الإثنين - الموافق 12 أبريل 2021م

  تلك المرأة أمي    بقلم: مجدي محفوظ 

نعم.. تلك المرأة الجالسة على ضفاف النهر، تنتظر عطاءه، يتساقط عليها الرطب، لتهدي كل عابر طريق، تمد يداً للحب وفي الأخرى زناد سلاحها، أمهات أرضعن أولادهن العلم، ولم يكتبن ألفاً ولا باء. ولا حرفاً واحداً، لكنهن سطرن ملاحم البطولة والتضحية والعطاء في لوحات شرف الأمم ليضئْن بها العالم، فكنَّ صامدات أمام كل متغيرات الزمن، وجعلن من الصمت حديثاً، ومن الكلمات أنغاماً وترانيم، تفتح أبواباً للأمل.

وحين كنا صغارا حلمنا، ولم تكن أحلامنا الا بقايا ليل طويل، لكنها لا تعرف من الأحلام إلا كلمات تنقشها الأقلام على جدران الصخور، وتحت نخلتها فوق الرمال، ظلت صامدة أمام كل الجُدر العالية، فكانت حطاماً أمام صمودها وقدرتها على مواجهة الصعاب، بإيمان وعزيمة وسط صخب الحياة.
وفي ليله قمرية، تواريت خلف خيمتها المثبتة في جذع نخلة، لأرى صورتها على صفحة النهر تتلألأ مع ضوء القمر، لمحت ظلي، ابتسمت وجلست بجوارها أحدثها عن البيروقراطية والديموقراطية واللبرالية، وإذا بتجاعيد وجها تتلوى، وعيونها شاخصة إليّ، ويدها تقترب من عصا طويلة، فتراجعت للخلف، وعاودني الصمت، ذهبت بعيداً عنها، لأقف خطيباً بين يديها، وبحذر شديد: أماه؛ لسنا أوراقاً انتخابية، أو برامج سياسية، في يد من يتشدقون بسياسة الأوطان أو من يتطلعون للبرلمان، ولا نحن ضرائب في سجل الجباه، وربما نحن مرضي في نظر الأطباء والصيادلة، نود الديمقراطية… ليبراليون نحن أم ماذا؟
 قالت: استغفر ربك.. هو دا علم المدارس؟
لا يا أمي؛ نحن نريد الحرية لقد تغير الزمن.. الديمقراطية.
انا لا أعرف ديمقراطية ولا فنطزيه ؟ وانا بيكم وببلدي محميه، يا وليدي دي أعمال شينه، داخله علينا من عدو عاوز يخرب عقولنا وبلادنا!! أنا كل اللي أطلبه من ربي ومتمنيه تفضل بلادنا رافعه الرأس ومتهنيه، وأنت لازم تقعد حداي كام يوم تكمل علامك، علامك مش في الكتب تلاقيه، علامك بين أهلك وناسك هي اللي تجود بيه!
لكنها أيقنت متى وأين يكون العطاء، سيكتب التاريخ عنك كلمات وكلمات، ويضع تاجاً للوفاء يحمل طوق الحب مع ترانيم الصباح، نعم أنت هناك على ضاف النيل، لكنك تشدو لحناً جميلاً على جبال لبنان الخضراء، لترويها من الفرات، لنأكل ثمارها في الخليج، أنتن من حملتن الماء بجراركن لتسقين الجنود في رمال الصحراء حتى المحيط، فنسمع صدى بنادقهم أنغاماً تدوي في الشام.
لا أستطيع أن أميز بينكن؛ فأنت بهيه، وعلية وصفية وعزيزة، وحصة وشيخة، وبلقيس وأروى، لست أماً واحدة بل أمهات للعرب.
 وحين عدت لدراستي، التقيت مع أساتذتي، قلت: لقد تعلمت كثيراً، فلم أدرك أن التعليم ليس في الكراس فقط، وقلت: بلا ديمقراطية بلا فنطزيه.. بلادنا هي الحب والحنية. وبعد سنوات طوال، عدت لأجلس بجوارها على بساطها الصوفي، الذي حاكته من أوبار أنعامها بيدها زغبة زغبة، وهي تشدو للوطن، قلت لها: أماه حين يتملكنا الشوق لا نجد إلا نخلتك العالية، وخيمتك التي ما زالت ترفرف تحت السماء، وغيمة تجوب السماء يميناً ويساراً لتنعش الارض العطشى.
فما زلت أحن لترابك ومائك وطبيعتك الخلابة، بعيداً عن بلاد الفرنجة، هنا تمازجت خيوط الشمس مع ظل النخيل وقت الغروب، لترسم لوحة على ضفة النهر الخالد، وهي تنشد المارة وتشدو أغاني الوطن على الحان وخشخشة جريد النخيل وحصى الرمال، وما أقساك عليها إذ فارقتها وهي تحبس أنفاسها ودموعها لتهدي من روع بركانها وطوفانها، والحزن على الألم والفراق، وأنت ما زلت تستجدي دموعك، فما أوجع الرؤية في زماننا، فجميعنا يعتقد أنه يمتلك حكمة الأنبياء، وربما رويداً لديه من الطقوس ما يصعده للسماء، أما أنت فقابعة في خيمتك لا تخطين سطرا من الالف أو الباء، لكنك امتلكت الدنيا بأسرها، فمهما مارست الدنيا عليك طقوس الخوف، فها هي يدك ممسكة بزناد سلاحك في وجه كل جبار.
بُنيّ؛ الأمومة حمل ثقيل، ينوء بالرجال، حتى لو رقت قلوبهم، لعلك غادرت وسادتك في بطني، لكنك في قلبي وأوتارك معلقة بي، فأنا هي نفسها بهيه في شمالها وجنوبها.. وهنالك نجيه.. وسنية.. وتريزا.. وعزيزة.. وبلقيس.. وغيرهن من النساء، كلهن أمهاتك، اكتب ما تشاء وكيفما تشاء، وتعلم وتجول فيها، ومع كل حرف وكلمة جملة لم أخطها على ورقي بل نقشتها على جسمي كوشم يؤرخ طول السنين.
بنيّ؛ صنعنا رجالا أقوياء أرضعناهم العزة والكرامة، لنكتب على صفحات الزمن بطولات عظيمة.
وها أنا أتجرع الالآم والذكريات بين أطلال المكان، وحل الصمت بين حكايتنا الصباحية، فلمن أتحدث؟ لمن أحمل بين يدي نبت الأرض الطيبة ليكون لنا غذاء صباحياً جميلاً؟
 نعم!! تلك المرأة… أمي

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك