الخميس - الموافق 04 مارس 2021م

دور المثقف في تنوير الشعوب .. بقلم : الدكتور عادل عامر

المثقف صاحب كلمة حرة ومستقلة، ويستهدف نقد انحرافات الواقع، وما ينضوي عليه من خلل وعيوب، وينظر إلى القضايا من منطلق الوعي الذاتي، والرؤية الخاصة، دون أن يأسره العقل الجمعي، أو ينقاد للسائد والمألوف لدى المجتمع رغبا أو رهبا قبل أن يمتحنه على ميزان الحقائق، ومعطيات العلم.

وعلى هذا المعنى الذي حدد به الجابري طبيعة المثقف في النسق العربي الإسلامي، يتضح لنا أن المثقف صاحب كلمة حرة ومستقلة، ويستهدف نقد انحرافات الواقع، وما ينضوي عليه من خلل وعيوب، وينظر إلى القضايا من منطلق الوعي الذاتي، والرؤية الخاصة، دون أن يأسره العقل الجمعي، أو ينقاد للسائد والمألوف لدى المجتمع رغبا أو رهبا قبل أن يمتحنه على ميزان الحقائق، ومعطيات العلم.

فى هذا المجال، يُمكن للمثقفين، وخصوصا المُهتمين منهم بالشؤون السياسية والاجتماعية، الخوض فى فهْم تركيب المجتمعات العربية والبنى التى تشكلها، وكيفية قيام الكيانات العربية والتناقضات التى تحملها، بل والألغام التي زرعها الاستعمار عندما أسهَم فى إنشاء الكيانات العربية بعد الحرب العالمية الأولى. وبإمكانهم كذلك دراسة الأنظمة وتكونها ولماذا انحكمت المجتمعات العربية بمثل هذه الديكتاتوريات، ولماذا استعصت الديمقراطية فيها؟ فمثل هذه الابحاث تُسهِم فى بلْورة بَرنامج سياسى يُمكن للأحزاب والحركات التغييرية الإفادة منه.

ولَم تعرف مجتمعاتنا حركة تنوير تُسهِم فى تعيين الشعارات السياسية والفكرية، على غرار ما عرفته أوروبا فى القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر، وهى الحركة التى ألهمت الثورتَين الأميركية والفرنسية. بل إن ما تعانيه مجتمعاتنا كان ولا يزال مزيدا من الجهل، والانشداد إلى الماضى، ورفض الخروج من قمقمه، والإصرار على تحكيم الأموات بالأحياء.

فالمثقف إنسان مستقل في رؤيته وفي تفكيره، ويرتفع بتحليلاته ورؤاه عن التخندقات الإيديولوجية والانتماءات الحزبية الضيقة، وينظر إلى الأمور بعين باصرة تنشد الحقيقة، والحقيقة فقط. ولا تدفعه الحسابات الحزبية أو الذاتية أو المصلحية إلى “تزييف الوعي” وقلب الحقائق.

أن “المثقف بالنهاية مجرّد مواطن مِهنتُه بلورة الأفكار وصياغة الوجدان. قد يمارس الالتحام بالجماهير، أنّى شاء، مِن موقع المواطَنة. لكنَّ عنوانَه الثابت لمن يطلبُ لقاءَه، فهو مُنْجَزهُ الفكري والأدبي. صحيح أن هناك الكثير من التداخل والترابط في إشكالية الثقافة وأزمة المثقف في الكون عموماً، وما أفرزته الإنسانية من مشكلات قد تتقاطر في الكثير من رؤاها ومضامينها، لكن هناك أيضاً الكثير من التقاطع والتنافر في مفاهيم المثقف العربي عنه في المثقف في الغرب، إلا إذا أصبح المثقف العربي نسخة “كربونية” من المثقف الغربي في أفكاره ورؤاه وإشكالياته، ومن ثم فإن تسمية المثقف العربي تصبح هنا في غير ذات معنى.

وتكون معالجة القضايا والإشكالات عند المثقف العربي مصطنعة، وقراءة مختلفة لتاريخ الأمة، ذلك أن النخب المثقفة في الغرب صاغت قضاياها وأفكارها من داخل الغرب نفسه، ومن ثم فإن نخبنا العربية المثقفة عندما تستعير المشكلات والحلول من الغرب، فإنها بهذه النظرة تصبح كتلة منفصلة عن المجتمع والأمة، وتكون حلولها المطروحة مجرد استعارة وهمية لمشكلات غير قائمة.

لنتفق أولاً أن المثقف في النهاية إنسان له ظروفه النفسية والاجتماعية، وله حاجاته المتعددة كأي إنسان في محيطه، ولذلك ليس من العدل تحميله قضايا وإشكالات ليست من صنعه أو من بنات أفكاره، بمعنى أن الكثير من الإشكال الثقافي وتأزمه أو الجمود الإبداعي قد لا يصنعه المثقف وحده، لأن الثقافة عبارة عن تراكمات عديدة تصنعها الشعوب والمجتمعات الإنسانية.

فالمثقف مقيمٌ في كُتبه، وكل من يبحثُ عنه في مَظَانّ أخرى إنّما يُزايِدُ عليه. ومن غير المقبول أن نطالب المثقف بأدوار دون كيخوتية لا قِبَل له بها، “فيما نحن عاجزون تمامًا عن الخطو باتجاهه بسبب عزوفنا التّام عن القراءة. لكي نلتقي المثقف علينا أن نكون قرّاء أوّلا، قرّاء بالأساس”.

فـ”الرائد لا يكذب أهله”، وكملة الحق أمانة تقطع دونها الأعناق. وقد شكا الأديب الراحل عباس محمود العقاد من المثقفين الذين يمتهنون الكذب والزور، ولا يعرفون “النقد والمذمة إلا إذا تكلموا عن السلطان الزائل” أما السلطان القائم فلا يعرفون إلا تمجيده والثناء عليه. وقد دعا العقاد إلى تطهير “عالم الكتابة والكتاب” من هؤلاء !

والمفروض أن يكون للمثقف مكانه الممتاز، بين الداعين إلى المثل الأعلى، وأن يكون له تأثير على الوسط المحيط به، وأن يحمل على كاهله مسؤولية توعية الشعوب، وإيقاظها، وحمل قضايا المحرومين، والطبقات المهمشة في المجتمع، وأن يعانق هموم المقهورين، “والمستضعفين في الأرض”، وأن يرفع راية الدفاع عن قيم الحرية وحقوق الإنسان، ودولة المواطنة والقانون، وكل المعاني السامية والقضايا العادلة، وأن يجهر بكلمة الصدق، ولو كان فيها غضب الجميع، وأن يقف في وجه الباطل ولو كان تياره جارفا.

فمهمة المثقف أن يصور القضايا كما يراها هو، وانطلاقا من وعيه الذاتي، لا كما يراها الناس، ولا كما هي محددة في عقل المجتمع. إن المثقف إذا كان مسايرا للمجتمع في تفكيره ومقيدا بعاداته وتقاليده، فإنه حال إذن لا يكون قد صنع شيئا كبيرا، ولا يكون قد أتى بشيء جديد، وإنما يكون قد صاغ أفكار العامة التي ربما لم تسعفه قدراتها في البيان والتعبير عن صياغتها. إن من الخطأ الفادح أن يختزل المثقف الثقافة في جانبها الضيق، ودورها المحدود، ويجعلها أحادية في نظرتها وتعاطيها مع القضايا المختلفة. فالتاريخ والحاضر يعلماننا ـ كما يقول محمد محفوظ ـ أن حيوية الثقافة وفاعليتها مرهونتان بتوسيع قاعدتها الاجتماعية، وأما مقتلها الحقيقي يتجسد في خنقها في إطار نخبوي ضيق.

وما يلفت النظر في التجربة الثقافية والعلمية والتاريخية هو أن الأفكار ارتبطت دائماً بالواقع. فلا توجد نظرية أو قانوناً قد اكتشف، أو مدرسة فكرية أو عقدية قد نشأت، إلا كانا ثمرة النشاط العقلي الرامي إلى حل إشكال قائم في دنيا الواقع أو لتطويره. فالثقافة ليست مشروعاً متعالياً على الواقع وشؤونه، كما أنها ليست تراكماً تجريدياً لا صلة له بالناس، وإنما هي حركة باتجاه صقل مواهب الإنسان وتهذيب سلوكه العام والخاص، وجعله متناغماً مع الاختبارات الكبرى للمشروع الحضاري العربي.

ومن هنا فإن إبداع المثقف العربي مرتبط بشكل أساسي بطبيعة الدور المنوط به، وبالواقع الذي يعايشه، وبالظروف التي يتماهى معها.

وتصبح مسألة الإصلاح ضرورية وهامة في مسارنا السياسي والثقافي والفكري، وهذا ما نتوخاه من نخبنا الثقافية والفكرية في الدعوة إلى الإصلاح والى الانفتاح السياسي، وتطبيق الديمقراطية الحقيقية وليس الشكلية، المرفوعة شعارا المعدومة واقعا، كما طرحته الدولة الوطنية بعد الاستقلال، مما جعل الكوارث تتوالى على الأمة في غياب الديمقراطية وتغييب الشعوب عن دورها الحقيقي فيما يتخذ من قرارات وتهميش النخب الفكرية والثقافية.

والآن لا مناص من اضطلاع المثقف بدوره الحقيقي في التنوير وغرس الوعي في الأمة بضرورة الإصلاح الجذري لمساراتنا المختلفة، وأهمها تناول القضايا التي تهم الأمة ونهضتها وتقدمها.

من هنا يبدو أن المثقف الورقي في حالة تراجع نسبي لصالح المثقف الرقمي، وخطاب التغريدات، ولغته الموجزة والمختصرة والتي يتداخل فيها الأرقام والحروف والأفكار المبسطة وبعضها مستهلكه وفي ذات الوقت ثمة مواقع ثقافية مهمة لكنها لا تزال في طور نقل ثقافة الورقي إلى الفضاءات الرقمية كساحة عرض وبث أكثر منها تفاعلاً واستيعاباً للغة الرقمية ختاما، يُمكن القول إن الانتفاضات العربية دفعت، ولا تزال، ثمن افتقاد المجتمعات العربية إلى نهضة فكرية وثقافية، سواء قبل أم بعد اندلاعها.

التعليقات