الثلاثاء - الموافق 07 فبراير 2023م

دعوى استرداد الآثار المسروقة والمهربة للخارج ..بقلم الدكتور عادل عامر

كانت مصر قد كثفت في السنوات الأخيرة جهودها لاسترداد القطع الأثرية المسروقة، وقد اشتهر حواس بشكل شخصي في هذا المضمار. ويبحث المندوبون إمكانية دعوة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) بإدخال تعديل على الاتفاقية الدولية لاستعادة الممتلكات والأثار التي هربت خارج البلاد بطرق غير شرعية بعد عام 1970 بحيث تشمل الآثار التي سرقت قبل ذلك التاريخ. يستقبل متحف أوديسا الأثري التابع للأكاديمية الوطنية للعلوم في أوكرانيا وأقدم متحف أثري في أوكرانيا، الزائر، بمجموعة متنوعة من الآثار تشمل عصور وحضارات مختلفة. بدءا من آثار العصر البرونزي والتماثيل اليونانية عند بداية المتحف مرورا بمنحوتات الحدائق، حتى يتم الوصول إلى “الكنز”. كما يُطلق عليه إدارة المتحف وهي لمعروضات المصرية القديمة. ووفقا لحساب تقديري عن احتمالية قصف المتحف، فإنها مهددة بالخطر إثر الحرب المندلعة بين روسيا وأوكرانيا.

تُعد مصر من الدول التى وهبها المولى عز وجل حضارة وموروث ثقافي، تنافست الدول الغربيــة على دراستــه، لمعرفـــة كيف استطاع المصريون القدماء بناء تلك الحضارة العظيمة وهذا التاريــخ العـــريق، فى وقت لم يكن هناك وجود لغالبية تلك الدول، وإذا كان هذا هو حال الدول التى تسعى لدراسة تاريخنا وحضارتنا، فما بالنا بالدور الذى كان يجب علينا تجاه تلك الحضارة التى إحترمها العالم وقدرها.

الحقيقة أننا إرتكبنا فى حق تلك الحضارة المبهرة الكثير من المسالب، وعلى رأسها عدم السعى مبكراً لوضع أُطر قانونية لحمايتها والمحافظة عليها، إضافة إلى عدم إستغلالها الإستغلال الاقتصادي الأمثل الذى يليق بها، ويدر الدخل المناسب على أحفاد من صنعوا تلك الحضارة. في حين إهتم المجتمع الدولى بالحماية الدولية للآثار من عام 1885 حينما عقدت الاتفاقية العامة لحماية البعثات العلمية، وتطورت الحماية فى إتفاقيتى لاهاى 1899 ، 1928 ، ثم لاهاى 1954 والخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، إلى أن عقدت إتفاقية اليونسكو 1970 تحت مظلة الأمم المتحدة ووضعت التدابير الواجب اتخاذها لمنع وحظر إستيراد وتصدير ونقــل الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، وكانت هذه الإتفاقية المعين الذى إعتمدت عليه التشريعات الوطنية وأقرت العديد من نصوصه فى تلك الحقبة الزمنية.

وتمـتلك مصر حسب السائد فى الأوساط العلمية المهتمة بالآثار، ما يقارب ثلث أثار العالم، إلا أن تلك الآثار تعرضت على مر سنوات عديدة لأعمال كثيرة سلبية كالسرقة، والنقل غير المشروع، والتعدى عليها بأساليب مختلفة، حتى أن بعض الحكام فى العصور الماضية جعلوا منها معيناً للهبات والهدايا، إلى أن تنبهت الدولة لأهمية حماية ذلك الموروث الثقافى حماية قانونية، فأصدرت قانوناً للآثار برقم 14 لسنة 1912م للعمل على حماية تلك الثروة، وإستمر هذا التشريع الذى لم يحقق الحماية الكافية، إلى أن صدر التشريع رقم 215 لسنة 1951 والذى لم يحقق هو الأخر الحماية الكافية للآثار، فصدر التشريع الحالى 117 لسنة 1983م والذى عُدل بالتشريع رقم 3 لسنة 2010م، وإستمر التطور التشريعى لحماية الآثار لمواجهة التحديات والسلبيات الناتجة عن التطبيق، إلى أن صدر التعديل الأخير رقم 91 لسنة 2018م، والذى يُعـد إنقـلاباً تشريعياً فى مجال الحماية القانونية للآثار، حيث غلظ العقوبات على الجرائم الأثرية بصورة لم تشهدها التشريعات السابقة عليه، وجرم أفعالاً جديدة لم تكن مجرمة وتوسع فى مفهوم الأثر ونص على إجراءات إدارية وقائية لحماية الآثار، ليحقق المصلحة المحمية المتمثلة فى المحافظة على الموروث الثقافى، وليؤكد القيمة الإقتصادية لهذا الموروث، فهى ذاكرة الأمة والدليل الشاهد على عظمته.

وقد استحدث التشريع الأخير العديد من التعديلات التى تستحق التعليق عليها وتقييمها سواء فيما يتعلق بالتعـريفــات المرتبطة بالأثر أو ما يتعلـق بالتجريم والعقــاب، والذى نود الإشارة إليه فى هذا الصدد أن أى خلل أو إضطراب فى تشريع ما من شأنه أن يحول دون تمكين ذلك القانون من أداء مهمته وتحقيق هدفه فى تنظيم العلاقات المختلفة بين المخاطبين به، وكذلك عدم تحقيقه للحماية الجنائية الكافية للمصلحة التى يســعى لحمايتهــا، وهذا بدوره يــؤدى بصورة أو بأخـــرى إلى كـــثرة الأفعـــال التى تشكل جرائم مخالفة لهذا القانون فيتعرض السلام الإجتماعى إلى الإضطراب، وبالتالى فمن الضرورى تقييم التشريع ولا سيما بعد تطبيقه لمعالجة قصوره إن وجد وسد الثغرات التى يظهرها التطبيق العملى لنصوصه.

من المعروف أن المتحف يعرض مجموعة الآثار المصرية القديمة المُقدر عددها بحوالي 800 قطعة. تصفه أوكرانيا بأنها مجموعة لا تقدر بثمن وأنها مفتاح أي بحث مصري. ولكن ما لا يعرفه الكثيرون أن متحف أوديسا يضم 500 قطعة مصرية قديمة أخرى غير معروضة، منها: 4 مومياوات، 11 تابوتا، جزءا من جدار مقبرة، 8 مسلات جنائزية، 11 تمثالا، حوالي 100 قطعة من الأوشبتي، زخارف خزفية، تمائم، جعارين، أواني فخارية، صناديق لمستحضرات التجميل، مفتاح، مسند للرأس، أحذية جلدية، عينات من أنسجة وغيرها من المصنوعة اليدوية. هذه القطع لم يرها أيا من الزوار من قبل. إذ ظلت حبيسة مخازن المتحف لفترة تزيد عن اثنتى عشر عقد. مما يدفع بالشك في مدى أحقية المتحف في الحصول عليها. إذ أنه حال امتلاك المتحف أوراق ثبوت ملكيتها يمتلك الحق في عرضها، ولكنها حتى الآن لم تُعرض من قبل. بالإضافة إلى عدم التأكد من صحة بيانات المتحف عن عددها وهل هي تزيد عن 500 قطعة أم لا. وعند الوصول إلى إشكالية أوراق ثبوت ملكيتها كتب مدير المتحف عن بعض القطع:

“في عام 1894 تلقت الإمبراطورية الروسية 6 صناديق تحتوي على كنوز مصرية. من بينها 5 توابيت و49 قطعة أثرية، مرفقة بوثيقة تثبت شراءها. ولكن حتى الآن لم يتم عرض هذه الوثيقة سواء في المتحف أو عبر أي جهة أوكرانية. تمت ترجمة وإعداد الوثيقة للنشر والتعليق عليها في الثمانينيات من قبل عالم المصريات السوفيتي أود بيرلف، ولكنها محفوظة في أرشيف ولاية أوديسا ولم يتم نشرها بعد”. يضع هذا الجزء من التقرير الكثير من الاحتمالات، عن سبب عدم عرض القطع أو الوثائق حتى الآن، وهل وفي حالتي الحرب وامتلاك الوثائق، أو توقف الحرب وعدم امتلاك المتحف وثائق الملكية هل يحق لمصر المطالبة باستردادها. إذ يقدر عددها إجمالا حوالي 1300 قطعة آثار مصرية؟

، أن الجهة المسؤولة قانونا هي إدارة الآثار المستردة بوزارة السياحة والآثار. من خلال التعاون مع منظمة اليونسكو، والجهات المعنية في الدولة الموجود بها الآثار.

أنه توجد حالتين يتم التصرف على أساسهما. ففي حالة خروج الآثار المصرية ووصولها بطريق غير مشروع. فإن المادة الثالثة عشر من اللائحة التنفيذية لقانون حماية الآثار تنص صراحة على عدم سقوط الحق في إقامة دعوى استرداد الآثار المهربة للخارج بالتقادم أيا كانت. وبمجرد نهائية الحكم الصادر باستعادة الآثار، يمكن التواصل مع جهات إنفاذ القانون بالدولة المعنية لتسليم الآثار المهربة إلى الدولة المصرية. ويتم تنسيق هذه العملية من خلال السفارة المصرية في الدولة المضيفة.

أما عن الآثار المصرية الموجودة بالمتاحف الأوكرانية، أن استعادتها يحتاج لجهود دبلوماسية أكثر من النواحي القانونية. فعلى الرغم من حالة الخطر المحدق التي تهدد هذه القطع الأثرية بسبب النزاع المسلح الدائر هناك.

إلا أنه يمكن للدولة المضيفة أن ترفض إعادة القطع الأثرية تحت دعوى قدرتها على الحفاظ على هذه الآثار. أو عن طريق القول بأن المتاحف تلعب دورا مهما كمستودع للإنجازات الثقافية للجنس البشري. خاصة وأن موافقة الدولة الأوكرانية في هذه الحالة سيمنح مصر قرينة قانونية تمكنها من المطالبة بالآثار الأخرى المنتشرة في المتاحف الأوروبية.

اتفاقية «لاهاي»

ومع ذلك يمكن للدولة المصرية أن تستند إلى اتفاقية «لاهاي» المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية، المبرمة في عام 1907، التي قررت مبدأ حصانة الممتلكات الثقافية، حتى في حالة الحصار أو القصف. ويضيف المحكم الدولي أنه بإعتبار أن حماية الممتلكات الثقافية هو حق من الحقوق العالمية لحماية ذاكرة الشعوب وضميرها الجماعي وهويتها، ولكن أيضا ذاكرة وهوية كل فرد من الأفراد الذين يشكلونه، وهذا الحق له أصله في قواعد القانون الدولي الإنساني.

فضلا عن الاستناد إلى اتفاقية «لاهاي» لحماية الممتلكات الثقافية في حال النزاع المسلح التي تم إبرامها في عام 1954. ويوضح أن المادة الثانية عشر منها أجازت نقل الممتلكات الثقافية إلى إقليم آخر، بناءً على طلب الطرف المتعاقد صاحب الشأن، لوضع الآثار تحت حماية خاصة وفقا للشروط المنصوص عليها في هذه الاتفاقية.

وفي حالة رفض الدولة المضيفة التي تقع الحرب على أرضها عقد اتفاقية خاصة لنقل الآثار وحمايتها. فيمكن للدولة المتضررة في هذه الحالة أن تطلب حل النزاع بطريق التوفيق، أو أن تطلب معاونة هيئة اليونسكو.

من المتفق عليه أن الجرائم التى ترتكب على الآثار قـد تأخذ الطابع الدولى بأن ترتكب بأشخاص ينتمون لأكثر من دولة، ويشكلون فيما بينهم عصابات إجرامية غرضها إرتكاب هذا النوع من الجرائم التى تحقق لهم أرباحاً طائلة، وتأليف وإدارة تلك العصابات أمر يتسم بالسرية ويحتاج مواجهته قبل تنفيذه لأغراضه الإجرامية، مما يستدعى تجريم أفعال التأليف والإدارة لتلك العصابات إذا إنصب غرضها الإجرامى على سرقة أو تهريب الأثار أو إرتكاب أياً من الجرائم الأثرية المنصوص عليها في هذا القانون وسواء ارتكبت أفعال التأليف والإدارة داخــل البلاد أو خارجها على غـــرار ما ورد بتشريع مكافحة المخدرات حينما جرم المشرع أفعال تأليف العصابات التى تعمل في مجال المخدرات في مصر أو الإشتراك في تأليفها أو إدارتها إذا كان الغرض منها الإتجار في المخدرات أو إرتكاب جرائم المخدرات على الأراضى المصرية وذلك في المادة 33 فقرة (د) من قانون المخدرات.

على أن يكـــون النص المقــترح بالنسـبة لقانـــون حمايــة الآثــار كالتالي ” كل من قام ولو في الخارج بتأليف عصابة أو إدارتها أو التدخل في إدارتها أو في تنظيمها أو الإنضمام إليها أو الإشتراك فيها وكان من بين أغراضها الإتجار في الآثار المصرية أو إرتكاب أياً من الجرائم المنصوص عليها في المواد 41، 42، 43 يعاقب ……….” .

ويُعد هذا النص من قبيل المواجهة التشريعية الإستباقية قبل إرتكاب الجرائم الأثرية، فيكفى لقيام تلك الجريمة إرتكاب أفعال التأليف والإشتراك والإنضمام والتنظيم طالما كان الغــرض هو إرتكاب جريمة أثريــة، فالأثـــار السلبية للتعــدى على الآثـــار، لم تعد غائبة على أحد، مما يستدعى تحقيق أكبر قدر من الحماية القانونية لها، لأن جريمة الآثار من الجرائم التى أصبح مرتكبوها ينتمـــون لعــــدة دول وتشكلت عصابات إجـراميـــة متعــددة تعمــل في هـــــذا المجـــال، كما يجـــب على المشــــرع إقــــرار قاعــدة إســناد موضوعية تمنح الإختصاص في هذه الجرائم للقانون المصرى، بإعتباره قانون بلد الأصل للأشياء الأثرية، وتجاهل أى قانون أجنبى يتزاحم معه في حكم العلاقة محل النزاع، وهــنا تتخلــى قاعــدة الإســناد عن طابعها الحــيادى بترجيــح مصلحـــة دولـــة معينــة للوصـول لهـــدف محـــدد، إضافـــة إلى ضـــرورة الإســتفادة من الإتجــــاه العالمـــى المتعاظـــم بتطبيق مبدأ عالمية القانون الجنائى بالنسبة للجرائم الأثرية واعتبار جريمة الآثــار بمثابة جريمة دولية مثــل جــرائم المخدرات والقرصنة والإرهــاب والهجــرة غير الشرعية، فهى لا تقل خطورة عن تلك الجرائم.

نظراً لما تمثله الأفعال المرتكبه ضد الآثار من خطورة إجراميه ليس على الصعيد الوطني فحسب بل على الصعيد الدولي ككل، لكونه إرثاً إنسانياً للبشرية جمعاء، لذلك حظيت الآثار بحماية جنائية دولية بالغة الأهمية فالجرائم الأثرية تتسم بخصائص عدة تتمثل فى :

1. أنها جريمة دولية : فتهريب الأثار مثلاً – تبدأ في إقليم إحدى الدول وهي الدولة منشأ الآثار، ثم تتجاوز الحدود الدولية لتلك الدولة لتصيب هذه الجريمة بأضرارها أنظمة وقوانين دول مجاوره، إبتداء بالتهريب الجمركي، ومروراً بالحيازة غير المشروعة التي تصيب خطرها خروقات في القوانين الوطنية وإخلالا بسيادة الدولة في بسط قانونها على إقليمه

۲- إن جـرائـــم الآثار لا يقتصر ضررهـــا على إنتهـــاك قـوانيــن الدول صاحبـــة الأثـــر أو القوانين الوطنية فحسب، بل تمثل إنتهاكاً للقوانين والإتفاقيات والمعاهدات الدولية.

٣- إن الإعتداء على آثار دوله معينه إنما هو إعتداء على حلقة من حلقات التراث العام للبشرية جمعاء، كونها تعد تراثاً مشتركاً للإنسانية. فالإعتداء عليه يُعد إفساد وإنكار للتراث العالمي، الذي يُعد مصدراً للحضارة الإنسانية.

4- تتجاوز مخططات السطو على الآثار وسرقتها أو تدميرها السلوك الفـردى بل قد ترتكب بسلوك ترتكبه الدول، كما هو الشأن فيما يخطط له الكيان الصهيوني، ومنذ زمن بعيد على سرقة أهم الآثار العربية، كما فعلت إسرائيل عند إحتلالها لسيناء، وكذلك سرقة وتدمير الآثار الفلسطينية، بل وتهويده.

 

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك