من هذه المشاعر المتدفقة عهدًا نعاهد به الإمام الحسين (ع) ونحن نزوره: “أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم”، كما قالها الرسول الأعظم (ص)، وفق ما تواترت كتب الأحاديث على إخراجه.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك