الأحد - الموافق 02 أكتوبر 2022م

حماية الثقة العامة  ..بقلم الدكتور عادل عامر 

نص المشرع السوري على الجرائم المخلة بالثقة العامة في الباب الخامس من قانون العقوبات. وهي تقوم في جوهرها على الكذب الذي يتناوله المشرع بالتجريم عندما يتخذ شكلاً معيناً ينم على خطورة بالغة. وتُعد هذه الجرائم من طائفة الجرائم المضرة بالمصلحة العامة، لما تمثله من وحدة المصلحة التي يقع عليها الاعتداء، وهي الثقة التي يضعها أفراد المجتمع في بعض الأشياء أو القيم أو الأوراق؛ لأهميتها في تعاملاتهم اليومية، والتي يُكسبها القانون أهمية خاصة. وتقسم الجرائم المخلة بالثقة العامة إلى: 

– جرائم تقليد خاتم الدولة والعلامات الرسمية

– جرائم تزوير العملة والسندات العامة

– جرائم تزوير الطوابع وأوراق التمغة

– جرائم تزوير المحررات.

أولاً- جرائم تقليد خاتم الدولة والعلامات الرسمية:

عالج المشرع السوري في المواد/427 و428 و429/ من قانون العقوبات أمر تقليد أختام الدولة ودمغاتها وعلاماتها وما إليها، أو استعمالها دون حق أو لغرض غير مشروع. وهدف المشرع من خلال تجريم هذه الأفعال إلى حماية الثقة التي ينبغي أن توضع في أختام الجهات الحكومية المختلفة ودمغاتها وعلاماتها، من ناحية ماهيتها، وأيضا من ناحية سلامة استخدامها، ومن ثَمَّ صحة تعبيرها عن هذه الجهات الرسمية، وقراراتها، ومحرراتها المتنوعة، وجرائم المادة /427/ كلها جنايات، أما جرائم المــــــــــادة /428/ فكلها جنح. وسيعالج البحث كل نوع من هذه الجرائم فيما يلي:

1- جرائم تقليد خاتم الدولة أو استعماله:

نصت المادة /427/ من قانون العقوبات السوري على أنه: «1- من قلد خاتم الدولة السورية أو خاتم دولة أجنبية، أو استعمل الخاتم المقلد وهو على بينة من الأمر عوقب بالأشغال الشاقة سبع سنوات على الأقل. 2- من استعمل دون حق خاتم الدولة السورية أو قلد دمغة خاتمها أو دمغة خاتم دولة أجنبية أخرى عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة».

إن هذا النص تضمن جريمتين متميزتين وإن كان محل الحماية الجزائية فيهما واحداً، إلا أنهما تختلفان من حيث الركن المادي والركن المعنوي. وهاتان الجريمتان هما التقليد والاستعمال.

أ- الأختام محل الحماية الجزائية: هي الأشياء التي هدف المشرع حمايتها بنص المادة /427/ المشار إليها آنفاً، ولا تختلف في جريمة التقليد عنها في جريمة الاستعمال، فهي وفقاً للنص الأختام العائدة للدولة السورية أو دمغتها، والأختام العائدة لدولة أجنبية أو دمغتها. وخاتم الدولة يقصد به خاتمها الرسمي الذي يحمل شعارها، ويعني وضعه على محرر ارتباط الدولة بما تضمنه. وتبصم به القوانين والمراسيم والمعاهدات وغيرها من الوثائق الرسمية المهمة. أما دمغة الخاتم فهي أثر آلة الخاتم المنطبع على المحرر بعد مهره بها.

ب- جريمة تقليد الأختام أو دمغتها: يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بتقليد خاتم الدولة السورية أو دمغته، أو خاتم دولة أجنبية أو دمغته. والتقليد يعني خلق شيء ليس له وجود من قبل، وهو بهذا يختلف عن التزوير الذي يعني إدخال تغيير على شيء موجود وصحيح في الأصل. والفرق بين تقليد الخاتم وتقليد الدمغة، هو أن تقليد خاتم الدولة إنما يعني صنع أداة تحمل شارة الدولة يمهر بها المحرَّر، أما تقليد الدمغة فهو يعني رسم الأثر الذي يتركه الخاتم على المحرر. ويقتصر نص المادة /427/ من قانون العقوبات على التقليد سواء حدث بالنسبة للآلة المعدنية أو الخشبية المحتوية للخاتم أي قالبه، أم بالنسبة للأثر المطبوع من الختم أي الدمغة. وتقوم جريمة التقليد بمجرد اصطناع الخاتم أو رسم دمغته، ووضعهما على محررات منسوب صدورها للدولة السورية أو الأجنبية، ولو لم تستعمل هذه المحررات بالفعل، إذ إن الاستعمال جريمة قائمة بذاتها، ومستقلة عن التقليد الذي يتم بمجرد اقترافه، ولو لم يتم استعمال الخاتم المقلد أو الدمغة المقلدة في الغرض الذي قلد من أجله. ويترتب على ذلك أن من قلد الخاتم واستعمله يحاكم عن جريمتين، جريمة التقليد وجريمة استعمال الخاتم المقلد.

وتقوم جريمة التقليد سواء تعلق الفعل بالخاتم الحالي للدولة، أو بخاتم سابق لها مادام المحرَّر الموضوع عليه الخاتم قد نسب إلى الوقت الذي كان له فيه قوة الإلزام.

أما الركن المعنوي في جريمة تقليد خاتم الدولة أو دمغته، فيتخذ صورة القصد الجرمي. والقصد الجرمي المتطلب هنا هو القصد العام المتمثل في علم الجاني بمختلف عناصر هذه الجريمة، فيجب أن يدرك الجاني ماهية الموضوع الذي ينصب عليه فعله، وأن ما يصدر عنه من فعل هو تقليد لخاتم الدولة السورية أو دمغته، أو لخاتم دولة أجنبية أو دمغته، وأن تتجه إرادته إلى ذلك الفعل ونتيجته.

والعقوبة التي قررها المشرع لهذه الجريمة هي الأشغال الشاقة المؤقتة، والغرامة لا تنقص عن مئتين وخمسين ليرة سورية، والجمع بين العقوبتين وجوبي، إذ لم ينص القانون على إمكانية الاكتفاء بإحدى هاتين العقوبتين (المادة 427/3 من قانون العقوبات). ويصبح الحد الأدنى لعقوبة الأشغال الشاقة سبع سنوات إذا وقع التقليد على خاتم الدولة السورية أو الأجنبية. ويفسر هذا التشديد بالنظر إلى أهمية الأختام التي يرد عليها التقليد، إذ هي أختام تحمل شعار الدولة وتبصم بها وثائق رسمية مهمة للغاية. ولكن يعفى من العقاب من قلد أختام الدولة أو دمغتها وأقدم على إتلافها قبل الاستعمال أو الملاحقة (المادة 429 من قانون العقوبات).

ج- جريمة استعمال أختام الدولة: يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة إما باستعمال خاتم الدولة السورية أو خاتم دولة أجنبية المقلد، وإما بالاستعمال دون وجه حق لخاتم الدولة السورية (المادة 427 من قانون العقوبات).

ففي الحالة الأولى تقوم الجريمة بوضع خاتم الدولة المقلد على ورقة يراد نسبة صدورها إليها، ولا يشترط بعد ذلك أن يتم قبول هذه الورقة ممن تعرض عليه، بل يكفي تقديمها من الجاني بوصفها صحيحة، حتى لو اكتشف المعروض عليه حقيقة هذه الورقة، فلم يقبلها أو تظاهر بقبولها تمهيداً لضبط الجاني، إذ إن الجريمة تقع تامة بهذا الفعل. وقد يكون من يستعمل الورقة الممهورة بالخاتم المقلد هو الشخص ذاته الذي وضع الخاتم المقلد عليها، كما يمكن أن يكون شخصاً غيره يعلم بحقيقة التقليد، وكون الورقة مزورة.

أما الركن المعنوي في جريمة استعمال خاتم الدولة المقلد فيتخذ صورة القصد الجرمي العام الذي يتوافر بعلم الجاني بحقيقة التقليد، وهو ما عبّر عنه المشرع في نص الفقرة الأولى من المادة المذكورة بقوله: «… استعمل الخاتم المقلد وهو على بينة من أمره»، أي أن يعلم الجاني بأنه يستعمل خاتماً مقلداً.

والعقوبة التي قررها المشرع لهذه الجريمة هي ذاتها التي نصت عليها المادة /427/ بالنسبة لجريمة تقليد خاتم الدولة السورية أو خاتم دولة أجنبية. فيعاقب من استعمل هذا الخاتم المقلد بالأشغال الشاقة سبع سنوات، والغرامة لا تنقص عن مئتين وخمسين ليرة سورية.

أما في الحالة الثانية وهي استعمال خاتم الدولة السورية دون وجه حق، فإن الركن المادي فيها يفترض أن يكون الجاني قد استحوذ على خاتم الدولة بغير حق، كأن يكون قد حصل عليه عن طريق السرقة، أو أن يكون غير مخول بحق حيازته. ويترتب على ذلك أن هذه الجريمة لا تقوم في حال حيازة الفاعل لخاتم الدولة بصورة قانونية، ومن ثم قام باستعماله استعمالاً ضاراً. أما ركنها المعنوي فيتخذ صورة القصد الجرمي العام المتمثل في علم الجاني بأنه لا يملك الحق في حيازة واستعمال خاتم الدولة، واتجاه إرادته على الرغم من ذلك إلى اقتراف الفعل الجرمي.

ويعاقب على هذه الجريمة بالعقوبة المقررة لجريمة تقليد دمغة خاتم الدالة السورية أو تقليد دمغة خاتم دولة أجنبية، وهي الأشغال الشاقة المؤقتة، والغرامة لا تنقص عن مئتي ليرة سورية (المادة 427/2 من قانون العقوبات).

2- الجرائم الواقعة على أختام وعلامات الدوائر العامة، أو على دمغاتها:

نصت على هذه الجرائم المادة /428/ من قانون العقوبات السوري بقولها: «1- من قلد خاتماً أو ميسماً أو علامة أو مطرقة خاصة بإدارة عامة سورية كانت أو أجنبية، أو قلد دمغة تلك الأدوات 2- ومن استعمل لغرض غير مشروع أي علامة من العلامات الرسمية المذكورة في الفقرة السابقة صحيحة كانت أو مزورة. عوقب…».

ومن استعراض هذا النص يتضح أن الجرائم التي تناولها المشرع هنا تختلف عن تلك المنصوص عليها في المادة /427/ من قانون العقوبات والتي سبق شرحها، وذلك من حيث موضوع الحماية الجزائية والعقوبات المقررة لها.

أ- موضوع الحماية الجزائية: حدّد المشرع السوري هذا الموضوع بأنه الأختام أو المياسم أو العلامات أو المطرقات التي تمهر بها الأوراق أو الأشياء من قبل الإدارات العامة السورية أو الأجنبية؛ كما تشمل الحماية الجزائية دمغات هذه الأدوات.

ويراد بأختام الإدارات العامة، أختام أي جهة تمارس جزءاً من اختصاص الدولة، وتحوز قسطاً من السلطة العامة، وسواء أكانت جزءاً من الحكومة المركزية أم هيئة لا مركزية. ويطبق نص المادة /428/ ولو ألغيت المصلحة أو الهيئة المنسوب إليها الخاتم أو عدل شكله، مادام قد بصم به على محرر أسند إلى العهد الذي كانت فيه هذه المصلحة أو الهيئة قائمة، أو كان للختم الشكل الذي أعطاه له المدعى عليه.

ويراد بالميسم لغة… المكواة، ويقال فلان وسيم أي حسن الوجه؛ أما المقصود بالميسم في قانون العقوبات فهو الأداة التي توسم به الأشياء ليكون الوسم علامة مميزة تستخدمها الجهة الحكومية المختصة دلالة على تصرفها إزاء الشيء الموسوم.

أما العلامات فهي الإشارات الخاصة ببعض الجهات الحكومية أياً كان شكلها أو نوعها، مادامت المصلحة أو الهيئة تستعملها رمزاً أو شعاراً يميزها ويحدد شخصيتها، ومثالها الرموز التي تستعملها الجامعات للدلالة عليها وتمييز الأوراق الصادرة عنها؛ وتعني في الغالب تصرف هذه المصلحة على نحو معين إزاء الشيء الذي وضعت عليه، ومثالها الرمز الذي تضعه مصلحة الجمارك على البضائع الصادرة أو الواردة للدلالة على سداد الرسوم الجمركية المقررة عليها، والرمز الذي تضعه مؤسسة اللحوم على الذبائح دلالة على ذبحها فيها بعد التحقق من استيفاء الشروط الصحية اللازمة لذلك.

والجدير بالملاحظة أنه لا يعد من العلامات التي يحميها نص المادة المذكورة إلا الإشارات التي تتخذها المصلحة أو الجهة الحكومية لترمز بها عن شخصيتها، أو للدلالة على معنى خاص يتصل بما تقوم به من أعمال. ويترتب على ذلك أن لا يعد من العلامات بهذا المعنى الصفائح المعدنية التي يضعها رجال الشرطة على ملابسهم وتثبت فيها أسماؤهم وأرقامهم؛ إذ لا تعتبر هذه الصفائح إلا جزءاً من لباسهم الخاص، كما لا تعد من العلامات اللوحات المعدنية التي توضع على السيارات وتحمل أرقامها.

ويراد بالمطرقة أداة معدنية صلبة، حفرت علامة في أحد طرفيها، أو نقشت بحروف أو رسوم نافرة، وهي تستعمل لنقش أو حفر العلامات على الآلات المستوردة أو المصنعة محلياً الخاضعة للتسجيل في سجلات رسمية، كالسيارات والمحركات وغيرها.

ويراد بالدمغة الأثر الذي يتركه الخاتم أو الميسم أو العلامة أو المطرقة على الشيء الذي طبع عليه.

ب- جريمة تقليد أختام وعلامات الدوائر العامة، أو تقليد دمغاتها: يقوم الركن المادي لهذه الجريمة إما بتقليد الخاتم أو الميسم أو العلامة أو المطرقة الخاصة بالإدارات العامة السورية أو الأجنبية، وإما بتقليد دمغات هذه الأدوات المطبوعة على الأوراق أو الأشياء، وذلك بغض النظر عن استعمالها. ففي الحالة الأولى يتحقق التقليد الذي تقوم به هذه الجريمة بصنع الأدوات المشار إليها، بحيث يقوم بينها وبين الأدوات الصحيحة تشابه أياً كانت درجته، مادام ينخدع به الناس ويجعل الإنسان العادي يقبل بالأدوات المقلدة على أنها صحيحة، ولا يشترط أن يبلغ التقليد حد الإتقان.

وفي الحالة الثانية يتحقق التقليد الذي تقوم به الجريمة بتقليد دمغة الخاتم أو الميسم أو العلامة أو المطرقة، أي ينصب التقليد على ما تتركه هذه الأدوات من آثار مطبوعة على الأوراق أو الأشياء. ولابد أيضاً من تحقق الركن المعنوي لجريمة التقليد الذي يتخذ صورة القصد الجرمي العام، وهو علم الجاني بحقيقة موضوع جريمة التقليد، إذ يجب أن يدرك الجاني أن ما قام به من فعل هو تقليد لأداة خاصة بإدارة عامة، وأن تتجه مع ذلك إرادته إلى هذا الفعل ونتيجته. وقد فرض المشرع لهذه الجريمة عقوبة أخف من تلك المفروضة على تقليد أختام الدولة أو استعمالها. وهذه العقوبة هي الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة من مئة إلى ثلاثمئة ليرة وسورية. ويعفى الفاعل من العقوبة إذا أتلف المادة الجرمية قبل الاستعمال أو الملاحقة (المادة 429 من قانون العقوبات).

ج- جريمة استعمال الأدوات الخاصة بالإدارات العامة، أو دمغاتها: يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة إما باستعمال الأدوات المقلدة أو استعمال دمغاتها المقلدة، وإما بالاستعمال غير المشروع لها (المادة 428 من قانون العقوبات).

ففي الحالة الأولى، يقصد بالاستعمال كل عمل يكون من شأنه دفع الشيء المقلد لتحقيق الغرض الذي من أجله تم التقليد. فيتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بوضع الأداة المقلدة أو دمغتها المقلدة والخاصة بإدارة عامة على محرر أو شيء يراد نسبته إلى هذه الإدارة، ولا يشترط بعد ذلك قبول المحرر أو الشيء المختوم أو المطبوع بالأداة المقلدة ممن يعرض عليه. وقد يكون من يستعمل المحرر أو الشيء الممهور بالأداة المقلدة أو بدمغتها المقلدة هو الشخص ذاته الذي وضع هذه الأداة أو دمغتها على المحرر أو الشيء، كما يمكن أن يكون شخص غيره يعلم بحقيقة التقليد، وكون المحرر أو الشيء غير صحيح. أما الركن المعنوي لجريمة الاستعمال فيتخذ صورة القصد الجرمي العام الذي يتوافر بعلم الجاني بحقيقة التقليد وأن تتجه إرادته، مع ذلك، إلى استعمال الأداة المقلدة، أي يجب أن يعلم الجاني بأنه يستعمل أداة مقلدة أو دمغة مقلدة تعود لإدارة عامة.

أما في الحالة الثانية، وهي استعمال أداة أو دمغة صحيحة عائدة لإدارة عامة لغرض غير مشروع. فإن الركن المادي فيها يفترض أن الجاني قد استحوذ على هذه الأداة بصورة غير مشروعة، كأن يكون قد حصل عليها عن طريق السرقة، أو أن يكون غير مخول بحق حيازتها واستعمالها. ويترتب على ذلك أن الجريمة هنا لا تقوم في حال حيازة الفاعل لهذه الأداة بصورة قانونية، ثم قام باستعمالها استعمالاً ضاراً. ويتخذ الركن المعنوي لجريمة الاستعمال هنا صورة القصد الجرمي العام المتمثل في علم الجاني بأنه لا يملك الحق في حيازة واستعمال الأداة الخاصة بإدارة عامة، واتجاه إرادته مع ذلك إلى الفعل الجرمي.

ويعاقب على جريمة استعمال الأدوات أو دمغاتها الخاصة بالإدارات العامة بالعقوبة المقررة لتقليدها، وهي الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة من مئة إلى ثلاثمئة ليرة سورية (المادة 428 من قانون العقوبات).

ثانياً- جرائم تزوير العملة والأسناد العامة:

عالج المشرع السوري هذه الجرائم في المواد/430-439/ من قانون العقوبات. وقد هدف المشرع من وراء تجريم الأفعال التي يُعتدى بها على العملات والأسناد العامة، حماية الثقة العامة التي ينبغي توافرها في هذه العملات والأسناد العامة، حتى تؤدي دورها كأداة وفاء في التعاملات المحلية والدولية على حد سواء؛ وكذلك لما تمثله هذه الأفعال من اعتداء على حق الدولة في سك عملتها وإصدارها، وهو حق مقرر لها قانوناً رعايةً للمصلحة العامة والمصلحة الفردية معاً؛ ولما تمثله أيضاً تلك الأفعال من عدوان على سلطة الدولة في مراقبة النشاط الاقتصادي في المجتمع من خلال مراقبتها لكمية النقود المتداولة فيه.

ولا تقتصر أخطار تزوير العملة والأوراق المصرفية على الحالة التي يرد التزوير فيها على العملة الوطنية السورية فحسب، بل إنها ثابتة حتى لو وقع التزوير على عملة أو سندات مصرفية أجنبية متداولة قانوناً أو عرفاً في سورية أو خارجها، وذلك نظراً لنمو التجارة الدولية، وحرص الدولة السورية على امتلاك رصيد كافٍ من العملات الأجنبية للوفاء بالتزاماتها الناجمة عن علاقاتها التجارية الدولية. وهذا يفسر حرص المشرع على مد سلطان قانون العقوبات السوري إلى حالات التزوير التي تقترف خارج حدود سورية، ولو كان مرتكبوها من الأجانب، وكان التزوير واقعاً على عملة أو سندات دولة أجنبية متداولة قانوناً أو عرفاً داخل سورية أو خارجها.

ومن استعراض نصوص المواد المشار إليها آنفاً سيتم تقسيم الدراسة على النحو الآتي:

1- جريمة تقليد أو تزييف العملات المعدنية

2- جريمة تقليد أو تزوير الأوراق النقدية أو الأوراق المصرفية

3- جريمة إدخال العملات المقلدة أو المزيفة، أو إخراجها أو ترويجها

4- الجرائم المرتبطة بتزوير العملات أو الأوراق المصرفية.

1- جريمة تقليد أو تزييف العملات المعدنية:

نصت المادة /430/ من قانون العقوبات على أن: «من قلد عمله ذهبية أو فضية متداولة قانوناً أو عرفاً في سورية أو في دولة أخرى بقصد ترويجها، أو اشترك وهو على بينة من الأمر بإصدار العملة المقلدة….. عوقب بالأشغال الشاقة مدة لا تنقص عن خمس سنوات وبغرامة تبلغ مائتين وخمسين ليرة على الأقل». وجاء في المـــــــــــادة /431/ من القانون ذاته أنه: «إذا كانت إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادة السابقة تتعلق بعملة معدنية غير الذهب والفضة كانت العقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة والغرامة من مائة إلى ألف ليرة». وقضت أيضاً المادة /432/ من القانون المذكور بأنه: «يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة السابقة من أقدم، بقصد ترويج عملة متداولة قانوناً وعرفاً في سورية أو في دولة أجنبية، على تزييفها إما بإنقاص وزنها أو بطلائها بطلاء يتوهم معه أنها أكثر قيمة، أو اشترك وهو على بينة من الأمر بإصدار عمله مزيفة على هذه الصورة…».

ومن استعراض هذه النصوص يتبين أن المشرع السوري قد حدد موضوع هذه الجريمة وأركانها والعقوبات المقررة لها.

أ- موضوع الجريمة: لقد حدد المشرع موضوع جريمة التقليد أو التزييف بالعملة الذهبية أو الفضية، أو عملة معدنية غير الذهب والفضة. ويشترط في العملة التي تشكل محلاً لجريمة التقليد أو التزييف أن تكون متداولة قانوناً أو عرفاً. ويراد بالتداول القانوني للعملة أن الأفراد ملزمين قانوناً بقبولها كأداة وفاء لديونهم بالقيمة المحددة لها. أما التداول العرفي للعملة فيقصد به تعارف الناس على التعامل بها في معاملاتهم دون أن يكونوا ملزمين بقبولها. وإذا كانت العملة متداولة قانوناً أو عرفاً، فيستوي أن تكون مسكوكة من معدن الذهب أو الفضة أو النحاس أو البرونز أو النيكل…، ويستوي أيضاً أن تكون سورية أو أجنبية، متداولة داخل سورية أو خارجها.

ومما تجدر الإشارة إليه أنه لم تعد تعترف التشريعات الجزائية في معظم بلدان العالم بالتداول العرفي للعملة المعدنية، ومن ثم فإن هذه غير مشمولة بالحماية الجزائية التي أسبغتها على تلك الجاري التداول بها قانوناً.

ب- أركان الجريمة: أركان جريمة تقليد أو تزييف العملة المعدنية، إضافة إلى محل الفعل الجرمي، اثنان: ركن مادي وركن معنوي. يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بأحد فعلين: التقليد أو التزييف، كما ورد في نص المادتين/430 و432/ من قانون العقوبات. والتقليد هو إنشاء عملة معدنية غير صحيحة، لم تكن موجودة من قبل، مشابهة للعملة المتداولة في شكلها ووزنها وحجمها، أي أن يقوم الجاني بصنع عملة على طراز العملة التي يجري التعامل بها. ولا يشترط لقيام الجريمة أن يبلغ التقليد حد الإتقان باستعمال وسائل تقنية متطورة، بل يكفي أن يكون هناك قدر من التماثل بين العملة المقلدة والعملة الحقيقية بحيث ينخدع به جمهور الناس حسنو النية. ويترتب على ذلك أنه يكفي لقيام الجريمة أن يكون التقليد كافياً لرواج العملة وقبولها في التعامل، حتى لو كان قبولها نتيجة عدم التحقق منها، أو التأمل فيها، ويعود لمحكمة الموضوع تقدير مدى كفاية التقليد لقيام الجريمة. ولا أهمية لكون العملة المقلدة تحتوي على المقدار نفسه، أو النوع ذاته الذي تحتوي عليه العملة الحقيقية.

وتطبيقاً لما سبق تكون جريمة التقليد تامة إذا توافر قدر من التماثل بين العملة المقلدة والعملة الحقيقية، متى كان من شأن هذا التماثل خداع الجمهور. أما إذا كان التقليد ظاهراً مفضوحاً لا يمكن أن ينخدع به أحد، كان فعل الجاني مجرد شروع في الجريمة يخضع لأحكام المادة /200/ من قانون العقوبات.

أما تزييف العملة فإنه يختلف عن تقليدها، إذ يفترض التزييف وجود عملة حقيقية ثم تصبح غير حقيقية بإدخال التشويه عليها، في حين يراد بالتقليد صناعة أو خلق عملة غير حقيقية لم يكن لها وجود أصلاً. وهذا ما عبّر عنه المشرع السوري في المادة /432/ من قانون العقوبات بقوله: «يعاقب… من أقدم… على تزييفها إما بإنقاص وزنها أو بطلائها بطلاء يُتوهم معه أنها أكثر قيمة…». ولا يتصور أيضاً التزييف إلا بالنسبة للعملة المعدنية، في حين يطلق لفظ التقليد للدلالة على خلق عملة معدنية أو ورقية لم يكن لها وجود أصلاً، وذلك كما هو مستفاد من نصوص المواد/430 و432 و433/ من قانون العقوبات. وجريمة تقليد العملة أو تزييفها من الجرائم المقصودة التي يتخذ فيها الركن المعنوي صورة القصد الجرمي العام وصورة القصد الجرمي الخاص. ويتحقق القصد الجرمي العام بتوافر عنصريه، وهما العلم والإرادة. فينبغي أن ينصب علم الجاني على عناصر الجريمة كلها، أي العلم بكون موضوع الجريمة عملة متداولة قانوناً أو عرفاً في سورية أو خارجها، والعلم بالأفعال التي تتحقق بها الجريمة مادياً. ولا يكفي العلم لقيام القصد الجرمي، بل لابد من أن تتجه إرادة الجاني الواعية إلى فعل التقليد أو التزييف، وإلى تحقيق النتيجة الجرمية المترتبة على هذا الفعل، وهي إنتاج عملة غير حقيقية. والقصد الجرمي العام على النحو السابق بيانه لا يكفي لقيام جريمة تقليد العملة أو تزييفها، وإنما يجب أن يتوافر إضافة إليه قصد خاص يتمثل في نية ترويج العملة المقلدة أو المزيفة، أي نية إدخالها دائرة التعامل بها على أنها حقيقية. وهذه النية مفترضة من طبيعة الجريمة، فبمجرد توافر القصد الجرمي العام وعناصر الركن المادي فيها فإن نية الترويج متحققة افتراضاً. إذ إن غاية من يقوم بتقليد أو تزييف عملة هي دفعها إلى دائرة التعامل بين الناس حتى يحقق مكاسب مادية من وراء ذلك. ولكن هذا الافتراض قابل لإثبات العكس، بأن يثبت المدعى عليه أن نية الترويج لم تكن متوافرة لدية وقت اقترافه أفعال التقليد أو التزييف، كما لو أثبت أنه قام بهذه الأفعال لمجرد إرضاء هواياته، أو لإثبات مهاراته الفنية.

ويشكل كل من التقليد والتزييف جريمة قائمة بذاتها، وليس من عناصرها استعمال العملة المقلدة أو المزيفة، ولا ترويجها. إذ تقوم جريمة التقليد أو التزييف تامة ولو لم يتم التعامل بالعملة المقلدة أو المزيفة، أو الترويج لها، لأن المشرع فصل بين جرائم التقليد والتزييف، وبين جرائم الترويج للعملة المقلدة أو المزيفة.

والعقوبة التي قررها المشرع لهذه الجريمة هي الأشغال الشاقة المؤقتة، والغرامة من مئة إلى ألف ليرة سورية، والجمــــــــــــع بين هاتيــــــــــــــن العقوبتين وجـــــــــــوبي (المادتان 431 و432 من قانون العقوبات). ويصبح الحد الأدنى لعقوبة الأشغال الشاقة خمس سنوات، والغرامة مئتين وخمسين ليرة سورية مع بقاء حدها الأعلى مفتوحاً في حال كان موضوع التقليد عملة ذهبية أو فضية (المادة 430 من قانون العقوبات). ويعفى من العقوبة من اشترك في هذه الجريمة وأنبأ السلطة بها قبل إتمامها (المادة 442/1 من قانون العقوبات). أما المدعى عليه الذي يتيح القبض على بقية شركائه من المجرمين أو على الذين يعرف مخبأهم فتخفض عقوبته من الأشغال الشاقة المؤقتة بحيث تصبح الحبس من ستة أشهر إلى سنتين (المادتان 442/1 و241 من قانون العقوبات).

2- جريمة تقليد أو تزوير الأوراق النقدية أو المصرفية:

أورد المشرع السوري أحكام جريمة تزوير الأوراق النقدية والأسناد العامة في المادتين /433 و434/ من قانون العقوبات. فنص في الأولى على أنه: «من قلد أوراق نقد أو أوراق مصارف سورية كانت أو أجنبية أو زور حرف في قيمة هذه الأوراق النقدية بقصد ترويجها… عوقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 430». ونص في الثانية على أنه: «من زور أسناداً كالتي ذكرت أنفاً… عوقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 431».

من استعراض هذين النصين يتضح لنا أن المشرع السوري قد حدد موضوع هذه الجريمة وأركانها وعقوباتها.

أ- موضوع الجريمة: حدد المشرع في المادتين /434 و433/ من قانون العقوبات موضوع جريمة التقليد أو التزوير بالأوراق النقدية والأوراق المصرفية. ويستوي أن تكون هذه الأوراق سورية أو أجنبية، وهذه التسوية ما هي إلا استجابة من المشرع السوري لمتطلبات التعاون الدولي في مكافحة هذا النوع من الجرائم. ويراد بالأوراق النقدية النقود الورقية التي تصدر عن الدولة نفسها أو عن إحدى الجهات التي تفوضها الدولة في ذلك، وتعتبر أداة وفاء للديون التي تعترف بها الدولة. إذ إن صدور الأوراق النقدية عن الدولة أو من تفوضه يسبغ عليها الصفة الرسمية، ويعني ذلك عدم اعتبار وسائل الدفع الصادرة عن الأفراد ويستعملونها في تسوية حساباتهم من النقود، مثل الشيكات والكوبونات.

أما أوراق المصارف فيراد بها أي سند يصدره المصرف ويكون له قيمة مالية، مثل إسناد القرض وشهادات الاستثمار.

ب- أركان الجريمة: تتألف جريمة تقليد أو تزوير النقود الورقية أو المصرفية من ركن مادي وأخر معنوي. ويتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بأحد فعلين: التقليد أو التزوير. وتقليد النقود الورقية أو المصرفية هو عمل مادي مؤداه صنع ورقة نقدية أو ورقة مصرفية تتشابه مع الورقة النقدية أو الورقة المصرفية الصحيحة قانوناً، وتحمل على الاعتقاد بأنها صادرة عن الدولة أو عن جهة مأذون لها بذلك. ويتخذ فعل تقليد الأوراق النقدية أو المصرفية، صنع أوراق نقدية أو مصرفية، تشتمل على جميع البيانات المطبوعة على الورقة الصحيحة قانوناً، ويكون الورق المستعمل في التقليد هو من نوع الورق الذي تستعمله الدولة في صناعة أوراقها النقدية، أو الذي تستعمله المصارف في صناعة أوراقها المصرفية.

أما التزوير فيراد به تحريف الحقيقة بإدخال التغيير على البيانات التي تتضمنها الورقة النقدية أو المصرفية كإضافة رقم أو حذفه، أو إضافة علامة أو رسم أو حذفها بهدف إعطاء الورقة قيمة أكبر من قيمتها الاسمية. وبذلك فإن التزوير يختلف عن التقليد، فهو يرد على أوراق نقدية أو مصرفية صحيحة موجودة أصلاً، وليس خلقاً لأوراق جديدة مزورة.

ولا يشترط أن يكون التقليد أو التزوير متقناً، بل يكفي أن يكون بين الورقة الصحيحة والورقة المقلدة أو المزورة تشابه يجعل هذه الأخيرة مقبولة في التعامل من قبل عامة الناس.

وتعتبر جريمة تقليد أو تزوير الأوراق النقدية أو المصرفية من الجرائم المقصودة التي يتخذ فيها الركن المعنوي صورة القصد الجرمي. لكن القصد الجرمي العام ليس كافياً لقيام هذه الجريمة، وإنما ينبغي أن يضاف إليه قصد خاص. ويتحقق القصد الجرمي العام بتوافر عنصريه، وهما العلم والإرادة. وينصب العلم على كل عناصر الجريمة، أي العلم بالأفعال المادية التي بها تقوم الجريمة، وكون الأوراق النقدية أو المصرفية متداولة قانوناً في سورية أو خارجها. ولا يكفي العلم لتحقق القصد الجرمي، بل يجب أن تتجه إرادة الجاني إلى فعل التقليد أو التزوير، وإلى النتيجة الإجرامية المترتبة على هذا الفعل، وهي صناعة أوراق نقدية أو مصرفية غير صحيحة. ولابد أيضاً من توافر قصد خاص يتمثل في نية إدخال الأوراق المقلدة أو المزورة دائرة التعامل على أنها صحيحة، أي نية الترويج. وهذه النية مفترضة على النحو السابق بيانه بالنسبة لجريمة تقليد أو تزييف العملة المعدنية.

والعقوبة المقررة لتقليد أو تزوير الأوراق النقدية هي الأشغال الشاقة من خمس سنوات إلى خمس عشرة سنة، وبغرامة تبلغ مئتين وخمسين ليرة سورية على الأقل (المادة 430 بدلالة المادة 433 من قانون العقوبات). أما بالنسبة إلى الأوراق المصرفية فقد ميز المشرع من حيث العقاب بين تقليدها وتزويرها. فطبق على تقليد الأوراق المصرفية العقوبات نفسها المقررة لتقليد أو تزوير الأوراق النقدية، وعلى تزويرها العقوبات المنصوص عليها في المادة /431/ من قانون العقوبات، وهي الأشغال الشاقة المؤقتة من ثلاث سنوات إلى خمس عشرة سنة، والغرامة من مئة ليرة حتى ألف ليرة سورية. ولكن يعفى من العقوبة من اشترك في الجريمة وأنبأ السلطة بها قبل إتمامها (المادة 442/1 من قانون العقوبات). أما المدعى عليه الذي يتيح القبض على سائر المجرمين أو على الذين يعرف مخبأهم فتخفض عقوبته من الأشغال الشاقة المؤقتة بحيث تصبح الحبس من ستة أشهر إلى سنتين (المادتان 442/2 و241 من قانون العقوبات).

3- جرائم ترويج العملة أو الأوراق المصرفية المقلدة أو المزورة، أو إدخالها، أو إخراجها:

نصت على هذه الجريمة المواد/430 و432 و433 و434/ من قانون العقوبات، بعد أن نصت على جرائم تقليد أو تزوير العملة والأوراق المصرفية. فجاء في المادة /430/ أنه: «من قلد عملة… أو اشترك وهو على بينة من الأمر بإصدار العملة المقلدة أو بترويجها أو بإدخالها إلى البلاد السورية أو بلاد دولة أجنبية…». وجاء في المادة /432/ أنه: «يعاقب… من أقدم على تزييف عملة… أو اشترك وهو على بينة من الأمر بإصدار عملة مزيفة على هذه الصورة، أو بترويجها أو بإدخالها إلى البلاد السورية أو إلى بلاد دولة أجنبية». وجاء في المادة /433/ أنه: «من قلد أوراق نقد أو أوراق مصارف… أو اشترك بإصدارها أو بترويجها عوقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 430». وجاء في المادة /434/ أنه: «من زور أسناداً… أو اشترك وهو عالم بالأمر بإصدار أوراق مزيفة أو بترويجها أو بإدخالها إلى البلاد السورية أو إلى بلاد دولة أجنبية عوقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 431».

أ- أركان الجرائم: يتطلب قيام هذه الجرائم توافر ركنين: مادي ومعنوي، إضافة إلى موضوعها والذي سبق بيانه.

الركن المادي: كما يتضح من النصوص السابقة تقوم هذه الجرائم بأحد أربعة أفعال ورد النص عليها وهي إصدار عملة أو أوراق مصرفية مقلدة أو مزيفة، أو الترويج لها، أو إدخالها إلى سورية أو إخراجها منها. ويراد بالإصدار طرح العملة أو الأوراق المصرفية المقلدة أو المزورة لأول مرة في التداول، وذلك بتخلي شخص عن حيازتها لشخص آخر لدفعها للتداول. ويقصد بالترويج وضع العملة أو الأوراق المصرفية المقلدة أو المزورة في التعامل بين الناس بأي وسيلة كانت. وعليه فإن الإصدار لا يختلف عن الترويج إلا بكونه يتم للمرة الأولى. ولم يحدد المشرع وسائلَ معينة للترويج، فيستوي مثلاً أن يكون دفع العملة المقلدة أو المزيفة في التعامل بإنفاقها ثمناً لشراء شيء أو استئجاره، أو بالاستبدال بها عملة أخرى، أو بالتصدق بها على الفقراء والمحتاجين. والترويج جريمة قائمة بذاتها ومستقلة عن جريمة تقليد أو تزوير العملة أو الأوراق المصرفية التي يتم ترويجها. ويترتب على ذلك أنه لا يشترط أن يكون المروج هو نفسه من قام بتقليد أو تزوير العملة أو الأوراق المصرفية، بل تقوم جريمة الترويج ولو كان المروج لا يعلم بمصدر العملة أو الورقة المصرفية المقلدة أو المزورة. وإذا كان المروج هو نفسه من قلد أو زور العملة أو الورقة المصرفية قامت في حقه جريمتان مستقلتان وهما جريمة التقليد أو التزوير، وجريمة الترويج، ولكن لا توقع عليه سوى عقوبة واحدة تطبيقاً لقاعدة دغم العقوبات. وترتكب جريمة الترويج تامة بمجرد قبول من عرضت عليه العملة أو الورقة المصرفية المقلدة على أنها صحيحة. أما إذا رفضها بعد أن اكتشف أنها مزورة، اقتصرت مسؤولية المروج على الشروع.

أما إدخال العملة أو الأوراق المصرفية غير الصحيحة إلى سورية، فيفترض أن يكون تقليدها أو تزييفها قد حدث خارج سورية، وقيام الجاني بإدخالها إليها لكي يروجها فيها. أما إدخال هذه العملة أو الأوراق المصرفية إلى دولة أجنبية فيفترض أن يحصل تقليدها أو تزويرها داخل سورية، ثم يقوم الجاني بإخراجها منها حتى يتمكن من إدخالها وترويجها في الدولة الأجنبية المتداولة فيها هذه العملة أو الأوراق المصرفية. وإدخال العملة أو الأوراق المصرفية غير الصحيحة إلى سورية، أو إخراجها منها جريمة قائمة بذاتها ومستقلة عن جريمة تقليدها أو تزيفها. وعليه لا يشترط لقيامها أن يكون فاعلها هو نفسه الذي قام بتقليد العملة أو الأوراق المصرفية، أو اشترك في ذلك، فهي تقوم بمجرد توافر القصد الجرمي، ولو لم يكن مُدخلها أو مُخرجها على علم بمصدر العملة أو الأوراق المصرفية غير الصحيحة. وتتجسد أهمية النص على إدخال العملة أو الأوراق المصرفية غير الصحيحة إلى سورية، أو إخراجها منها كجريمة مستقلة عن جريمة تقليدها أو تزيفها في الحالة التي يتعذر فيها العقاب عن هذه الأخيرة، كما لو كان فاعلها مجهولاً أو معفياً من العقاب لأي سبب من الأسباب، أو استحالت نسبتها إليه. ففي هذه الحالات هناك إمكانية لمعاقبة مدخل العملة أو الأوراق المصرفية، أو مخرجها على الرغم من تعذر عقاب من قام بالتقليد أو التزييف.

الركن المعنوي: جريمة الترويج للعملة أو الأوراق غير الصحيحة من الجرائم المقصودة، مثلها في ذلك مثل جريمة إدخال هذه العملة أو الأوراق إلى سورية، أو إخراجها منها. ويتخذ فيهما الركن المعنوي صورة القصد الجرمي. والقصد الجرمي العام – الذي يتحقق بالعلم والإرادة- عنصر مشترك بين هاتين الجريمتين. فيجب أن ينصب علم المتهم على عناصر الجريمة، وبوجه خاص على الموضوع الذي يرد عليه السلوك الإجرامي، أي العملة أو الأوراق المصرفية المتداولة وكونها غير صحيحة، كما ينبغي أن يعلم المتهم بماهية الفعل الذي قام به وإن من شأنه إدخال العملة أو الأوراق المصرفية، أو إخراجها أو ترويجها. وأن العلم بكون النقود مزورة عنصر من عناصر هذه الجريمة، وركن من أركانها، فلا بد من إثباته بصورة مستقلة، وإن ظهور التزوير وحده لا يكفي لإثبات جريمة الترويج (نقض سوري، جناية 262 قرار 97 تاريخ 14/2/1960؛ نقض سوري، جناية 376 قرار 366 تاريخ 23/5/1963؛ نقض سوري، جناية 339 قرار 628 تاريخ 27/4/1965). ويجب أيضاً أن تتجه إرادة المتهم إلى القيام بالفعل المكون للجريمة، وهو الإدخال أو الإخراج أو الترويج.

وفي جريمة إدخال العملة أو الأوراق المصرفية غير الصحيحة إلى سورية، أو إخراجها منها، لا يكتفى بالقصد الجرمي العام، بل لابد من قصد خاص يتمثل في نية الترويج للعملة أو الأوراق المصرفية غير الصحيحة، فإذا انتفت هذه النية انتفى القصد الجرمي. ويقع عبء انتفاء قصد الترويج على عاتق المتهم، إذ لا تُكلَّف النيابة العامة إثبات وجود هذا القصد؛ لأنه مفترض من طبيعة الجريمة.

ب- العقوبات: عاقب المشرع على إدخال العملة المقلدة أو المزيفة إلى سورية، أو إخراجها منها، أو إصدارها (أي التعامل بها) أو ترويجها بالعقوبات نفسها المقررة لجريمة تقليد هذه العملات أو تزييفها (المواد 430-434 من قانون العقوبات). وهي الأشغال الشاقة المؤقتة من ثلاث سنوات إلى خمس عشرة سنة والغرامة من مئة إلى ألف ليرة سورية. وتشدّد هذه العقوبات بحيث يصبح الحد الأدنى لعقوبة الأشغال الشاقة خمس سنوات وعقوبة الغرامة مئتين وخمسين ليرة سورية على الأقل إذا كان موضوع هذه الجرائم عملة معدنية من الذهب أو الفضة، أو في حال الترويج للأوراق النقدية أو المصرفية المقلدة. ويعفى من العقوبة من اشترك في هذه الجرائم وأنبأ السلطة بها قبل إتمامها (المادة 442/1 من قانون العقوبات). أما المدعى عليه الذي يتيح القبض، ولو بعد بدء الملاحقات، على سائر المجرمين أو على الذين يعرف مخبأهم فتخفض عقوبته من الأشغال الشاقة فتصبح الحبس من ستة أشهر إلى سنتين (المادتان 442/2 و241 من قانون العقوبات(

4- الجرائم المرتبطة بتقليد أو تزوير العملات والسندات العامة:

إضافة إلى جرائم تقليد العملات والأوراق المصرفية وتزييفها، وإدخال العملات والأوراق المصرفية المقلدة أو المزيفة إلى سورية، أو إخراجها منها، والتعامل بها أو الترويج لها نص المشرع على أربع جرائم ألحقها بجريمة تقليد العملات وتزييفها، وذلك حتى يُحكم سياج الحماية الجزائية التي أراد كفالتها للعملة والأوراق المصرفية.

(1) جريمة صنع أو اقتناء أو الحصول على آلات وأدوات التقليد أو التزييف: نصت المادة /438/ من قانون العقوبات على أنه: «1- من صنع آلات أو أدوات معدة لتقليد أو تزييف أو تزوير أوراق النقد أو سندات المصارف أو حصل عليها بقصد استعمالها على وجه غير مشروع عوقب …. 2- ومن أقتنى تلك الآلات أو الأدوات على علمه بأمرها عوقب…». وجاء في نص المادة /439/ أنه: «يعاقب بنفس العقوبات الجنائية المنصوص عليها في المادة السابقة من وجد حائزاً آلات أو أدوات معدة لصنع العملة أو الورق النقدي أو أوراق المصارف واستعملها على وجه غير مشروع».

يستفاد من النصين السابقين أن مجرد إعداد آلات وأدوات التقليد أو التزوير أو امتلاكها أو حيازتها لا يعد شروعاً في جرائم تقليد العملة أو الأوراق المصرفية وتزييفها، وإنما هي أعمال تحضيرية لهذه الجرائم عاقب عليها المشرع باعتبارها جرائم قائمة بذاتها، ومستقلة عن جرائم تقليد العملة أو الأوراق المصرفية وتزييفها. وللإحاطة بأحكام هذه الجريمة ينبغي تحديد ركنيها المادي والمعنوي، ثم العقوبات المقررة لها.

الركن المادي: يتمثل الركن المادي لهذه الجريمة في السلوك الذي حدّد المشرع صوَره، والموضوع الذي ينصب عليه هذا السلوك. فأما صوَر السلوك الإجرامي فهي الصناعة أو الاقتناء والحيازة. ويقصد بالصناعة إنتاج آلات وأدوات التقليد والتزييف، كما يقصد بها كل عمل فني يستهدف جعل هذه الآلات والأدوات صالحة للاستعمال في عمليات التقليد والتزييف للعملة والأوراق المصرفية. والاقتناء يعني حيازة هذه الآلات والأدوات أياً كانت صفة الحائز لها، ولو كانت حيازة عارضة، وتعبير الاقتناء تعبير عام يشمل كل أشكال السيطرة على الآلات والأدوات، سواء كان الحائز مالكاً لها أم غير مالك. وان مجرد الصناعة أو الاقتناء أو الحيازة لا يكفي لقيام الركن المادي لهذه الجريمة، وإنما يجب أن تكون صناعة أو اقتناء أو حيازة آلات وأدوات التقليد والتزييف بغير مسوغ مشروع. ويتوافر المسوغ فعلاً أو قانوناً إذا كانت الآلات والأدوات تصلح لممارسة مهنة أو صناعة مرخص بممارستها، أو كان الصانع أو الحائز قد حصل على ترخيص من الجهات الرسمية المختصة بصناعة هذه الآلات والأدوات أو حيازتها.

وينبغي أن يرد فعل الصناعة أو الاقتناء أو الحيازة على موضوع حدده القانون وهو: «الآلات والأدوات المعدة لتقليد وتزييف العملة والأوراق المصرفية»، مما يعني أن موضوع السلوك الإجرامي فيه من الاتساع بحيث يستوعب كل ما يصلح أداة أو وسيلة مباشرة يمكن استعمالها بذاتها لتقليد العملات والأوراق المصرفية أو تزييفها. وتقدير صلاحية الآلات والأدوات المضبوطة لدى المدعى عليه من المسائل الموضوعية التي تختص بها المحكمة الناظرة في جرائم التقليد والتزييف. وقد نص القانون على الصناعة أو الاقتناء أو الحيازة للآلات والأدوات باعتبارها صوَراً للسلوك الإجرامي لقيام الجريمة مادياً. ويترتب على ذلك أنه يكفي أي فعل من هذه الأفعال لقيام الجريمة فلا يشترط اجتماعها. فإذا كان صانع الآلات أو الأدوات هو حائزها أو مالكها، فلا يرتكب إلا جريمة واحدة. ويستوي لمن يصنع هذه الآلات والأدوات أن يستخدمها بنفسه أو يسلمها لشخص آخر ليستعملها في تقليد العملات والأوراق المصرفية أو تزييفها، كما يستوي أن يكون تسليمها لهذا الأخير بعوض أو على سبيل التبرع.

الركن المعنوي: تعد جريمة صنع أو اقتناء أو حيازة الآلات أو الأدوات المعدة لتقليد وتزييف العملات والأوراق المصرفية من الجرائم المقصودة التي يتخذ فيها الركن المعنوي صورة القصد الجرمي. والقصد الجرمي المتطلب هو القصد الجرمي بنوعيه العام والخاص. ويقوم القصد الجرمي العام على العلم والإرادة. فينبغي أن يعلم المدعى عليه بماهية الآلات والأدوات التي يصنعها أو يحوزها، وأن من شأنها أن تستعمل في تقليد وتزييف العملات والأوراق المصرفية. وهذا العلم مفترض فيمن يصنع هذه الأدوات أو يحوزها أو يمتلكها، أي يفترض أن الصانع أو الحائز يعلم بماهية ما يصنعه أو يحوزه، وحقيقة الهدف منه، لكن هذا الافتراض قابل لإثبات العكس. وأيضاً يجب أن تتجه إرادة الجاني رغم العلم إلى صناعة أو حيازة أو امتلاك تلك الآلات والأدوات.

ولا يكفي القصد الجرمي العام لقيام جريمة صناعة أو حيازة آلات وأدوات التقليد والتزييف، بل لابد من توافر قصد خاص يتمثل في نية استخدام هذه الآلات والأدوات في تقليد وتزييف العملات والأوراق المصرفية. وإذا لم يتوافر قصد الاستعمال في حالة اقتناء آلات وأدوات التقليد والتزييف فلا يسأل الفاعل سوى عن جنحة؛ إذ يكفي علمه بحقيقة هذه الآلات والأدوات (المادة 438/2 من قانون العقوبات).

عقوبة الجريمة: عاقب المشرع على هذه الجريمة بالأشغال الشاقة من ثلاث سنوات حتــــــــــــى خمس عشرة سنة، والغرامة مئة ليرة سورية على الأقل (المادتان 438/1 و439 من قانون العقوبات). أما مجرد اقتناء الآلات والأدوات المعدة لتقليد وتزييف العملات والأوراق المصرفية فيعاقب عليه بعقوبة جنحوية هي الحبس لمدة سنة على الأقل (المادة 438/2 من قانون العقوبات). ويعفى من العقوبة من اشترك في هذه الجريمة وأنبأ السلطة بها قبل إتمامها (المادة 442/1 من قانون العقوبات). أما إذا أتاح القبض على سائر المجرمين أو على الذين يعرف مخبأهم فتخفض عقوبته من الأشغال الشاقة فتصبح الحبس من ستة أشهر إلى سنتين (المادتان 442/2 و241 من قانون العقوبات).

(2) قبض عملة أو أوراق مصرفية مقلدة أو مزيفة بحسن نية والتعامل بها بعد اكتشاف حقيقتها: نصت على هذه الجريمة المادة /436/ من قانون العقوبات، وجاء فيها أنه: «من قبض عن حسن نية قطعاً من العملة أو أوراقاً نقدية أو أوراق مصارف مقلدة أو مزيفة أو مزورة وروجها بعد أن تحقق من عيوبها عوقب بغرامة لا تتجاوز المائة ليرة». إن علة تجريم هذا السلوك تكمن في أن من يتعامل بنقود وأوراق مصرفية مقلدة أو مزيفة بعد أن يتحقق لديه العلم بعيبها يعتبر مروجاً لها ويخل بالثقة العامة في العملة والأوراق المصرفية. لكن المشرع اعتبر أن الجريمة في هذه الصورة ليست في خطورة جريمة الترويج المنصوص عليها في المواد 430-434 من قانون العقوبات، لذلك خفف عقوبتها.

ويتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بقبول المدعى عليه للعملة أو الأوراق المصرفية المقلدة والمزيفة بحسن نية، أي دون أن يعلم بحقيقتها. فيفترض لقيام هذه الجريمة أن يكون الفاعل قد أخذ العملة أو الأوراق المصرفية المقلدة والمزيفة على أنها صحيحة، وهذا ما يميز جريمة الترويج المنصوص عليها في المواد 430-434 من قانون العقوبات عن هذه الجريمة. فالمروج يعلم وقت دفع العملة أو الأوراق المصرفية المقلدة والمزيفة للتداول بحقيقتها، ويعلم أيضاً بهذه الحقيقة وقت تلقيه العملة والأوراق المصرفية التي يقبلها مع علمه بأنها غير صحيحة. ويترتب على ذلك أنه يجب لإدانة المدعى عليه في جريمة التعامل بعملة أو أوراق مقلدة ومزيفة بعد اكتشاف حقيقتها إثبات جهله وقت قبول تلك العملة أو الأوراق المصرفية بحقيقتها، وهذا ما عبر عنه المشرع بقوله: «من قبض عن حسن نية قطعاً من العملة أو أوراقاً نقدية أو أوراق المصارف…» (المادة 436 من قانون العقوبات).

أما الركن المعنوي فيتخذ في هذه الجريمة صورة القصد الجرمي العام الذي يتحقق بعلم المدعى عليه وقت طرح العملة أو الأوراق المصرفية للتداول بأنها مقلدة أو مزيفة، أي علمه بحقيقة العملة أو الأوراق المصرفية وبالعيب اللاصق بها، والذي يمنع من دفعها للتداول. والفرض كما سبق بيانه، أن المدعى عليه عند قبوله هذه العملة أو الأوراق المصرفية من الغير، لم يكن يعلم بحقيقتها، وإلا فإنه يرتكب جريمة الترويج المعاقب عليها بعقوبات جنائية (المواد 430-434 من قانون العقوبات). وينتفي القصد الجرمي ولا تقوم الجريمة في حال كان الشخص يجهل حقيقة العملة أو الأوراق المصرفية وقت قبولها من الغير، وكذلك وقت تعامله بها.

أما العقوبة فقد راعى المشرع ظروف المدعى عليه في هذه الجريمة، من حيث أنه أنخدع في العملة أو الأوراق المصرفية، ويسعى إلى التخلص منها بما لا يلحق به ضرراً، وإن كان في ذلك إضرار بالغير، لذلك خفف عقوبته فجعلها الغرامة مئة ليرة سورية على الأكثر.

(3) إعادة العملة أو الأوراق المصرفية الباطلة إلى التعامل: نصت على هذه الجريمة المادة/437/ من قانون العقوبات إذ جاء فيها أنه: «يستحق العقوبة نفسها (أي المنصوص عليها في المادة 436) من أعاد إلى التعامل وهو عالم بالأمر عملة نقدية أو أوراق مصارف أو أسنادا لأمر بطل التعامل بها». وعلة تجريم هذا السلوك تكمن في أن من يعيد طرح عملة نقدية أو أوراق مصرفية بطل التعامل بها مع علمه بذلك يعد مروجاً لها ويخل بالثقة العامة في العملة والأوراق المصرفية. ولكن المشرع اعتبر الجريمة في هذه الصورة ليست في خطورة جريمة ترويج العملة والأوراق المقلدة أو المزيفة، لذلك جعل عقوبتها هي ذاتها المقررة لجريمة أخذ عملة أو أوراق مصرفية غير صحيحة بحسن نية والتعامل بها بعد اكتشاف حقيقتها السابق شرحها.

ويتحقق الركن المادي لهذه الجريمة بإعادة طرح عملة نقدية أو أوراق مصرفية بطل التعامل بها للتداول مع العلم بحقيقتها. فيفترض لقيام الجريمة هنا أن يكون الفاعل مالكاً أو حائزاً لهذه العملة أو الأوراق المصرفية قبل إبطال التعامل بها، ثم أقدم بعد ذلك على وضعها في التداول.

أما الركن المعنوي في هذه الجريمة فيتخذ صورة القصد الجرمي العام المتمثل في علم المدعى عليه وقت طرح العملة أو الأوراق المصرفية للتداول بأنها ملغاة، أي بطل التعامل بها؛ واتجاه إرادته بالرغم من هذا العلم إلى إعادة طرحها في التداول. ويترتب على ذلك أنه إذا كان الشخص يجهل حقيقة أن العملة أو الأوراق المصرفية ملغاة وقت طرحها للتداول فلا تقوم الجريمة.

وقد عاقب المشرع على هذه الجريمة بالعقوبة ذاتها المنصوص عليها في المادة/436/ من قانون العقوبات بالنسبة لجريمة أخذ عملة أو أوراق مصرفية مقلدة أو مزيفة بحسن نية والتعامل بها بعد اكتشاف حقيقتها، وهي الغرامة مئة ليرة سورية على الأكثر.

(4) جريمة صنع أو عرض أو نقل أو ترويج أشياء مشابهة للعملات أو الأوراق المصرفية المتداولة: نصت على هذه الجريمة المادة /435/ من قانون العقوبات، وجاء فيها ما يلي: «يعاقب بالحبس والغرامة من صنع أو عرض أو نقل بقصد الاتجار أو روج قطعاً معدنية مقلداً بها عملة متداولة قانوناً أو عرفاً في سورية أو بلاد أخرى أو أوراقاً مطبوعة قد يقع التباس بينها وبين الورق النقدي أو أوراق المصارف الوطنية أو الأجنبية». علة تجريم هذه الأفعال تكمن في كون المشابهة بين ما يصنع أو يحاز وبين العملات أو الأوراق المصرفية المتداولة من شأنه إيقاع الجمهور في الغلط. فالقطع المعدنية أو أوراق النقد أو الأوراق المصرفية المشابهة للعملات أو الأوراق المصرفية المتداولة داخل سورية أو خارجها يمكن أن تستعمل لخداع جمهور المتعاملين الذين يقبلونها على أنها عملة أو أوراق صحيحة، فإذا اكتشفوا أنها ليست كذلك اختلت ثقتهم في العملات والأوراق المصرفية بصورة عامة.

يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة، كما يتضح من النص السابق، بصنع أو عرض أو نقل أو ترويج قطع معدنية أو أوراق مشابهة في مظهرها الخارجي للعملة المعدنية أو الورقية أو للأوراق المصرفية المتداولة قانوناً أو عرفاً في سورية أو في دولة أخرى. وصنع هذه القطع أو الأوراق يتم عن طريق تقليد أو تغيير معالم العملة الصحيحة. والعرض أو النقل أو الترويج كل منهما يحقق الجريمة في الحالة التي يكون فيها العارض أو الناقل أو المروج للقطع والأوراق المشابهة للعملة أو الأوراق المصرفية غير الصانع لها. ويشرط لتحقق الركن المادي لهذه الجريمة أن يكون هناك تشابه بين ما يصنعه الفاعل أو يعرضه أو ينقله أو يروجه وبين العملة أو الأوراق المصرفية المتداولة قانوناً أو عرفاً في سورية أو بلاد أخرى، وأن يكون من شأن هذا التشابه احتمال إيقاع الجمهور في التباس، أياً كانت درجة هذا الاحتمال. إذ يكفي أن يكون من شأن هذا التشابه أن يوقع في الغلط أي شخص ينظر إلى ما صنعه الفاعل أو عرضه أو نقله أو روجه من قطع معدنية أو أوراق، فينخدع بها ويظنها عملة أو أوراق مصرفية صحيحة من العملات أو الأوراق المصرفية المتداولة.

أما الركن المعنوي في هذه الجريمة فيتخذ صورة القصد الجرمي الذي يتحقق بعلم المدعى عليه بماهية الأفعال التي يقوم بها، وبالتشابه بين ما يصنعه أو يعرضه أو ينقله أو يروجه من قطع معدنية وأوراق، وبين العملة والأوراق المتداولة قانوناً أو عرفاً. وإضافة إلى هذا العلم بعناصر الجريمة، يجب أن تتوافر إرادة هذه العناصر، أي إرادة صنع أو عرض أو نقل أو ترويج هذه الأشياء، على الرغم من العلم بها، وبما يترتب على صناعتها وعرضها ونقلها وترويجها. لكن القصد الجرمي العام المتمثل بالعلم والإرادة لا يكفي لقيام هذه الجريمة في حالات الصنع أو العرض أو النقل، بل ينبغي أن يتوافر إضافة إلى ذلك قصد خاص يتمثل في صنع أو عرض أو نقل القطع والأوراق بقصد الاتجار. ويترتب على ذلك أنه لا يكفي مجرد الصنع أو العرض أو النقل، وإنما يجب أن يهدف الفاعل من هذه الأفعال إلى تحقيق غرض خاص هو الإتجار، فإذا كان يقصد من ذلك مجرد إشباع هوايته في الرسم، وإظهار مهاراته في صنع أشياء تشابه العملات والأوراق المصرفية الصحيحة، وعرضها على شخص فانخدع بها، فلا تقوم الجريمة. ولا تقوم أيضاً الجريمة إذا صنع الفاعل قطعة تشبه عملة معدنية وحازها لاستعمالها كميدالية أو نحو ذلك؛ لعدم توافر قصد الإتجار.

وقد قرر المشرع لهذه الجريمة عقوبة مخففه هي الحبس والغرامة، لكنه لم يحدّد مقدارها مما يقتضي في هذه الحالة العودة إلى القواعد العامة لتحديد مقدار هاتين العقوبتين. فبموجب أحكام المادتين/52 و53/ من قانون العقوبات تراوح مدة الحبس بين عشرة أيام وثلاث سنوات، وتراوح الغرامة بين مئة ليرة وألف ليرة سورية.

ثالثاً- تزوير الطوابع وأوراق التمغة:

نصت على هذه الجريمة المادة /440/ من قانون العقوبات، وجاء فيها أنه: «من قلد أو زور أوراق التمغة أو الطوابع الأميرية وطوابع الإيصالات أو طوابع البريد بقصد استعمالها على وجه غير مشروع أو روجها على علمه بأمرها عوقب بالأشغال الشاقة المؤقتة حتى خمس سنوات وبغرامة أقلها خمسون ليرة سورية».

إن هذا النص تضمن جريمتين متميزتين، وإن كان محل الحماية فيهما واحداً، إلا أنهما تختلفان من حيث الركن المادي والركن المعنوي. وهاتان الجريمتان هما التقليد أو التزوير والترويج.

1- موضوع الحماية الجزائية:

حدد المشرع هذه الحماية بأنها أوراق التمغة أو الطوابع بمختلف أنواعها (أميرية، إيصالات، بريدية). ويراد بأوراق التمغة اللصائق التي يستعاض بها عن الرسم الذي تقرره الدولة على بعض المنتجات أو الخدمات التي تخص قطاع عام معين، كالقطاع السياحي أو الصحي أو مؤسسة عسكرية أو غيرها، وهي تصدر من أجل هدف سياسي أو اقتصادي أو معنوي، أو في مناسبة معينة.

أما الطوابع الأميرية فهي اللصيقة التي توضع على المعاملات الرسمية، وتستعمل للدلالة على دفع الرسوم التي تتطلبها الجهة الحكومية لقاء تقديمها خدمة أياً كان نوعها. ويقصد بطوابع الإيصالات الطوابع المخصصة لنماذج معينة من الإيصالات. أما الطوابع البريدية فيراد بها اللصيقة التي توضع على المراسلات البريدية داخل سورية وخارجها، وذلك للدلالة على دفع رسوم الخدمة التي تقدمها المؤسسة العامة للبريد.

2- جريمة تقليد الطوابع وأوراق التمغة:

ويشترط لقيام هذه الجريمة توافر ركنيها: المادي والمعنوي. ويتمثل الركن المادي في السلوك الذي حدد المشرع صورتيه بالتقليد والتزوير. ويراد بالتقليد صنع طوابع وأوراق تمغة غير صحيحة، ليس لها وجود من قبل، مشابه للطوابع وأوراق التمغة الصحيحة في شكلها وحجمها، أي أن يقوم الفاعل بإعطاء الطوابع وأوراق التمغة المقلدة شكلها وحجمها المقررين لها قانوناً فيما لو كانت صحيحة.

أما التزوير فيراد به كل تحريف لطوابع أو أوراق تمغة صحيحة موجودة أصلاً عن طريق تغيير الأرقام أو الرموز أو العلامات المطبوعة عليها، فتصبح غير صحيحة بإدخال هذه التغيرات عليها. ومما تجدر الإشارة إليه أنه لا يعد تزويراً للطوابع أو أوراق التمغة إذا كان التحريف واقعاً على التاريخ المدون بخط اليد على الطابع أو ورقة التمغة، أو على إشارة إبطال استعمالهما، أو على التوقيع المثبت عليهما. كما لا يعد تزويراً إزالة الاستعمال السابق للطابع أو ورقة التمغة، وإنما يعتبر استعمالاً للصيقة سبق استعمالها أو شروعاً في الاستعمال تبعاً لمدى توافر عناصر الجريمة.

أما الركن المعنوي للجريمة فيتخذ صورة القصد الجرمي بنوعيه العام والخاص. ويتوافر القصد العام بتحقق عنصريه، وهما العلم والإرادة. وينصب العلم على عناصر الجريمة كلها، وأهمها كون الطوابع وأوراق التمغة متداولة قانوناً في سورية، والأفعال التي تتحقق بها الجريمة مادياً. فإذا انتفى هذا العلم، بأن اعتقد الفاعل أن فعله لا ينصب على طوابع أو أوراق تمغة متداولة قانوناً، وإنما على طوابع أو أوراق تمغة أبطل التعامل بها ولم تعد متداولة في سورية، انتفى القصد الجرمي لديه. وكذلك ينتفي القصد الجرمي إذا كان المدعى عليه لا يعلم بماهية الفعل الذي قام به، وأن من شأنه تقليد الطوابع أو أوراق التمغة، أو تزويرها. ولا يكفي العلم لقيام القصد الجرمي العام، بل لابد من أن تتجه إرادة الفاعل إلى فعل التقليد أو التزوير، وإلى تحقيق النتيجة الإجرامية المترتبة على هذا الفعل، وهي صناعة طوابع أو أوراق تمغة غير صحيحة. وينبغي أن يتوافر إضافة إلى هذا القصد قصد خاص يتمثل في نية استعمال الطوابع والأوراق المقلدة أو المزورة. وهذه النية مفترضة من طبيعة الجريمة، إذ إن من يقلد أو يزور طوابع أو أوراق تمغة يهدف من ذلك عادة إلى الاستفادة بها، باستعمالها حتى يحقق الكسب من ورائها. ولكن هذا الافتراض يقبل إثبات العكس، بأن يثبت أن نية الاستعمال غير متوافرة لديه لحظة إتيانه أفعال التقليد أو التزوير، كما لو أثبت أنه قام بهذه الأفعال لهدف فني بحت يتمثل في إرضاء هوايته في الرسم والتقليد. ويجب أن تتوافر نية الاستعمال لحظة إتيان أفعال التقليد أو التزوير، فإن توافرت في وقت لاحق على إتيان هذه الأفعال، فلا يعتد بها، ومن ثم ينتفي القصد الخاص اللازم لقيام الجريمة موضوع الدراسة.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك