الأحد - الموافق 28 فبراير 2021م

«زواج التجربة رؤية شرعية اجتماعية» بقلم : د/ عمرو حلمي من علماء الأزهر ..مدرب التنمية الذاتية

يعد«زواج التجربة» كارثة أخلاقية بكل المقاييس والتي تنذر بتدمير الأسرة وتهدد أمن المجتمع الإنساني.
فـ«زواج التجربة»عبارة عن : عقد اتفاق مدني بين الزوجين ينص على تحديد فترة الزواج لمدة معينة قد تكون شهر أو عام أو أكثر، وفقاً لشروط يضعها الزوجان في العقد، على أن يتم الطلاق بعد انقضاء المدة المحددة.
وقد عرَّف الفقهاء زواج المتعة أو الزواج المؤقت بأنه: عقد نكاح إلى أجل محدد، لا ميراث فيه للزوجة، والفرقة تقع عند انقضاء الأجل.
كما استدلوا على تحريمه بالقرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع
فمن أدلة تحريم نكاح المتعة من القرآن الكريم.
الدليل الأول : قال تعالى:{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
قال الجصاص في«أحكام القرآن»: «من فحوى الآية:{فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} من الدلالة على أن المراد : النكاح دون المتعة، ثلاثة أوجه :
أحدها: أنه عطف على إباحة النكاح في قوله تعالى:{وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} وذلك إباحة لنكاح من عدا المحرمات لا محالة؛ لأنهم لا يختلفون أن النكاح مراد بذلك، فوجب أن يكون ذكر الاستمتاع بياناً لحكم المدخول بها بالنكاح، في استحقاقها لجميع الصداق.
الثاني: قوله تعالى:{مُّحْصِنِينَ} والإحصان لا يكون إلا في نكاح صحيح؛ لأن الواطئ بالمتعة لا يكون محصناً ولا يتناوله هذا الاسم؛ فعلمنا أنه أراد النكاح.
الثالث: قوله تعالى:{غَيْرَ مُسَافِحِينَ}، فسمى الزنا سفاحاً؛ لانتفاء أحكام النكاح عنه؛ من ثبوت النسب، ووجوب العدة، وبقاء الفراش، إلى أن يحدث له قطعاً، ولما كانت هذه المعاني موجودة في المتعة كانت في معنى الزنا، ويشبه أن يكون من سماها سفاحاً ذهب إلى هذا المعنى، إذ كان الزاني إنما سُمِّي مسافحاً؛ لأنه لم يحصل له من وطئها فيما يتعلق بحكمه إلا على سفح الماء باطلاً من غير استلحاق نسب، فمن حيث نفى الله تعالى بما أحل من ذلك، وأثبت به الإحصان، فاسم السفاح وجب ألا يكون المراد به الاستمتاع هو المتعة إذ كانت في معنى السفاح، بل المراد به: النكاح، وقوله تعالى:{غَيْرَ مُسَافِحِينَ} شرط في الإباحة المذكورة، وفي ذلك دليل على النهي عن المتعة، إذا كانت المتعة في معنى السفاح من الوجه الذي ذكرنا».

الدليل الثاني : قوله تعالى في سورة المؤمنين:{والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ(7)وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)}[المؤمنون(5- 8)].
قال ابن العربي : هذه الآية دليل على تحريم نكاح المتعة لأن الله حرم الفرج إلا بالنكاح أو بملك اليمين، والمتمتعة ليست بزوجة ولا ملك يمين فتكون المتعة حراماً، وهي ليست كالزواج فهي ترتفع من غير طلاق ولا نفقه فيها ولا يثبت بها التوارث.

وأما الدليل على تحريم زواج المتعة من السنة النبوية:
ما روه البخاري في«الصحيح»:«أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر».
وأما الدليل على تحريم زواج المتعة بالإجماع، فقد أجمع الصحابة على تحريم هذا النكاح المسمى«متعة» لنهي النبي عنه. هذا وقد انعقد هذا الإجماع في شورى الصحابة حينما نهى عنها عمر رضي الله عنه وهو على المنبر أيام خلافته، وأقره الصحابة على ذلك.
فقد نُقل الإجماع على تحريم المتعة: الإمام النووي والمازري والقرطبي والخطابي وابن المنذر والشوكاني وغيرهم. كل هؤلاء نقلوا إجماع المسلمين على أن المتعة حرام.

وبالنظر إلى القاعدة التي تقول : المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحلَّ حراماً أو حَرَّم حلالاً.
فاشتراط تقيد الزواج بمدة زمنية محددة ومقيدة اشتراط فاسد وباطل لا يجوز بأي حال من الأحوال.
والطلاق شرعه الله تعالى لإنهاء العلاقة الزوجية متى استحالة العشرة بين الزوجين بدون قيد أو شرط بوقت معين. واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الطلاق بيد الرجل لأنه أملك لنفسه فهو أكثر حكمة في تدبير الأمور من المرأة التي تتأثر بالعاطفة أكثر, ومن حق المرأة أن تطلب الطلاق عن طريق الخُلع، أو عن طريق القاضي عند التَّرافع إليه لرفع الضَّرر الواقع عليها.

فماذا لو حدث الطلاق قبل انقضاء المدة المحددة من خلال ما يُسمى بـ«زواج التجربة» في بنود العقد؟
فلن يتم احتساب الطلاق من الناحية القانونية طبقا للشرط المذكور, رغم وقوعه من الناحية الشرعية, وبالتالي فإنهما يعيشون مع بعض في حرام, كما تعتبر العلاقة الزوجية في هذه الحالة علاقة غير شرعية تدخل في إطار الزنا. كما أن الطلاق في هذه الحالة يكون موضع استهتار وعبث بين الزوجين.

وفي حالة اعتراف القانون بوقوع الطلاق فمن الذي يتحمل التكاليف الاقتصادية للطلاق؟
الزوج أم الزوجة وبالأخص إذا كانت هي الطالبة للطلاق, مما يترتب عليه الخراب والدمار للأسرة المسلمة , والذي يؤثر بدوره سلباً على المجتمع الإنساني.

هذا وإذا ما نظرنا إلى مفهوم الزواج من منظور إسلامي اجتماعي فإنه يعد من أرقى العلاقات الإنسانية بين الرجل والمرأة في المجتمع الإنساني, فهو آية من آيات الله في كونه, ولقد اقتضت الحكمة الإلهية أن تقوم العلاقة الزوجية على الدوام والاستمرارية, والتي تعد بدورها أسمى العلاقات الإنسانية على الإطلاق فليست محل للتجارب أو المتعة.
فهي علاقة قائمة على الألفة والسكينة والمودة والرحمة, قال تعالى:{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }.

وكانت الحكمة من مشروعية الزواج هي تحقيق أهداف وغايات سامية للفرد وللمجتمع, فلقد هيأ الله تعالى كلاًّ من الزوجين للتكامل مع الآخر, لإقامة حياة آمنة مطمئنة سعيدة.

فإذا ما تأملنا قوله تعالى:{ مِّنْ أَنفُسِكُمْ }:أي منكم, فلم يقل : مثلكم أو يشبهونكم. فكان التعبير بلفظ{مِّنْ أَنفُسِكُمْ}: دليل على شدة التآلف والانسجام بين الأنفس حتى صارت كأنها نفس واحدة بالزواج.
وقال:{ لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا }:أي: يسكن الزوجان أحدهما للآخر، هذه هي العلة الأصيلة في الزواج, والسكن يقتضي الدوام والاستقرار.
وإذا ما تأملنا في قوله تعالى:{لتسكنُوا إليها} نلاحظ أنه قال: إليها, ولم يقل معها. لأن(مع): ظَرف بمعنى المُصاحبة، والمصاحبة لا تقتضي اتصال الروح والقلب، بل قد تقتصر على الجسد فقط، فهي المُرافقة دون تفصيل. أما (إلى) : حرف جرّ بمعنى الانتهاء، بمعنى الانتهاء إليك في السكَن أي الطمأنينة والراحَة والاستقرار.
وإذا تأملنا قوله تعالى:{وجعلَ بَينَكُم مَوَدَّةً وَرَحمَة} فإنه قال:{مَوَدَّةً}, ولم يقل:(حباً), لأن المودة أعم من الحب. فالمودة من الود الذي يظهر في سلوكيات الإنسان وتصرفاته, فهو ترجمة عملية للحب الذي ينبع المشاعر الطيبة من القلب.
فكل هذا مدعاة للاستقرار والاستمرار للعلاقة الزوجية بين الطرفين, وإذا كان الزواج هو الميثاق الغليظ فلا يجوز العبث به تحت مسمى زواج التجربة.
واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الطلاق بيد الرجل لأنه أملك لنفسه فهو أكثر حكمة في تدبير الأمور من المرأة التي تتأثر بالعاطفة أكثر, ومن حق المرأة أن تطلب الطلاق عن طريق الخُلع، أو عن طريق القاضي عند التَّرافع إليه لرفع الضَّرر الواقع عليها.
ومن الآثار السلبية المترتبة على زواج التجربة على الأسرة والمجتمع
أولاً : امتهان الحياة الزوجية وإهدار لكرامة الرجل والمرأة على السواء.
ثانياً : ارتفاع وتيرة العنف دخل الأسرة الواحدة , واتساع دائرة الخلافات الزوجية, فكل هذا يؤثر سلباً على المجمع الإنساني.
ثالثاً: هذا الزواج القائم على التجربة منافي للفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها, لأن فيه تهديد لأمن النوع الإنساني, فإذا كان الهدف الأسمى من الزواج الذي يقوم على الاستمرارية والاستقرار هو الإعفاف وطلب الذرية, فإن هذا لا يتحقق في زواج التجربة الذي يقوم على المتعة مقابل المال لبعض الوقت.

وخلاصة القول:
هي أن «زواج التجربة» صورة جديدة لزواج المتعة, وهو حرام شرعاً, وإذا تم العقد فهو باطل ويجب فسخه فوراً في الحال. وكل ما أدى إلى باطل فهو باطل, فالآثار المترتبة على هذا الزواج والتي تتمثل في الاستمتاع والمعاشرة, والميراث باطلة شرعاً وقانوناً, وذلك لأن الاستمتاع والمعاشرة في هذه الحالة يعتبر زنى وإثماً مبيناً , كما يعد هذا الزواج من موانع الميراث بينهما, فلا يصح به التوارث بين كلا الزوجين.

وختاماً:
فلا عبرة بكل قول يصادم صريح القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية وإجماع سلف الأمة
ونعوذ الله من شر أتباع كل ناعق.

التعليقات