الأحد - الموافق 16 يونيو 2019م

تنمية قدرات الموارد البشرية في مختلف أوجه مكافحة الفساد بالقارة الإفريقية بقلم :- الدكتور عادل عامر

إن الفكرة الأساسية لهذا المفهوم هو أن الإصلاح الإداري يتم فرضه من خارج الجهاز الإداري بعد أن يعم الإحساس بين فئات المجتمع بقصوره وعجزه عن القيام بأعباء ومتطلبات تنفيذ التغيير المستهدف في الخطط التنموية، إلا أن هذا الإحساس يعتبر ((مسألة نسبية قيمية تقديرية لها طابع سياسي))

لأن القيادة السياسية هي التي لها الحق أن تحس دون غيرها بالحاجة إلى الإصلاح الإداري وتتبنى مراحل تنفيذه. ودون تبني القيادة السياسية لفكرة الإصلاح ذاته لا يمكن أن يظهر الإحساس بالحاجة إليه بين فئات المجتمع إلى حيز الوجود والمطالبة به. وذلك خوفا من القيادة نفسها حيث أن معظم القيادات السياسية في الدول النامية تتجاهل هذا الإحساس أو تكبته بكل الوسائل وإدانة من يطالب به

لان نسبة الأمية الحقيقية في بعض بلدانها عن 80 % من تعداد السكان. ففي ساحل العاج يبلغ نسبة متعلميها 42 , 4 % من مجموع السكان. وعلى الرغم من أن هناك بعض الدول بذلت جهودا لا بأس بها في سبيل معالجة ظاهرة الأمية (مثل نيجيريا) إلا أن نسبة الزيادة السكانية المرتفعة جداً لم تساعد الحكومة على تصحيح الوضع القائم. وتعود أسباب التخلف في مجال التعليم إلى عدة أسباب هي:

1-تأخر استقلال هذه الدول حيث إن جلها استقلت في أوائل الستينات، لكن الذين تولوا الحكم في تلك الفترة هم ممن كونهم المستعمر، وجلهم تلميذ نجيب لمستعمر فاشي. فعلى سبيل المثال (الجزائر) رغم أنها استقلت في نفس الفترة التي استقلت فيها مالي والنيجر والتشاد وبوركينا. وكل هذه الدول كانت مستعمرات فرنسية، إلا أن الفرق بين استقلال الجزائر، واستقلال هذه الدول أن الجزائر هي التي اختارت قادة ثورتها، وهي التي أرغمت فرنسا على الخروج، وهي التي وضعت النظام السياسي والاقتصادي التي تريد.

بينما هذه الدول التي ذكرتها سابقا فإن فرنسا هي التي قررت الخروج منها بعد أن تحولت عالة على ميزانية الجمهورية الفرنسية المنهكة والخارجة من الحرب العالمية الثانية مثخنة الجراح، حتى أن بعض هذه الدول طلبت من فرنسا أن تأخر خروجها عاما آخر كي تتمكن من تكوين طاقم إداري يدير الدولة بعد خروج الادارة الفرنسية!

2-بطي البرامج الانمائية في مجال التعليم، حيث إن كثيراً من هذه الدول افتتحت التعليم في السلك الجامعي فيها في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي. وجلها مازالت ذات جامعة وطنية واحدة (النيجر، بوركينا، تشاد، مالي، جامبيا، غينيا، وغيرها عدا نيجيريا وغانا وساحل العاج). وهذا يعني أن دولة مثل النيجر تعداد سكانها يفوق الأحد عشر مليونا بها جامعة واحدة هي جامعة (البروفسير عبد المؤمن) تستوعب سنويا أقل من ألفي طالب. ومجموع طلابها هذا العام 2002 / 2003 م ما يقارب سبعة آلاف طالب فقط.

3-الثقافة الشعبية والتي تفضل مشاركة الأولاد وخاصة البنات في الانتاج الزراعي والحيواني على إنفاق عشرين سنة في التعليم، وبعد ذلك يواجه مشكلة التوظيف، فإن حلت مشكلة التوظيف لم يسلم من مشكلة المرتب الحكومي المتدني.

ب) التخلف في التنظيم الاداري.

وهذا نتيجة طبيعية للتخلف في التعليم وانتشار مظاهر الأمية، والذي يدعمه التنوع اللغوي والقبلي، الذي يؤدي إلى ولاء للقبيلة أكثر من الولاء للدولة. حتى عبرَّ أحد الزملاء عن التنوع في بلده فقال ” نحن لا نتفق إلا في أمرين الاسلام واللغة الفرنسية ” وهذا يؤدي إلى تعقيد الجوانب الادارية، حيث إن كل مسئول إداري يسارع لمساعدة من هو من بني جلدته (قبيلته ولغته) ولكي تتضح هذه الفكرة فإن دولة مثل نيجيريا فيها حوالي ثلاثين مليونا من قبيلة الهوسا، وخمسة وعشرون مليونا من قبيلة اليوربا، وعشرون مليونا من قبيلة الايبو، وعشرة ملايين من قبيل الفلاتة. ولكل قبيلة لغتها الخاصة بها.

ج) التخلف في التنظيم السياسي.

أولاً: النظام السياسي المتبع في معظم هذه الدول هو النظام الليبرالي،

ولا توجد جمهورية فدرالية شبيهة بالنظام الجمهوري الأمريكي سوى جمهورية نيجيريا الفيدرالية، وأما بقية الدول فهي ذات نظام جمهوري على الطريقة الفرنسية. والذي يقوم على أساس الدولة ذات الرأسيين (رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء) وعلى الرغم من إجراء كثير من الانتخابات إلا أنه وبعد أربعين سنة من الاستقلال تفتقر الانتخابات إلى الـنـزاهة حتى منتصف التسعينات. وقد حدث تغيير كبير ومثير في نهاية التسعينات ومطلع القرن الحادي والعشرين، حيث وقع تغيير ديمقراطي شهد له الجميع بالـنـزاهة في كل من السنغال، والنيجر ومالي، وبنين، بينما مازالت الأنظمة الشمولية تشمل دولا أخرى (كبوركينا فاسو وغينيا، والتوجو،) وسببت نتائج الانتخابات مشاكل كبيرة في دول مثل ساحل العاج. ويعتبر العامل السياسي من أهم العوامل التي تؤدي إلى ظاهرة الفساد الاقتصادي فعلى سبيل المثال لا الحصر أنشأ الرئيس الافواري ـ نسبة إلى كوت ديفوار ـ الراحل (هوفيت بوانيه).

(كنيسة سيدة السلام) التي بناها من ميزانية الدولة، وافتتحها البابا بولس الثاني 1990 م. وكانت تكلفة بنائها حوالي ثلاثمائة مليون دولار، واشترك في بنائها ما يربو على 2000 عامل وحرفي. وتكلفة صيانتها السنوية تتجاوز المليون ونصف المليون دولار.

في بلد يعاني كثير من مواطنيه من البطالة والفقر والعوز، وخاصة في الشمال ذو الأغلبية المسلمة. وإن أمثلة الفساد المتسببة عن العامل السياسي أكثر من أن تحصى، وخاصة في بلدان افريقيا الغربيــــة حيث تكاد تكون الدولــــة ومواطنيها في خدمة الرئيس وحاشـيته على عكس ما ينبغـــــي ويفترض ـ أي الرئيس وحاشيته في خدمة الشعب.

ثانياً: تقاعس الحكومـــات عن التدخـــل من أجـــل مراقبـــة ســـير العمـــــل في مؤسسات وسلطات الدولة.

إن عدم مراقبة تطبيق النظم واللوائح، يؤدي إلى الترهل الاداري، والبيروقراطية المعرقلة لكافة أوجه النشاط الاقتصادي، كما يساعد على تفشي كافة المظاهر المسيئة والمخالفة أصلا للقانون كالرشوة والمحسوبية.

ثالثاً: عدم تمكين ذوي الخبرة من تقلد مناصب صنع القرار، وإقصاء كل من يقف في وجه التيار الانتهازي والمستفيد من الوضع الاقتصادي القائم.

وخير مثال على ما سبق ما وقع في جمهورية غينيا ” عام 1998 م حيث استدعى الرئيس الغيني (لانسانا كونتي) وزير الاقتصاد السابق في دولة ساحل العاج (السيد سيديا توري) وهو مواطن غيني في الأصل اكتسب الجنسية العاجية وارتقي في سلم الدولة حتى عين وزيرا للاقتصاد نظرا لجده ومثابرته وقدراته الاقتصادية، وطلب منه أن يوجد حلول جذرية للمشكل الاقتصادي في بلده الأصلي غينيا،

وبدأ الوزير في العمل فاكتشف أن هناك موظفين متوفين مازالت تصرف رواتبهم، بل ومنهم من جأته ترقيات بالتقادم، وهناك آخرون ثبت مغادرتهم الدولة منذ أمد غير قريب ومازالت مرتباتهم تصرف. واكتشف كثير من مظاهر الغش والتزوير التي أثقلت كاهل ميزانية الدولة لسنوات خلت دون مبرر قانوني أو أخلاقي.

وقد تكالبت مراكز القوة في الدولة على الوزير المستقدم لإنقاذ البلاد والعباد من الأوضاع الاقتصادية المزرية، فعزل من منصبه تحت ذريعة أن اجراءاته التي اتخذها ستثير القلاقل في البلاد! .

رابعاً: وجود الطبقية في المجتمع.

من الملاحظ في غرب افريقيا عموماً احتفاظ المجتمع بتقسيمات اجتماعية عائدة إلى الثقافة الشعبية حيث تعزز، وتجل بعض المهن، وتحقر، وتسخر من بعض المهن فمن المهن التي ينظر إليها بازدراء مهن (الحدادين والدباغين والسقائين (باعة الماء) والرعاة). بينما ينظر باحترام إلى مهن التجارة والوظائف المهنية المكتسبة من التعليم الجامعي كالطب والهندسة والتعليم. وتأخذ مهن كالزراعة منـزلة متوسطة. وقد يتطرف المجتمع فيصل الأمر إلى حد عدم التزاوج بين أرباب هذه المهن.

خامساً: فرض ضرائب باهظة على ممارسي التجارة (وانتشار التعصب القبلي):

من الملاحظات التي تسجل في كثير من دول غرب افريقيا أن مصلحة الضرائب لا يحكمها قانون يمكن أن يساهم في التنمية ففي بعض الدول كبوركينا فاسوا تعتبر مصلحة الضرائب الحكومية أكبر ممول لميزانية الدولة، بينما في دولة كالنيجر تعتبر هذه الجهة من أكبر الأماكن التي تقع فيها المحاباة ونهب أموال الدولة. وخاصة في الأشياء التي تترك للأشخاص العاملين في هذه الجهة تقويم نسبة الضريبة الجمركية كالسيارات والألبسة والآلات باختلاف أنواعها، فإن نسبة الضريبة تكون عكسية مع نسبة الرشوة! وكذلك الحال مع أبناء القبيلة الواحدة فهناك عوامل مهمة لتقليل أو تكثير ما يفرض من ضرائب منها الأصول الاجتماعية والرشوة.

سادساً: تخلف وسائل الانتاج الزراعي في كثير من الدول المعنية وعدم توفر الخبرات الكافية والمناسبة.

مازال الفلاح الافريقي في هذه الدول يستعمل الأدوات الزراعية التي استعملها أجداه، ولا زالت الحيوانات (الأبقار والجواميس، والإبل) هي أهم وسائل الزراعة في إفريقيا الغربية، وقلما تجد المكينة الزراعية التي تعمل في الحقول، ولعل أكثر ما يستعمل من آلات هو آلات ضخ المياه في نيجيريا لرخص سعر الوقود في هذه الدولة.

بينما في كثير من الدول يقوم المزارع باستخدام عائلته وأبناءه في غرس وجني والعناية بمحصوله الزراعي، وهناك ملاحظة جد مهمة وهي أن الزراعة عموما هي فترة واحدة في السنة، حوالي أربعة أشهر وتترك الأراضي الصالحة للزراعة فترة ثمانية أشهر بورا ومرعى لقطعان الماشية.

سابعاً: انتشار البطالة والجريمة المنظمة (العصابات) ـ بيع المخدرات.

نظراً للزيادة السكانية الهائلة التي تتميز بها منطقة غرب افريقيا عموماً والتي تعتبر من أكبر مناطق العالم نموا في عدد السكان، فإن نتيجة ذلك زيادة مطردة في عدد الباحثين عن فرص للعمل، زيادة في المنضمين لصفوف العاطلين عن العمل، وهذا الأمر يؤدي إلى انتشار الجريمة البسيطة أو المركبة (العصابات) وتعاطي المخدرات سواء بتناولها أو ببيعها، وخاصة في بعض الدول التي تحولت فيها البطالة إلى ظاهرة (كنيجيريا، وغانا، والسنغال) ويقابل ذلك فشل حكومي ورسمي في احتواء مشكلة البطالة، أو ايجاد حلولا مؤقتة أو دائمة، تخفف من حدة هذه الأزمة.

ثامناً: ارتفاع قيمة الدين الخارجي للدولة واتجاه كثير من الدول إلى الاقتراض الخارجي.

قد يكون هذا السبب عاما لمجمل دول العالم الثالث، وعلى وجه الخصوص في القارة الإفريقية حيث يولد الانسان الافريقي وهو مديون (بـ 4000 دولار).

ويؤدي ذلك إلى صرف ميزانية الدولة عن مسارها الصحيح إلى خدمة فوائد هذه الديون، مما يؤدي إلى تباطؤ أو توقف عجلة التنمية الاقتصادية في الدولة. يعتبر هذا العامل من اهم العوامل التي تساعد على نبذ الأسباب التي تؤدي الى الفساد داخل الإدارة، وعلى ذلك فعلى الدولة يقع عبء التدخل بتعديل النظم بحيث تصبح صالحة لاستيعاب جميع القوى السياسية التي تعبر عن الحقائق الاجتماعية، حتى يكون هذا الإطار رداءً صالحاً للجسد الوطني،

وبذلك تستطيع تدمير الولاءات الضيقة سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو دينية، وتستبدلها بنماذج جديدة من الولاء الوطني، ومن خلاله تكون الدولة قد أكدت على اهمية احدى القيم التي تؤثر في سلوك الافراد ازاء السلطة والمجتمع، فالولاء الوطني يوفر حافزاً من حوافز الإبداع والتجديد والشعور بالمسؤولية.

إن مهمة بث الانتماء وزرعه في الأفراد يجب أن تتم من خلال المجتمع الذي يمارسها عن طريق مؤسساته المتمثلة في الأسرة والمدرسة والجامعة وبقية المؤسسات الاجتماعية الأخرى كالنقابات والجمعيات ومؤسسات الشباب، كذلك من خلال مؤسسات الحكم الديمقراطية، فقد ثبت أن غياب الديمقراطية وسيادة الأنظمة الاستبدادية من أهم أسباب فقدان الشعور بالمواطنة)

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك