الخميس - الموافق 11 أغسطس 2022م

ضمانات الحرية الشخصية للمتهم .. بقلم الدكتور عادل عامر

أن السلطات العامة تتعامل مع الإنسان، لكن سلطة التحقيق تتعامل مع ذات الإنسان؛ لذا وجب على هذه السلطة أن تعمل بالحدود المقررة قانونًا، ضمانًا لمشروعية تصرفاتها، ودرءًا لاحتمالات التعسف وسوء استخدام السلطة. ان العدالة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في ظل نظام لا تراعى فيه الضمانات الأساسية ،أو يفرض قيودا تحد من ممارسة الفرد لحرياته ، لأن ذلك يؤدي إلى المساس بكرامة الإنسان و إغفال حقوقه و الاعتداء على حريته ،

كما يؤدي إلى حقائق زائفة عن المحاكمة و الإخلال بحق المتهم في الاستفادة من هذه الضمانات ، وعلى هذا النحو لا يشكل هدرا لمصلحة خاصة فحسب ، وإنما يمثل اعتداء على النظام الاجتماعي بأكمله باعتباره يتصادم مع المفهوم الصحيح لإدارة العدالة الجنائية

و على هذا الأساس إن الأصل في المتهم البراءة يشير إلى حالة مؤقتة و غامضة يمر بها المتهم ، قبل ان تتأكد براءته مما هو منسوب اليه ، قبل ان يتم التحقق من أدانته ، و يعتبر هذا الأصل مبدأ أساسي في النظام الديمقراطي للإجراءات الجنائية ، ومن مفترضات المحاكمة المنصفة .

فمبدأ البراءة هو مبدأ عام موجه إلى سلطات الدولة الثلاث التشريعية و القضائية و التنفيذية بحيث لا يجوز لأي من هذه السلطات الثلاث مخالفته ، فلا يمكن للسلطة التشريعية مثلا أن تستصدر قانونا يخالف مبدأ البراءة ، فمن غير المتصور أن تقوم السلطة التشريعية على إصدار قانون يجعل من مجرد توجيه الاتهام إلى شخص بارتكاب جريمة ما ، كافيا للحكم بإدانته ،

أو إصدار قانون يبيح للسلطة العامة اتخاذ إجراءات تمس حرية المتهم دون أن تضع قيودا وضوابط لمثل هذه الإجراءات ، أو إصدار قانون يحرم المتهم من حقه في الدفاع ، أو قانون يلقى على المتهم عبء الإثبات ، أو قانون يجعل في الإمكان معاقبة المتهم دون صدور حكم نهائي بإدانته كما أن مبدأ البراءة يعتبر مبدأ عاما موجها إلى السلطة القضائية ، فمن غير المتصور مطلقا أن يفسر القاضي الشك أدلة الإدانة لغير صالح المتهم ، لأن ذلك يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة المستقرة في الضمير الإنساني ،

كما أنه من غير المتصور أن يكلف القاض الجنائي المتهم بتقديم أدلة على عدم ارتكابه الجريمة لأن معنى ذلك تكليف المتهم بأثبات موقف سلبي أي انه لم يرتكب الجريمة ، و هو أمر متعذر بل يكاد يكون مستحيلا . كما أنه من غير المتصور أيضا أن يحرم القضاء المتهم من ضمانات المحاكمة، أو يسلبه حقه في الدفاع و في محاكمة عادلة تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه . و نفس الحال يعتبر مبدأ البراءة مبدأ عاما موجها إلى السلطة التنفيذية بجميع فروعها فلا يجوز لها مخالفته أو مصادرته ،

فمن غير المتصور ان يقدم رجال الشرطة مثلا على اتخاذ إجراءات ماسة بحرية المتهم لمجرد توجيه الاتهام اليه دون ضوابط و ضمانات و بعيدا عن رقابة القضاء باعتباره الحارس الطبيعي للحرية ، كما أنه من غير المتصور أن يباح لرجال الشرطة سلوك طريق الإكراه و التعذيب لانتزاع اعترافات من المتهمين

و بذلك يمكن القول ان مبدأ البراءة هو مبدأ عام مستقر في الضمير العالمي و في غير حاجة إلى نص ، و أن هذا المبدأ موجه لسلطات الدولة الثلاث التشريعية ، و القضائية و التنفيذية . و أن التسمية الشائعة للمبدأ بين فقهاء القانون الجنائي الوضعي (قرينة البراءة ) هي تسمية جانبها الصواب بل أنها كانت محل انتقاد ان أصل البراءة يستلزم عدم المساس بالحرية الفردية في أي مرحلة من مراحل الدعوى كما يستلزم عدم توقيع الجزاءات إلا بعد صدور حكم من جهة قضائية مختصة و صيرورة ذلك الحكم نهائي و بات ، لا لمجرد صدور الحكم

. و عرفه فتحي سرور ان مقتضى اصل البراءة ان كل شخص متهم بجريمة مهما بلغت جسامتها يجب معاملته بوصفه شخصا بريئا حتى تثبت أدانته بحكم قضائي بات و يقول بعض الفقهاء في مبدأ افتراض البراءة ” ان افتراض براءة المتهم هو الضمانة الأولى التي تقي الفرد من مخاطر ” سوء الاتهام ” و أيضا ” الاقتناع المعجل ” و هذا الأمران يعتبران المصدر الرئيسي للأخطاء القضائية ، فلكي تقل فرص الوقوع في الأخطاء القضائية يلزم ان يجري الكشف عن الحقيقة في اطار افتراض براءة المتهم ان يقوم الدليل الجازم على أدانته ، فتحقيقات الشرطة و محاضرها هي اكثر مناطق الدعوى الجنائية مثارا للشك خصوصا بسبب الإكراه الشرطي ، و هي أول أسباب سوء الاتهام إلى درجة دفعت بعض الفقهاء في فرنسا إلى المناداة بإنكار كل أثر قانوني لمحاضر الشرطة و الشيء المعروف ان الشخص لا تزول عنه صفة البراءة و لا يعامل معاملة المدانين الا بعد حكم نهائي حائز لقوة الشيء المقضي فيه ،

بعد نفاذ جميع طرق الطعن، اما اذا لم يحز الحكم ذلك بأن كان لازال قابلا للاستئناف أو المعارضة او النقض ، فان هذا الشخص يعد لازال قائما . و يرى محمد محدة أن التعريف الذي يصلح لأصل البراءة هو معاملة الشخص – مشتبها فيه كان أم متهما – في جميع مراحل الإجراءات و مهما كانت جسامة الجريمة التي نسبت اليه ، على انه بريء حتى تثبت ادانته بحكم قضائي بات و فقا للضمانات التي قررها القانون للشخص في كل مراحله و أصل البراءة هو قرينة بسيطة و ليست قطعية ، و من ثم فانه يمكن اثبات عكسها إلا أنه مع ذلك لا يكفي لدحضها و إبعاد الأدلة او الوقائع المقدمة او مجرد الادعاءات المقدمة أو مجرد الادعاءات من أية جهة كانت ،

بل تستمر هذه القرنية قائمة و مرافقة للشخص إلى إن تثبت إدانته بحكم قضائي بات ، ذلك لأنه مهما توافرت الأدلة وقويت ضد المتهم أو المشتبه فيه ، فان القانون يعتبر الحكم القضائي البات ، هو وحده فقط عنوان الحقيقة التي تقبل المجادلة ، فالشخص يظل متمتعا بما كان عليه من أصل البراءة ، حتى حصول ما يغير ذلك الوصف أو ينفيه بأمر يقيني . و يعتبر مبدأ قرنية البراءة من الحقوق اللصيقة بالشخص بصفة عامة، لأنه يتطابق معها في الشكل و المضمون ، لأنه من المبادئ المسلمة التي لا تحتاج الى نص صريح ، و مع ذلك فقد اتجهت النزعة إلى تدوينه في إعلانات حقوق الإنسان و الاتفاقات الدولية و الدساتير و قوانين الإجراءات الجنائية ،

و مبدأ قرينة البراءة لتعظيم دوره لا ينهار عقب ثبوت إدانة المتهم ، بل يستمر ذلك المبدأ محترما بشأن ما يستجد من وقائع جديدة ، و ذلك خلافا لتلك التي تثبت الإدانة فيها و يرى بعض الفقهاء في مبدأ افتراض البراءة ” ان افتراض براءة المتهم الضمانة الأولى التي تقي الفرد من مخاطر ” سوء الإتهام ” و أيضا ” الإقتناع المعجل ” و هذا الأمران يعتبران المصدر الرئيسي للأخطاء القضائية ، فلكي تقل فرص الوقوع في الأخطاء القضائية يلزم ان يجري الكشف عن الحقيقة في إطار إفتراض براءة المتهم أن يقوم الدليل الجازم على إدانته، فتحقيقات الشرطة و محاضرها هي أكثر مناطق الدعوى الجنائية مثارا للشك خصوصا بسبب الإكراه الشرطي،

و هي أول أسباب سوء الإتهام الى درجة دفعت بعض الفقهاء في فرنسا إلى المناداة بإنكار كل أثر قانوني لمحاضر الشرطة و قد عرف مبدأ قرنية البراءة من قديم الزمن حيث عرفه الرومان ، ذلك أن مبدأ قرنية البراءة هو من أسس النظام الاتهامي ، و الذي كان معروفا قبل النظام التنقيبي حيث كان الأول يعتبر الجريمة تقع بين شخصين تنحصر الخصومة بينهما و على المجني عليه أثبات دعواه فأصل هذا المبدأ تؤكده عملية إثبات المجني عليه ،

فالبراءة هي الأصل و على من يدعي عكس ذلك أن يثبت . و إن جاز لنا التشبيه في القانون المدني القاعدة التي تنص ” على الدائن إثبات الالتزام و على المدين إثبات التخلص منه” فالدائن في القانون المدني يقابله المجني عليه في القانون الجنائي الذي عليه ان يثبت وقوع جريمة عليه من شخص آخر . و قد عرفت الشريعة الإسلامية هذا المبذأ فقد قال رسول االله صلى االله عليه و سلم ( و ادرؤا الحدود بالشبهات ) و عن عائشة رضي االله عنها ” ادرؤا الحدود عن المسلمين بما استطعتم ، فإن و جدتم للمسلم مخرجا فأخلوا سبيله فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة “

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك