الخميس - الموافق 04 مارس 2021م

ذكريات تلميذ كحيان ..يسردها لكم / حمدي كسكين

الجو قارس البرودة ترتجف أوصال الطفل الصغير وهو يشق عباب الأزقة مختصرا طريقه الي المدرسة بين حدود الغيطان تارة وفي دروب ملتوية ضيقة بين بيوت طينية تارة أخري يحمل حقيبته المدرسية الثقيلة التي ينؤ بحملها
العصبة أولي القوة من لداته في العمر وقد جعلت عموده الفقري الغض الطري ينحني قبل الأوان وكان يؤنس وحشة طريق الصبي للمدرسة بعض الصبية الصغار من زملاء المدرسة ..يتسامرون بين الدروب والطرق الملتوية ويجرون تارة ويسرعون الخطو تارة أخري حتي يصلوا المدرسة قبل طابور الصباح ولا يتم معاقبتهم من قبل هذا الناظر الغليظ الجهوري الصوت التي تتعالي صيحاته مزبدا فترتعد أوصال هؤلاء الأطفال الصغار ضعيفي البنية
يطرق عمي عبدالعال جرس المدرسة نصطف في طابور الصباح ينادي الناظر اسمي انا وبعض صبية صغار كي نخرج للاذاعة المدرسية وقد كانت معلمتي ابلة ألس قد ساعدتني في إعدادها من قبل
ينتظم طابور الصباح ونقوم ببعض التمارين الرياضية التي تبعث الدفء والنشاط في أجسادنا المرتجفة من برد طوبة وزخات ندي تعبق وتتساقط علي طابور الصباح
وعلي دقات طبول جنائزية ندخل الفصول فقد كانت قريتنا اذا مات أحد تقرع الطبول معلنة عن وفاة أحد أبناء القرية
وما أن تطأ أقدامنا الفصول في مدرستنا الجميلة التي كانت في يوم من الأيام منزل جدي العمدة علي عبدالهادي عمدة اكياد القبلية والذي تنازل عنها طواعية كي ينعم أبناء القرية بالتعليم
تنادينا أبلة ألس حمدي امسح السبورة كنت ساعتها اشعر أنني ملك متوج أو أنني عمدة انازع جدي العمدة علي عبدالهادي وأتقاسم معه السلطة بمجرد أن المعلمة قد كلفتني بمسح السبورة وتبدأ المعلمة القراءة ونحن نردد خلفها في حصة القراءة وتشرق الشمس بأشعتها الذهبية فتوزع علينا الدفء توزيعا عادلا
وفجأة نسمع صوت ناظر المدرسة الجهوري ينادي أنه سوف تمر علينا احدي ممرضات مستشفي القرية ومازلت أتذكر اسمها حتي تاريخه وتخرج المدرسة فصلا فصلا ودرية الممرضة ومعها فريقها الطبي يحملون رشاشة صغيرة يعفرون بها أجسادنا الهزيلة وملابسنا التي كانت قد نقشت عليها رسوما غريبة من بقايا دم البراغيث لتطبع علي ملامحنا فقر مدقع يقومون بتعفير ملابسنا واجسادنا ببدرة البراغيث
كانت البدرة تنتشر علي كل ملابسنا وتغطي أجسادنا وتتسلل الي رؤوسنا وملابسنا الداخلية
وما أن تنتهي الزائرة الصحية من مراسم تعفير أجسادنا ببدرة البراغيث نرجع الفصل وتعاود المعلمة شرحها ونحن نشاركها الإجابة علي الأسئلة التي تطرحها ويدق جرس المدرسة معلنا عن الفسحة….تنزوي كل مجموعة منا في ركن في فناء المدرسة ويخرج كل منا ما جادت به حقيبته وزودته به امه من رغفان زاهية من العيش الملدن وقطعة جبن قديمة ممزوجة ومتبلة بما علق بها من بقايا المش يخرج كل منا ما في بطن حقيبته ونجلس في شكل دائرة نأكل سويا فيما كنا نسميه في ذلك الوقت بالغديوة نتقاسم لقيمات جادت بها أمهاتنا وما أن نفرغ من الغديوة حتي نقوم للجري واللعب في فناء المدرسة يخرج كل منا نحلته الخشبية ونلف عليها الخيط وما فيها علي الأرض فهي اللعبة التي كانت متاحة لنا في هذه الأيام أو نلعب الاستغماية
نظل في مرحنا وتتعالي صيحاتنا الممزوجة بالضحكات حتي يرن جرس الفسحة لندخل الفصول تارة أخري
كانت المناهج الدراسية محببة لقلوبنا وتستوعبها عقولنا الصغيرة في مرحلة الطفولة
وما أن يدق جرس المدرسة معلنا انتهاء اليوم الدراسي نرجع وقد انتفضت الشمس في كبد السماء ونحن نسير في الطريق
في ظل أشجار التوت التي شكلت علي الأرض لوحات ورسومات غاية في الإبداع كأنها لوحات لفنان محترف
كنت أدقق وأمعن النظر في اللوحات والرسومات التي شكلها ظل الأشجار الوارفة الظلال و يسرح خيالي وقد أضحي الطريق الي المنزل وكأنه مرسم لأمهر الرسامين
طريق العودة إلي البيت كان متعة حقيقية متعة للنظر وترق مسامعي أصوات أزيز السواقي من الطنابيش والتوابيت والماء ينساب من عيون السواقي في ابداع جميل وخرير أمواج الجداول ينساب في تناغم ونواصل السير بمحاذاة الترعة بمنظر جماعات الأوز التي تتراقص فوق الماء في دلال وغنج كأنهن الصبايا البكر في خدرهن المعهود
تتدلي أغصان الصفصاف فوق موج الترعة الرقراق مغتسلا في منظر غاية في الإبداع تتشابك وتختلط الأصوات من زقزقة العصافير وهديل الحمام الذي يلتقط رزقه مما تجود به الحقول من خيرات ممزوجة بنهيق الحمير وصهيل خيل سارحات سائحات في مرابض الخيل
وتقابلنا شجرة التوت وبجوارها شجرة الجميز العتيقة التي نقطف بعض حباتها التي تسد رمق جوعنا
كانت مدرستنا المبنية من الطوب اللبن والمسقوفة بألواح الخشب جميلة وتسر ناظرينا والحياة كانت سهلة والطبيعة بكر والناس طيبين والمعلمين غاية في الأخلاص
وكان الحب والرضا قاسم مشترك بين الجميع
رغم قسوة الحياة والفقر المدقع الذي يغط في سباته الجميع

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك