الثلاثاء - الموافق 07 فبراير 2023م

صخـــرة الانتظــــار..قصة قصيرة..بقلم صبحة بغورة

عندما همت بالجلوس وحيدة على صخرة قريبة من شاطئ البحر الممتد حولها راقها أن تتأملالأمواج الحانيةفي تتابعهاالهادئ تلامسالرمال الذهبية الناعمة بخجل ثم تنسحب، كانت تعلم أنها اختارت المكان المناسب، كما يبدو أنها اختارت كذلك الزمن المناسب لأن للشمس في غروبها سحر خاص لم تألف من قبل أن تتلقاه عينها بالمتعة وتستقبله نفسها بالنشوة، كانت موجات البحر الضعيفة تندفع نحوهامحدثة طششا أقرب إلى الهمس أوحى لها أنها تتسابق نحو مداعبة قدميها الممددتين لتبلغها رسالة طمأنة بعدما كادت تستسلم مجددا لعرائس خيالاتها التي تركت بسببها المنزل وفرت مسرعةنحو شاطئ البحر علها تجد في أحضانه ما يحتويهاويزيل عنها هموما ثقيلةوقيودا فرضتها ظروف غامضة كبلتهاودفعتها إلى مساحات ضبابية وكابوسية واسعة لا وضوح لمعالمها،لقد أرادت أن تتملص من أجواء رعب تلفها ولكنها تستحضر رغما عنها جحيما لا ينتهي في مسيرة نحو تدمير ذاتها، عبثا حاولت تفسير نفسها بما في نفسها لأنها كانت في الحقيقة ترسم نفسها ، لم تكن قادرة على النظر إلى القادم من أيام حياتها ولا أن تقدّر تقلبات عملهالتحدد محطات مستقبلهابقدر ما كانت تعاني من إفرازات صديديةلمجتمع لم يكن مستعدا للتكيف مع طبيعة تطور الحياة، إنها تعيش في وسط تتنافر فيه القلوب وتتناقض الأفكار، كانت تقضي يومياتها المضطربة في مجتمعتتضارب فيه الآراء ، لم يكن أفراده متمتعين بقدر من الوعي والنضج،لقد أرادت أن تتملص من أسر محيط فقد أفراده الإحساس بالاستقرار والرغبة في إشباع حاجاتهم الأساسية وتراجعوا بمسافات بعيدة عن الأحداث وغاب اهتمامهم بالنشاطات ذات القيمة العالية وغلب عليهم النوم الثقافي ، فلا حس أو فكر ثقافي يمكن نثره علما وولاية وحالا ، ولا ثقافة إبداع تمكنّهم من التأقلم بها مع سرعة التحولات التي تكون قد بدت للبعض ثقيلة مع أنها ليست كذلك قياسا بما كان موجودا، كاد النجاح أن يكون مضمونا في فترة لولا حالات التسرع فضاع مفهوم صناعة القدرة والإعداد وبناء القوة ، وضاع الشباب وغاب لما فقدت القواعد القانونية عنصر الجزاء.
بدأ المساء يسدل رداءه و هي لا تزال قابعة فوق الصخرة وقد ضمت ركبتيها إلى صدرها، نظراتها تشرد بعيدا وقد ضاع منها خط الأفق في ظلمة غير مريحة، أصوات بعض الصيادين العائدين إلى الشاطئ تأتيها من مسافة غير بعيدة عنها ،اقتربوا منها أكثر حتى رست قواربهم ، اتجهت إليهم بشغف لترى ما جاؤوا به ، رحبوا بها وكان كبيرهم يعرفها جيدا منذ كانت طفلة صغيرة ، أراد أن يمسح بحنو على شعره ، ولكنها أدارت برأسها منزعجة فعلم أنها لم تعد الطفلة الصغيرة التي عهدها ، تأمل قوامها جيدا ولاحظ أنها أصبحت امرأة كاملة كما تشتهيها العيون ،ابتسم وانضم إلى رجاله المنهمكين في تخليص الأسماك من شباكالصيد، تراجعت خطوات وعادت إلى منزلها بكل هدوء.
لم تبق طويلا مع عائلتها بعد العشاء بل أوت إلى فراشها مبكرة على غير عادتها ، ولكن عبثا حاولت النوم فبالها بقي مشغولا، لم يكن أرقا بل حيرة من أمرها، لم تعلمها أمها أن عليها الابتعاد عن أي أجنبي يريد أن يلامسها مهما كان ، لقد تصرفت بعفوية وتلقائية، هل هو الحياء الفطري؟ أم هو خجل زائدوفي غير موضعه؟ ولكن شيخ الصيادين كان في مثل عمر والدها أو أكثر، ولم يصدر عنه يوما ما يمكن أن يسوءهأو يجعلها تحذر منه ومع أول تثاؤب بدأت تنسحب هذه التساؤلاتوما كادت تغمض عينيها حتى وجد الشيطان في حيرتها فرصة ليجري منها مجرى الدم، فإذا بها تستشعر دبيب نداء الأنوثة يسري في نفسها،فعادت التساؤلات الخبيثة ،هل تراهحقا كان معجبا بها ؟ نظراته تؤكد لها ذلك، ولكن ترى ما الذي أعجبه فيها بالضبط ، لقد كان يلتهم بعينيه جسدها ، إذن بالتأكيد قوامها الرشيق أبهره، ولاشك سيبهر كذلك كل من يراها غدا إن هي أحسنت اختيار الثوب المناسب.
تهيأت مبكرا للذهاب إلى السوق على غير عادتها وقبل أن تعزم أمها على ذلك ، وكان لباسها قد كشف عن غير عمد عن بعض مفاتنها أزعجت أمها فتعللت أنها أصبحت أكثر سمنة من ذي قبل نتيجة قلة الحركة. مع بداية خطواتها الأولى في أزقة السوق الشعبي انطلقت صفافير الشباب وتعليقاتهم إعجابا ، فاختلت خطواتها وبدأت تتمايل بكتفيها وكادت تفقد وقارهاواتزانها في السير، أسرعت وعادت إلى المنزل دون شراء أي شئ،ارتمت على سريرها وسحبت مجلة الأزياء تتصفحها وتقلب صفحاتها بهدوء تتأمل الجميلات شبه العاريات يعرضن أجسادهن قبل أزياءهن، نظرت إلى سقف حجرتها حائرة منهن ، هل فقدن حياءهن؟ أم هن مضطرات إلى ذلك في سبيل العيش؟ لا شك أن في هذا السلوك مسألة التعود، فهل يمكنها هي أيضا التعود ..؟
في اليوم التالي ارادت اختبار حقيقة التعود لديها.. ارتدت ثوبا أكثر إغراءوانصرفت وما كادت تخطو أول خطوة نحو الشارع حتى دوت في أذنيها صفافير إعجاب الشباب بها، فتراجعت للخلف ، ثم مالت برأسها تتلفت يمينا ويسارا فلم تجد أحد بالشارع، إذن ما كان هذا ؟ غلبها الحياء ، فعادت للمنزل.
أوقات الفراغ تستهلك قدرات الشبابفي التسكع، وإدمان المخدرات وتناول اٌقراص الهلوسة لقد رأتها تباع علنا في الأزقة المظلمة، وهالهاتواطؤ صغار السن بمراقبة مداخل الطرقات والتستر على عصابات الأحياء والمروجين في مقابل مبلغ مالي متواضع سمعت أنهأسعد أباءهم ، المجتمع ينحدرإلى هاوية سحيقة أمام أعين الجميع ولا نجاة منها ، فلا أحد يحرك ساكنا ،كانت تراقب من وراء نافذتها الصغيرة ما يجري في حيها الفقير، شعرت بالأسف لحال شباب كان بالأمس مثالا للأخلاق الحميدة والاجتهاد والمثابرة في الدراسة يسير منكسرا مطأطئ الرأس لشدة التأثر من تناول أقراص الهلوسة، بدأ الخوف يتملكهاحين أدركت ما ينتظر مجتمعها من مآسي إذا استمر الوضع على ما هو عليه، ترى هل يمكن أن يأتي يوم لا تجد الفتيات الشخص السوي المناسب ليكون شريك حياتها الذي تطمئن معه على سلامة نفسها ومستقبل حياتها ؟؟إنها ترى جيلا ينساق معظمه نحو الهلاك ، كسر شرودها ارتفاع آذان صلاةالعشاء فاختفى أفراد عصابات الأحياء مبتعدين عن أنظار المتوجهين للمسجد، وجدتهم ينسحبون من الحي كما انسحبوا من مقاعد الدراسة في مراحل مبكرة، ومع توالي الأياماعتادت مرافقة أمها للتعزية في وفاة شاب تناول جرعة زائدة ، وآخر مقتولا في شجار حاد ، وثالث مات غرقا في البحر مع قوافل الهجرة غير الشرعية، وآخرين غيرهم انسحبوا من الحياة وتركوا خلفهم أسر تعاني الأسى والفقر، وفقدهم المجتمع عاملين منتجين ، وفي المقابل كانت ترافق أمها إلى حفلات زفاف صديقات لها بالحي تزوجن بمن يرحل بهن إلى ما وراء البحار حيث يمكن أن تؤسس كل فتاة حياة أخرى جديدة، وكلما اشتدت حيرتها تعود لتجلس مجددا على صخرتها تتأمل البحر وتنتظرذلك القادم إليها من بعيد، انتظرت طويلا ولم يعد يهمها من هو.

 

 

 

 

 

 

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك