الثلاثاء - الموافق 02 مارس 2021م

شعاع من نور ومع نبى الله نوح ” الجزء الخامس” إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الخامس مع نبى الله نوح عليه السلام، ولقد كان هناك إصرار عجيب ورغبة قوية من نبى الله نوح عليه السلام مع قومه، في هدايتهم، إلا أنهم تمادوا في غيهم وطغيانهم، واشتد عليه منهم البلاء، وانتظر الجيل بعد الجيل، فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من الذي قبله، حتى إن كان الآخر منهم ليقول قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنونا، لا يقبلون منه شيئا، وقد أوحى الله عز وجل إلى نبيه نوح عليه السلام أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، أى قضي الأمر يا نوح، فلا تتعب نفسك في دعوتهم ولا ترج إيمانهم، فلا تحزن فإن الله مُهلكهم ومنجّيك أنت ومَن آمن معك، ولما علم نوح عليه السلام وأيقن أنه لن يؤمن أحد منهم دعا الله عز وجل وسأله أن لا يترك على هذه الأرض أحدا من الكافرين، فإنك يا رب إن أبقيت منهم أحدا أضلوا عبادك الذين تخلقهم بعدهم، ولا يلدون إلا فاجرا في الأعمال كافر القلب، وذلك لخبرته بهم ومُكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فاستجاب الله عز وجل له، ووعده أنه سينجيه وأهله إلا امرأته لأنها كانت كافرة، وأوحى الله إليه بأمر عجيب، وهو أنه سبحانه وتعالى لما أراد أن يطهر الأرض.
من الظلم والكفر فقد أوحى الله عز وجل لنبيه نوح عليه السلام أن يقوم ببناء سفينة عظيمة من أجل إنقاذ المؤمنين الطيبين، الذين آمنوا بالله تعالى واستجابوا لدعوة النبي نوح عليه السلام، وبالفعل أقبل نوح عليه السلام على عمل السفينة، وتوقف عن دعوة قومه، وجعل يقطع الخشب، ويضرب الحديد، ويهيئ عدة الفلك من القار وغيره مما لا يصلحه إلا هو، وبدأ المؤمنون الذين معه يساعدونه، فالأمر لم يكن سهلا، فهذه سفينة كبيرة جدا، فهى سفينة لإنقاذ البشرية ومختلف أنواع الحيوانات، فكان الأمر متعبا شاقا، ويحتاج لصبر شديد لتكتمل السفينة، وتصبح جاهزة، وخلال بنائهم للسفينة جعل قومه يمرون به وهو في ذلك من عمله، ولما رأَوه يبني السفينة، ولم يشاهدوا قبلها سفينة بنيت قالوا يا نوح، ما تصنع؟ قال عليه السلام أبني بيتا يمشي على الماء، فعجبوا من قوله وسخروا منه، وكانوا يضحكون ويقولون باستهزاء يا نوح، قد صرت نجارا بعد النبوة فكان يرد عليهم بهدوء إذا كنتم تسخرون منا الآن ومن سفينتنا فإنا سنسخر منكم غدا عند الغرق، وإن كنتم تهزؤون منا اليوم فإنا نهزأ منكم في الآخرة.
كما تهزؤون منا في الدنيا، ولكن مع ذلك كان نبى الله نوح عليه السلام والمؤمنون أقوياء بإيمانهم، واثقين في نصر الله وحمايته، يعلمون أن الله لن يضيعهم، فلم يلتفتوا لكلامهم ولم يتأثروا به، وهكذا يجب أن يكون المؤمن قويا، واثقا، ثابتا ما دام على الحق، فلا يهمه من يسخر منه أو يستهزئ به، ويعلم أن ثباته على الحق فيه نجاته، وبعد سنوات طويلة من العمل والجهد والصبر، اكتملت السفينة العظيمة، وأصبحت جاهزة تماما لمهمتها العظيمة، وأوحى الله عز وجل لنبيه نوح عليه السلام إذا فار التنور ورأيت الماء على وجه الأرض، فاركب أنت ومن معك في السفينة، وأمر الله عز وجل نبيه نوح عليه السلام أن يحمل في السفينة المؤمنين الذين آمنوا به، وأن يأخذ من كل نوع من النباتات والثمار، والطيور والدواب والحيوانات زوجين ذكرا وأنثى حتى يحافظ على هذه الأجناسِ ولا تنقرِض، وكان نبى الله نوح عليه السلام قد بنى السفينة، وجعل فيها ثلاث طبقات الطبقة السفلى للدواب والوحوش، والطبقة الوسطى فيها الإنس، والطبقة العليا فيها الطير، وأخيرا حانت اللحظة الحاسمة، وجاء اليوم الرهيب.
وفار التنور، وبدأ الماء يظهر على وجه الأرض، فعلم نوح عليه السلام أن وعد ربه قد جاء، فأسرع نوح يفتح سفينته فأدخل الحيوانات والطيور كما أمره الله، وبدأ يدعو المؤمنين به للدخول فيها، وصعد أهل نبى الله نوح عليه السلام جميعهم إلا زوجته الكافرة، فلم تصعد إلى السفينة، وبحث نوح عن ابنه فلم يجده، وبدأت السماء تمطر مطرا شديدا، وينهمر منها الماء بكميات لم تحدث من قبل، وخرجت المياه من كل مكان في الأرض، والتقت أمطار السماء بماء الأرض، وبدأت المياه ترتفع، وترتفع، وترتفع، واشتدت الرياح، وارتفعت الأمواج، وفجأة رأى نبى الله نوح عليه السلام ابنه، فخاف عليه من الغرق، فنادى عليه وقال “يا بني اركب معنا في السفينة، وآمن بالله ولا تكن مع الكافرين فتغرق” ولكن الابن الكافر رفَض وأصر على كفره، وصاح قائلا، كلا سوف ألجأ إلى ذلك الجبل الشاهق ليحمينى من الغرق، فقد ظن هذا الشاب البائس أن الطوفان لن يصل لرؤوس الجبال، ولم يعلم أن الله عز وجل قد قضى ألا يكون هناك ناج على وجه الأرض إلا فقط أصحاب السفينة، وأن الله تعالى إذا قضى أمرا فلا يستطيع أحد أن يرده.
فنظر إليه نبى الله نوح عليه السلام نظرة أسى وإشفاق وقال له، لا معصوم اليوم من عذاب الله يا بني إلا من رحمه الله بلطفه وإحسانه، لا جبال ولا مخابئ، ولا حام ولا واق، إلا من رحم الله، وفي لحظة قد أتت موجة هائلة قوية باعدت بين الأب وابنه، فلم يعد نوح عليه السلام يراه، وابتلعت هذه الموجة العالية الابن في داخلها وكان مصيره الغرق مع الغارقين، فحزن نبى الله نوح عليه السلام على ابنه، وأشفق عليه، فرفع يده إلى السماء، وتضرع إلى الله عز وجل وقال يا رب، لقد وعدتني أن تنجي أهلي جميعهم إلا امرأتي، وإن ابني من أهلي، فكان الرد من الله العظيم أنه ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم لأنه كان كافرا، وقد أدرك نبى الله نوح عليه السلام أن ابنه لم يكن مؤمنا، ولم يصدق رسالته، فاستسلم لأمر الله ورضي به، واستغفر ربه على سؤاله نجاة ابنه الكافر، وهنا درس عظيم أراد الله عز وجل أن يعلمه لنبيه نوح عليه السلام ويعلمنا أيضا أن الصلة والقرابة الحقيقة بين الناس ليست بالدم أو بالنسب، وإنما هي قرابة الدين والعقيدة، فمع أن موت الابن الذي ربّاه في حضنه، وأحبه حبا جما كان مؤلما لقلب نبى الله نوح عليه السلام.
فإن حبه لله عز وجل وانقياده له فاق حبه لولده، فأبدا لا نقدم حب أحد على حب الله في قلوبنا، لا حب أب أو أم أو ابن، بل يكون حب الله أولا ثم الآخرين، ولذلك فمع محبة نبى الله نوح عليه السلام لولده فإنه قدم حب الله عليه، واستسلم لقضاء الله تعالى، طلبا لرضا الله سبحانه وتعالى، وما زالت السماء تهطل بالأمطار الغزيرة، والأرض تتفجر بالمياه الكثيرة، والأمواج عالية، والرياح هائجة، والسفينة تشق طريقها وسط تلك الأمواج التي تشبه الجبال، وتمر الأيام والأيام، ويستمر الطوفان مدة لا يعلمها إلا الله عز وجل، وقد هلك كل حي على وجه الأرض، ولم يعد باقيا من الأحياء إلا الناجون في السفينة، ولما أراد الله تعالى، أن تستقر السفينة على اليابسة أمر الأرض أن تبلع الماء، والسماء أن تتوقف عن المطر فامتثلتا لأمر الله تعالى، فابتلعت الأرض ماءها، وأقلعت السماء، فنضب الماء من الأرض، وبدأت الرياح تهدأ، والغيوم تنقَشع، والشمس تشرق، ومع الوقت ظهرت الهضاب والتلال والأودية، ورست السفينة على سطح جبل الجودي، ثم أوحى الله عز وجل لنبى الله نوح عليه السلام أن اهبط من السفينة بسلام وبركات من الله عز وجل.
أنت ومن معك من المؤمنين، وغيرهم من الأزواج التي حملها معه، فنزل المؤمنون من السفينة وانطلقَت الحيوانات والطيور تستأنف حياتها من جديد، وابتدأت العمارة في الأرض، وأخذ الناس يتوالدون ويتناسلون، ويعبدون الله عز وجل وحده لا شريك له، بدون ظلم، وبدون شرور، وبدون شرك، وبعد أن أدى نبى الله نوح عليه السلام رسالته التي أرسله الله بها فأهلك الكافرون، ونجي المؤمنون، وعاشوا جميعا في سلام، وقد تحقق قدر الله ووعده، فقد سلط عليهم ماء السماء والأرض فأغرقهم واستأصلهم، وأنجى الله تعالى المؤمنين، وتبقَى سنة الله تعالى فيمن بعدهم، وهكذا تظهر لنا سنة التدريج في دعوة نبى الله نوح عليه السلام، بأنه فهم بيئة الدعوة لتحديد نقطة البدء، والدعوة إلى نبذ عبادة الأصنام، وتوحيد الله عز وجل، واستعمال كافة الأساليب الممكنة والمتاحة لدى الداعي مع الصبر والتحمل، ومراعاة أحوال المخاطبين ودعوتهم بالحكمة، وكذلك على الداعي أن يترسّم خطى نبى الله نوح عليه السلام في أساليبه المختلفة، وكل أسلوب في مقامه الذي يليق به، فلا يستعمل الداعي الحلم في مقام الشجاعة، ولا الشجاعة في مقام الحلم، ويتدرج في إقامة الأدلة.

التعليقات


Fatal error: Allowed memory size of 41943040 bytes exhausted (tried to allocate 20480 bytes) in /home/alfaraen/public_html/wp-includes/wp-db.php on line 1889