الأربعاء - الموافق 14 أبريل 2021م

حُرِّيَّةُ الرَأْيِ فِيْ وَاْقِعِنَا الْمُعَاْصِرْ الدكتور عادل عامر

 

عادل عامر

كرّم الله الإنسان فجعله سيد هذه الأرض وفارسها، وكرم الله في هذا الإنسان عقله وإدراكه فكان سبباً لتميُّزه عن غيره من المخلوقات، قال تعالى: ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ” ، وأنزل الله الإسلام ديناً عالمياً لجميع أهل الأرض،

يضمن في تشريعاته ومبادئه الحرِّيَّة للإنسان، وفي مقدمتها حرِّيَّة الرأي، بل هي أبرزها، ذلك أنَّها تشكل اليوم محوراً مهمَّاً في حياة الأمم والشعوب، وحتى يكون الكلام واضحاً جليَّاً،ً فإنَّ حرِّيَّة الرأي التي ننادي بها هي تلك التي يريدها الإسلام ويباركها، ويحث عليها، ويؤسس لها في شخصية المسلم أولاً، وفي المجتمع المسلم ثانياً، تلك الحرِّيَّة المقيدة بقيود من الشريعة الغراء… قيود تضبطها وترشدها وفق المنهج الرباني لكيلا يضل الإنسان أو يزيغ، أمَّا الحرِّيَّة الغربية الفوضوية التي لا ضابط لها، أو بمعنى آخر، تلك التي تسمح بالإساءة للمقدسات ونشر الصور العارية مثلاً، والكتابات غير الأخلاقية والأفكار المسمومة، فإنَّها ليست منَّا ولسنا منها، بل إنَّ موقفنا منها هو موقف الرافض لها رفضاً قاطعاً، لأنها لا يمكن أن تصنف بشكل من الأشكال ضمن إطار حرِّيَّة الرأي، إنَّ حرِّيَّة الرأي التي يريدها الإسلام هي تلك المضبوطة بضوابط الشرع الحنيف، والتي ما ينبغي لأحد أن يتجاوزها، إذ بتجاوزها ينقلب الأمر إلى فوضى، ومع الفوضى تضيع الثمرة المرجوَّة لحرِّيَّة الرأي، ألا وهي التنمية والرخاء التي ينبغي أن تعمَّ المجتمع الإسلامي بأسره إن على صعيد الأفراد أو الجماعات، بل وبضياع حرِّيَّة الرأي يضيع معها كل معنى للحياة الكريمة. 

الاختلاف في الرأي حالة طبيعية، متناغمة مع نواميس الوجود الإنساني، فقد اقتضت مشيئة الله  ،أن يخلق الناس مختلفين في قدراتهم الفكرية، وأمزجتهم وأذواقهم، قال تعالى: “وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ” ، فتختلف بسبب ذلك أنظارهم وأفهامهم، ويعطي هذا الاختلاف والتنوع للحياة مظهر التجدد، ويبعدها عن التكرار والرتابة، ويمكِّن من تنويع الإنتاج الإنساني، ومن تكثير الصور الفكرية للموضوع الواحد، ويظل هذا الاختلاف المنتج للتنوع، إيجابيَّاً ومفيداً ما دام نابعاً من تلك الفروق الفطرية، ومن التباين الموضوعي في البحث عن الحق، عنذئد يصبح الحوار- ونحن مختلفين- ممكناً ويصبح الاحترام المتبادل شرطاً لاستمرار هذا الحوار، فالاختلاف الذي يسمح به الشرع هو نتيجة طبيعية ومنطقية لمشروعية الاجتهاد، لأنه من المستحيل القبول بالاجتهاد دون القبول بآثاره التي من جملتها اختلاف نظر المجتهدين، لكننا في الوقت الذي نعتبر فيه أن الاختلاف حالة طبيعية مرتبطة بالوجود الإنساني، نرفض الاختلاف المطلق أو ما يصطلح عليه بـ )الاختلاف من أجل الاختلاف(، -كما هو وللأسف الشديد حال الأمَّة العربيَّة اليوم- لأن معنى هذا الاختلاف هو التشتيت الدائم والمستمر للآراء والأفكار، ويبقى كل من المتحاورين منغلقاً على ذاته، رافضاً للآخر، كل منها يشكل عصبيَّة لا تقبل التعايش والحوار، فهو صراعٌ عصبيٌّ حتى لو تجلبب بجلباب الاختلاف، فالاختلاف في حدوده الطبيعية، ليس مرضاً يجب التخلص منه والقضاء عليه، بل هو محرك الأمم نحو الأفضل، ومصدر ديناميكيَّتها، وهو يقود بالإدارة الحسنة إلى المزيد من النضج والوعي والتكامل، والوحدة ليست توحيداً قسريَّاً بين الناس، بل هي الإجابة الإنسانية الواعية عن السؤال التحدي:” كيف تنجح الأمة في إدارة اختلافاتها، وتفقه أن تتعاون مع بعضها البعض، دون أن تتطابق وجهات النظر في كل شيء”؟ .

يمتد الكفاح من أجل حريَّة الرأي إلى العصور القديمة، إلى حكيم الصين العظيم “كونفوشيوس” الذي ما زال تأثير أفكاره على الصين الحديثة وعلى الولايات المتحدة بلا حدود، سئل “كونفوشيوس” ذات مرَّة ما هو أول شيء تقوم به إذا حكمت الدولة؟ فأجاب على الفور: بالتأكيد سوف أقوم بتصحيح اللغة…فإنَّ اللغة ليست صائبة، لأن ما يقال عادة لا يحمل المعنى المقصود، وبالتالي لن نستطيع القيام بما ينبغي أن نقوم به الأمر الذي يترتب عليه فساد الأخلاق والفنون، ومن ثم فساد العدالة، وإذا ما فسدت العدالة، فإنَّ النَّاس سيقفون في حالة من الخلط أو التداخل بدون حول ولا قوة، وبالتالي لن يكون هناك تحكُّم فيما يقال أو يمارس. 

إن حرية الرأي في حقيقة الأمر ليست من مُبتدعات الفكر الغربي كما يُزعم، بل هي حقيقة أوجبها الإسلام وجعلها فريضةً، وأمانةً، ونوعاً من الجهاد والعبادة ، فقد نصَّت عليها العديد من آيات كتاب اللـه الكريم وكذلك سنة الرسول وتفاسير علماء الإسلام للقرآن الكريم وشروحهم للسنَّة المطهرة، وكانت أساسًا مصونًا واضحًا للعيان، يراعيها المسلمون حُكامًا ومحكومين، إنّ تاريخ الإنسانية خير شاهد على أن حرَّية الرأي لم تحظ بالعناية والتنفيذ بمثل ما حظيت به في عهد رسول الله وعهود الخلفاء الراشدين من بعده، واستمرت مراعاتها عبر العصور الإسلامية المتعاقبة، ومن عجب أن تكون المبادئ التي طالما أرسى الإسلام قواعدها يُعاد تصديرها للمسلمين على أنَّها كَشْفٌ إنسانيٌّ ما عرفناه يومًا ولا عشناه دهرًا وفيما يلي سرد طائفة من الأدلَّة على ما قدمنا، من هذه الأدلَّة قول الله تعالى: ” … وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..”  وقوله تعالى: ” لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ..” ، وقوله تعالى:” وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ …”  ، وقوله تعالى:” وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” 

الدفاع عن حرِّيَّة الرأي هو شرف لأية دولة، وهو سمة من أهم سمات الصورة الذهنية الإيجابية التي يمكن لأية دولة أن تشكلها لنفسها، وتشكل بها الاعتزاز والفخر الداخلي، لذلك فإن احترام حرِّيَّة الرأي وحمايتها وسيلة مهمة لتحقيق النهضة والتقدم والتفوق والنصر، أمَّا قهر الإنسان وانتهاك  حقوقه فهو في الحقيقة عار على أية دولة وسمة سلبية تسهم في تشويه صورتها على مستوى العالم، وتؤدي إلى الهزائم التي يمكن أن تتعرض لها نتيجة تناقص ولاء مواطنيها لها، فالإنسان المقهور لا يمكن أن يكون لديه ولاء حقيقي لقاهريه أو لوطن يعيش فيه محروماً أومقهوراً، لذلك فهي أقصر الطرق للهزيمة والضعف والفساد والاستبداد. بنى الغرب صورته الذهنية في العالم على أنه حامي حمى حرِّيَّة الرأي والمدافع عنها، الأمر الذي أدى إلى زيادة الإعجاب بالأنموذج الغربي لدرجة أنَّ الاعتقاد قد ساد لدى الملايين من النَّاس بأن كل من يضطهد في بلاده يستطيع أن يلجأ إلى بلاد الغرب ويتمتع فيها بحقه في حرِّيَّة الرأي والتعبير والدفاع عن قضيته، وليس أدلَّ على ذلك من وجود كثير من قادة العمل الوطني والإسلامي في الغرب، وصدور العديد من الصحف العربيَّة المهاجرة في لندن وباريس وروما وغيرها، بالإضافة إلى فرار العديد من معارضي السياسات العربية والإسلاميَّة إلى الغرب وهم أصحاب رأي وموقف، ولقد ترددت الكثير من النكات السياسية التي تقارن بين حرِّيَّة الرأي في العالم العربي وفي أمريكاً مثلاً باعتبارها في مقدمة الدول الغربية، وكانت هذه النكات تعبر عن صرخة المواطن العربي المحروم من حقوقه، وعن مشاعر الغبطة أو الحسد للمواطن الأمريكي الذي يعيش في عالم التعددية والتنوع والحرِّيَّة، وإذا كان البعض يعتبر أنّ هذه مساحة واسعة من حريَّة الرأي في بلاد الغرب، فبماذا يجيب ياترى عمّا لو سئل: ماذا سيكون مصير أحد هؤلاء الفارين لو أنَّه تعرّض لمسألة من المسائل التي تصنف في إطار معاداة الساميَّة، كالهولوكوست اليهودي مثلاً؟!!  وبغض النظر عمَّا سبق من جهة كونه حقيقة أو وهماً فإنَّ الأهم في المسألة، هل مازالت أمريكا تستطيع الادعاء بأنها راعية حرِّيَّة الرأي؟ وهل مازالت تستطيع أن تشكل صورتها على أساس الدفاع عن هذه الحرِّيَّة، وتثير إعجاب العالم؟!.

لقد أوضحت السنوات الماضية النفاق الأمريكي في الدفاع عن حرِّيَّة الرأي وأن هذا الدفاع لم يكن يصدر عن إيمان حقيقي بهذه الحرِّيَّة، أو عن تطبيق إنساني لهذه الحقوق، لذلك انهار إعجاب الكثيرين بالولايات المتحدة، وظهرت أمريكا في صورتها الحقيقيَّة وهي تمارس الاعتقال والتعذيب والقتل، والشواهد كثيرة..  فلقد مرت الآن خمس سنوات على قيام الولايات المتحدة باعتقال مئات الأشخاص في سجن جوانتانامو بدون توجيه اتهامات لهم أو تحويلهم إلى المحاكمة، ولقد ارتكبت الإدارة الأمريكية الكثير من الإساءات وانتهاك الحقوق ضد هؤلاء المعتقلين، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم رفضوا السير في فلك السيد الأمريكي.

 أيضاً, وبمثل هذه القوة, وأكثر يوجد صرح آخر لحرِّيَّة الرأي بالأسلوب الأمريكي نراه كل يوم في العراق, وما صور سجن أبو غريب إلا جزء يسير من مشهد يفعل الأمريكان الكثير لإخفائه، ناهيك عن اعتقال عشرات الآلاف, بمن فيهم نساء عراقيات مع أطفالهن للضغط على أقرباء تراهم قوات الاحتلال متهمين!!‏، ويوم أن قال الشعب الفلسطينيّ كلمته في انتخابات تشريعيَّة شهد العالم كلّه بنزاهتها حاربته الولايات المتحدة الأمريكية في لقمة عيشه وأعدت الخطط لإسقاط حكومته، ومن داخل الولايات المتحدة فإن التنصت على المكالمات, والتجسس على المواطنين تشكل وصمة عار على جبين أدعياء حرِّيَّة الرأي!!‏ الشواهد التاريخية في عصر النبي والخلفاء الراشدين تدل على أن هناك مساحات واسعة لحرِّيَّة الرأي في الفكر الإسلامي، ويعتبر الخلاف في الرأي في تلك العصور وعصور الأئمة والمذاهب أكبر دليل على وجود هذه الحرِّيَّة في الفكر الإسلامي، أما حدود هذا الفكر فهو عدم معارضة النصوص قطعية الدلالة وهي القرآن الكريم والثابت عن النبي ، وحسبنا أن النبي هو الذي حمى هذا الفكر من أن يتعدَّى حدوده أحد، فعن بريدة عن أبيه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال : كان رسول الله إذا بعث سريةً أو جيشاً قال: “اغزوا في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداًَ ولا شيخاً كبيراً ً” يقول لأميرهم: “إذا أنت حاصرت حصناً أو أهل قرية فادعهم إلى إحدى ثلاث إلى أن يدخلوا الإسلام أو يعطوا الجزية أو تقاتلهم وإذا أنت حاصرت أهل حصن أو أهل قرية فأرادوا أن ينزلوا على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك وإذا أنت حاصرت أهل حصن أو أهل قرية فأرادوك أن تعطيهم ذمة الله وذمة رسوله فلا تعطهم ذمة الله وذمة رسوله ولكن أعطهم ذمتك وذمم أصحابك فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم خير لكم من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله” 

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك