الأحد - الموافق 02 أكتوبر 2022م

سوء استغلال الوظيفة العامة .. بقلم الدكتور عادل عامر

تحرص الدول على محاربة الفساد الإداري والمالي لأنه يشكل آفة خطيرة في جميع ميادين الأمن والاقتصاد والتنمية ويؤدي إلى انهيارها مما يسبب إعاقة تقدم البلد ونهب ثرواته ومنع حركة العمران التقدم والرفاهية الاقتصادية .

بالإضافة إلى تفشي هذه ظاهرة يسبب عرقلة مسيرة تطور الدولة وعدم تحقيق الأهداف التي تتوخاها في مسيرة عملها ، ان الفساد الإداري والمالي له امتدادات طويلة في المجتمع العراقي، فهو ينتشر في البنى التحتية في الدولة والمجتمع والجهاز الوظيفي ونمط العلاقات المجتمعية فيبطئ من حركة تطور المجتمع والتقدم الاقتصادي

لذا يجب أن تعزز الحكومة من قدراتها من خلال الشفافية وإصدار القوانين وتطبيقها على ارض الواقع حتى تتمكن من تحديد الفساد ومعالجته وفق القانون وبناء مجتمعاً سليماً معافى خالياً من الأمراض الاجتماعية وإعادة الأمور إلى وضعها الصحيح ومواكبة عجلة تقدم الدول بكافة النواحي

و يعد تشكيل هيئة النزاهة ومكاتب المفتش العام في العراق خطوة في الطريق الصحيح لمكافحة الفساد الإداري والمالي ، وسيكون لها الدور الإيجابي في تحجيم مدى انتشار الفساد وستكون أكثر فعالية عندما يتم التنسيق بينها وبين المنظمات الدولية المهتمة في هذا المجال

الامتناع عن عمل مشروع من أعمال الوظيفة: نصت على هذه الحالة المادة (341) من قانون العقوبات السوري، فجاءت واسعة التفسير والتقدير والتحديد؛ إذ تناولت جميع الظروف التي يحصل فيها الرفض عن طريق الامتناع.

وهو أحياناً إيجابي، وفي غالبيته سلبي، والامتناع المشروع: هو أن يمتنع الموظف عن القيام بعمل لا يجوز له أن يقوم به وفق القوانين والأنظمة التي تحكم طبيعة عمله، ومثال ذلك أن شرطي المرور لا يجوز له أن يخالف سائق السيارة المتقيد بالقانون والنظام على نحو دقيق، فإذا طلب هذا الشرطي مالاً أو أي منفعة من السائق في سبيل ألا يحرر بحقه محضر مخالفة سير؛ فإنه يكون قد ارتكب جريمة رشوة وفق حكم المادة (341) من قانون العقوبات، وكذلك كأن يأخذ قاضي عطية ليحكم بالبراءة حيث تكون البراءة واجبة.

ففي هذين المثالين يتضح أن الامتناع عن القيام بالعمل هو امتناع مشروع يوجبه القانون؛ إذ لا يحقق الامتناع إخلالاً بواجبات الوظيفة.

¯ أداء عمل ينافي واجبات الوظيفة: العمل المخالف للوظيفة هو نقيض العمل المشروع من أعمال الوظيفة، وهو الذي يخالف نظامها وواجباتها المحددة والمعددة في التشريعات والأنظمة وأوامر التعيين والتكليف والانتداب الشرعية المتعلقة بها، ويعني أن ما قام به الموظف يشكل خرقاً فاضحاً لاختصاصات هذه الوظيفة ومستلزماتها، وعليه أن يمتنع عنها لتنافي ذلك مع قواعدها السليمة، وهو ما نصت عليه المادة (342) من قانون العقوبات السوري بقولها: «…ليعمل عملاً منافياً لوظيفته أو يدعي أنه داخل في وظيفته…» ومن أمثلة ذلك تقديم عطية إلى شرطي لحمله على إبداء أقوال جديدة غير ما سبق أن أبداه في شأن كيفية ضبط متهمة؛ والميل إلى أن يستهدف في ذلك مصلحتها لتنجو من المسؤولية، ويتضح من العبارة الواردة في النص أنه لا يمكن حصر حالات الأعمال المنافية للوظيفة، وإنما تبقى لتقدير القضاء بعد دراسة تفصيلات كل حالة على حدة وظروفها.

حتى إن الموظف الذي طلب رشوة أو قبل بها لأداء عمل ليس من أعمال وظيفته، وإنما ادعى ذلك؛ لا ينجو من العقاب بذريعة أنه غير مختص بذلك العمل، بل على العكس تكون عقوبته مشددة وفق نص المادة (342) من قانون العقوبات، حتى لو كان العمل الذي ادعى اختصاصه به لا يعد منافياً لواجبات الوظيفة؛ ما دام أنه ادعى أن ذلك العمل يدخل في أعمال وظيفته وتقاضى رشوة في سبيل أدائه.

وهناك حالتان نص عليهما المشرع في المادة (342) من قانون العقوبات تدخل في عداد الأعمال المنافية لواجبات الوظيفة وهما:

حالة إهمال العمل الوظيفي: إن إهمال الموظف لأعمال وظيفته مقابل رشوة، يقصد بها انصراف نية الموظف وعلى نحو مقصود إلى هذا الإهمال؛ لأن صاحب المصلحة الذي دفع الرشوة طلب من الموظف ذلك تحقيقاً لمصلحته، في حين واجبات الوظيفة تحتم عليه عدم الإهمال، ومثال ذلك أن يفوّت محامي الدولة ــــ مقابل رشوة ــــ ميعاد الطعن بحكم صادر ضد الدولة، وذلك بغرض تحقيق مصلحة للراشي، فهذا الإهمال بواجبات الوظيفة التي عليه أداؤها على نحو سليم متعمد، ودافعه إلى ذلك رشوة قُدمت إليه، والعقوبة المفروضة عليه بهذه الحالة جنائية الوصف.

حالة تأخير العمل الوظيفي: في هذه الحالة يقتصر دور الموظف المرتشي على التأخير في أداء العمل الوظيفي المكلف به عمداً، ولكنه في النهاية يقوم به، بخلاف حالة إهمال العمل الوظيفي المذكورة آنفاً، ومثال ذلك أن يدفع شخص صدر بحقه حكم قضائي غيابي قضى بحبسه؛ رشوة إلى المحضر ليؤخر تبليغه؛ حتى يطيل أمد الاعتراض. وهذه الحالة قد يترتب عليها نتائج خطيرة على مصالح بعض الأفراد، كأن يدفع صاحب المصلحة الذي يملك عقاراً تنوي الجهة الإدارية استملاكه؛ رشوة إلى الموظفين المسؤولين عن ذلك؛ في سبيل تأخير إصدار قرار الاستملاك حتى يتسنى له بيعه لأحد الأشخاص.

د- العرض والطلب:

(1) صور الفعل الذي يقوم به فرقاء جرم الرشوة: جرم الرشوة وفق ما ذكرته المادتان (341 و342) من قانون العقوبات السوري يقتضي بيان صور الفعل الذي يقوم به كل من الراشي والمرتشي والوسيط والغير المستفيد.

t صور الفعل الذي يقوم به الراشي: إذا قام الراشي بعرض الرشوة على الموظف، لكنها لم تلقَ قبولاً من هذا الموظف؛ فإن التكييف القانوني لتصرف العارض أو الواعد طبقاً للقواعد العامة يكون شروعاً في تنفيذ جريمة الرشوة؛ إذ حيل بينها وبين إتمامها رفض العرض أو الوعد من طرف من وجهت إليه؛ لسبب خارج عن إرادة الراشي، ولكن علماء آخرين لم يعدّوها محاولة لجريمة الرشوة، وإنما عدّوها عنصراً أساسياً مكوناً لجريمة تامة، تنطبق عليها أحكام المادة (345) من قانون العقوبات.

أما إذا قدَّم الراشي العطية المطلوبة من الموظف قبل أداء العمل؛ فيكون الأجر في الرشوة معجلاً، أما إذا كان الدفع معلقاً على تنفيذ العمل؛ فإن الاتفاق يكون قد تم بين الراشي الذي طلب والموظف الذي قبل، والعكس صحيح، ويكون الوضع الناشئ من ذلك مؤلفاً لجريمة خاصـــــــــــــــة بطرفيها وبعناصــــــرها، وتنطبق عليــــــــه المادتان (341 و342) من قانون العقوبات؛ نظراً لما ارتضاه الفريقان.

ولكن إذا كان الموظف قد عرض على صاحب المصلحة طلب الرشوة والتمسها وقوبل ذلك الالتماس بالرفض؛ اقتصرت الملاحقة والمعاقبة على الموظف من دون صاحب المصلحة، وإذا تراجع العارض أو الواعد عن عرضه أو وعده باختياره فلا ينجو من العقاب؛ لأن الجريمة أصبحت تامة قبل الرجوع، مع الأخذ بعين الاعتبار القصد المتوافر لدى صاحب المصلحة.

صور الفعل الذي يقوم به المرتشي: الموظف العام. يعد مرتكباً لجريمة الرشوة التامة مجرّد طلبه أو قبوله هدية أو وعداً أو أي منفعة أخرى، سواءٌ كان لطلبه أثر أم لا، وسواء باشر بالعمل الذي أخذ الرشوة مقابلاً له فأنجزه، أم لا، وسواء قبل صاحب المصلحة عرض الهدية أم رفضه. ولا يعد فعل المرتشي في هذه الحالة شروعاً لأن النص القانوني يجعل من فعله جريمة رشوة تامة، وأحياناً لا يعين المرتشي نوع الرشوة ومقدارها وكيفية تقديمها، ويترك ذلك لصاحب المصلحة يعرض ما يمكن تقديمه، فيتولى الراشي تحديد الطبيعة والمقدار ويبقى للموظف الخيار والاختيار بين قبول العرض أو رفضه؛ تبعاً لنوعه أو مقداره؛ وما اقترن به من تعديل أو تعجيل أو تأجيل، وفي الشكل يعد الطلب جريمة تامة ويختلف عن طلب العرض حيث يكون صاحب المصلحة هو من يقوم بتعيين المقابل الذي سيقدمه عن طريق الوعد؛ إذ يحدّد الموظف المقابل، كأن يطلب من الراشي أن يعده بأداء مبلغ معين من النقود، أو بتقديم خدمة أو مساعدة في قضية أو عملية معينة أو منفعة أخرى. والإجابة عن طلب الوعد أو رفضه يكفي فيه نعم أو لا لاقتضاب الحال، أما في طلب العرض

فلابد من تحقق النوع والمقدار المقابل والاستجابة للعرض. ولكن الصورة الغالبة للرشوة هي طلب الأداء المعجل قبل بدء المرتشي بتنفيذ ما طلب منه من عمل أو امتناع وقبل إتمامه حيث يكون في مركز القوة، ويستطيع فرض إرادته على صاحب العلاقة الذي يرضخ لمشيئته للحاجة الماسة. وقد يلجأ صاحب المصلحة إلى البدء في تنفيذ جريمة الرشوة، ويكون دور المرتشي إتمام التنفيذ، وبالتالي يكون كل من الراشي والمرتشي مساهمين في إكمال جريمة الرشوة في ظل نظام الجريمة الواحدة الموحّدة بخلاف نظــــــــــــام الجريمة المزدوجة.

وقد قررت محكمة العـــــــدل العسكري في المغرب بتاريــــــــخ 22/3/1979: «إن الرشوة بمفهومها التقليدي القائم على وحدة الجريمة؛ يصح معها اعتبار كل من المرتشي والراشي مساهمين فيها، ولكن يصعب إضفاء هذا الوصف عليهما في ظل الصياغة الواردة في نصوص القانون المغربي الذي اعتبر فعل كل من الراشي والمرتشي جريمة متميزة عن جريمة الآخر، وعاقب على كل منها بنص مستقل».

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك