الثلاثاء - الموافق 12 نوفمبر 2019م

حصنوا أموالكم بالزكاة: بقلم: هند درويش

الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام، والزكاة تعني البركة والزيادة والنماء، فالزكاة تقي نفس الغني من الشح، فإن النفس البشرية تميل إلي البخل وحب جمع المال لذلك مدح الله العبد الذي يوق شح نفسه بقوله تعالى: ” وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ” (الحشر: 9). والزكاة تسمح بتدوال المال بين الأغنياء والفقراء حتى لا ينحصر المال في يد فئة قليلة من البشر” كيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ” (الحشر:10) أي يتداول المال بين الأغنياء فقط، ولا يصل منه شيء إلي الفقراء والمساكين مما يؤدي إلي اختلال التوازن الاجتماعي وانتشار الفساد، وإن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكون في كل مال أو ذهب أو فضة بلغ النصاب، أو ثمار تم حصادها حق للفقراء والمساكين كاختبار من الله لنا هل سنمتثل لأمر الله أم نتبع الهوى ” وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ” (المعارج: 24-25). فالزكاة هي حجر الزواية في الاقتصاد الإسلامي، وهي أساس التكافل الإجتماعي، وهي تحافظ على بناء وتماسك المجتمع قال تعالى: ” خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ” (التوبة: 103).تفسير السعدي: {‏خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً‏}‏ وهي الزكاة المفروضة، ‏{‏تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا‏}‏ أي‏:‏ تطهرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة، ويستنبط الدكتور النابلسي من كلمة ” صدقة ” في الآية الكريمة أن المسلم الذي يدفع زكاة ماله يؤكد صدق إيمانه ” وهذا ما أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم: ” الصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ ” (رواه مسلم).

والله سبحانه وتعالى ذم البخيل والذي يأمر الناس بالبخل وبين لنا أنها صفة من صفات المتكبرين، فنفس المؤمن مبنية على العطاء، والبخل يتناقض مع الإيمان ” وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ* الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ” (الحديد: 23-24). فالزكاة نماء لمال الغني والفقير” وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ” ( سبأ: 39). ويخبرنا الله سبحانه وتعالى أن لو انفقت جنيه واحد فسيرزقك الله بعشر جنيهات ” مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ” ( الأنعام: 160). ” ما نقص مال عبد من صدقة ” (رواه الترمذي). بل أن الله يجازي على كل حسنة يقدمها العبد المؤمن ابتغاء مرضات الله في الدنيا قبل الآخرة ” على عكس الكافر يأخذ أجر عمله في الدنيا فقط ” إن الله لا يظلم مؤمناً حسنةً ، يُعطي بها في الدنيا ، ويُجزى بها في الآخرة ، وأما الكافر : فيُطعم بحسناته ما عمل بها لله في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزي بها ” (رواه مسلم في صحيحه). مصدقا لقوله تعالى: ” وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ” ( المزمل:20).

فإن الزكاة تساعد أيضاً على النماء النفسي للغني فالذي ينتصر على نفسه يشعر بأنه انتصر في معركة فهي حماية للغني من التكبر والغرور وحب جمع المال، وتبعث في النفس الشعور بالسعادة، وحماية لنفس الفقير من الحقد والحسد، وبذلك تعود بالنفع على المجتمع كله، بل وتعود أيضاَ على الصحة النفسية والجسدية للفرد، وهذا ما أشارت إليه دراسة علمية جديدة نشرت في ” sciencedaily” بعنوان” العطاء الإجتماعي يجعلنا أكثر سعادة ” حيث أسفرت نتائج الدراسة إلى أن الذين ينفقون أموالهم على الآخرين كانوا أسعد، بينما أولئك الذين أنفقوا أموالهم على ملذاتهم الشخصية لم يشعروا بسعادة تذكر (*)، واقترح مجموعة من الباحثين في دراسة منشورة على موقع علم النفس اليوم طريقة جديدة لتخفيف الإجهادات من خلال إفراز هرمون الإجهاد cortisol وكسب صحة أفضل من خلال إنفاق القليل من المال على الآخرين. فهذا العمل يؤدي لتحسين مناعة الجسم ويكسب الإنسان ثقة بالنفس وسعادة أكبر.

فمن أراد أن يحفظ الله ماله ويبارك له فيه فعليه بدفع زكاة ماله “حصنوا أموالكم بالزكاة ” (رواه الطبراني)، وإن حبس أموال الزكاة يؤدي إلي خسارتها واتلافها، فالذي يبخل بماله على الفقراء قد يخسره من ناحية أخرى لأن الزكاة حماية للمال من التلف وهذا ما أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم: ” ما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة ” (رواه الطبراني)، وأن بدفع الزكاة يذهب الله سبحانه وتعالى شر هذا المال، أي زكاة المال تطهير للمال نفسه من هذا الشر والوبال الذي قد يصيب الله به من منع زكاة ماله ” من أدى زكاة ماله ذهب عنه شره ” (الحاكم في المستدرك). ولنا أسوة حسنة في قصة ” أصحاب الجنة ” قد كان هناك رجل صالح وله بستان فيه من كل الثمرات، وكان هذا الرجل الصالح يؤدّي حق الله للفقراء والمساكين عند حصاد الثمار وقطافها، فتوفى هذا الرجل وخلف من بعده عدة أبناء، فأجتمعوا ليلا واقسموا أن لا يعطوا أحد من المساكين بل عليهم أن يقطفوا هذه الثمار دون أن يشعر بهم أحد، وأن يبيعوها ويقبضوا أثمانها دون أن يعطوا حق الله عز وجل، فعاقبهم الله بأن جعل هذا البستان الأخضر أرض محترقة سوداء كالليل المظلم بلا ثمار ” إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ” (القلم: 18-20). فإن الزكاة حماية ووقاية للمال والأرض والتجارة والمواشي وكل ما وجب عليه الزكاة، وما من شهر أحب إلي الله من شهر رمضان المبارك لكي ندخل السرور على قلوب الفقراء والمساكين ونقضي حاجتهم ” “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارسه القرآن فلَرسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريلُ أجودُ بالخير مِن الريحِ المُرسَلة” (متفق عليه).

المصادر:
(*) Social giving makes us happier, https://www.sciencedaily.com/releas…/2013/…/130820135034.htm

بقلم: هند درويش
ماجستير في التفكر في القرآن الكريم وعلاقته بالتفكير الإبداعي.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك