الثلاثاء - الموافق 05 يوليو 2022م

تحديات الاستثمار مع أفريقيا ..بقلم الدكتور عادل عامر

تلعب الاستثمارات الخارجية دورا هاما في السياسات التنموية للعديد من الدول الإفريقية حيث ترتكز معظم هذه الدول على المساعدات والقروض الخارجية، وتتدخل المؤسسات المالية الدولية من خلال قروض تستهدف المشاريع التنموية في إفريقيا.

غياب الرؤية لدى الدول الإفريقية دفع مؤسسات الاستثمار الدولية إلى العمل على إعداد برامج تنموية تستهدف هذه الدول وتشمل هذه البرامج قطاعات التعليم ، الصحة ، الزراعة ، وغيرها من القطاعات التي تلامس حياة الناس وقد ساهم في نجاح هذه البرامج الدور الرقابي الذي تقوم به هذه المؤسسات على مشاريعها في إفريقيا.

يعتبر الإصلاح الاقتصادي أهم ركائز جذب الاستثمارات الخارجية ، هذا الإصلاح يعرف غيابا واضحا في العديد من الدول الإفريقية ويمنعها من الاستفادة من الاستثمارات الخارجية والقروض الأجنبية. غياب الإصلاح الإداري وسن قوانين تنظيم السوق ومراقبة المشاريع و تطوير قوانين الاستثمار يؤدي كل ذلك إلى ضعف إمكانية الاستفادة من الاستثمارات الخارجية وتوجيهها توجيها صحيحا في مشاريع تخدم المجتمع وتحسن من وضعيته.

بعض الدول الإفريقية استطاعت من خلال تجربة تراكمية بناء منظومة متماسكة واقتصادية قوية ساعدها ذلك في تحقيق إنجازات هامة على مستوى اقتصادها و استقرارها. ويقول خبراء التنمية التابعين للأمم المتحدة أن أهم تحديات تواجها إفريقيا في مجال التنمية هو الاستقرار والإصلاح الاقتصادي وتركيز الدول على مواجهة هذه التحديات يشكل مفتاح النجاح لها في المستقبل.

في أي اقتصاد تعلب البنية التحتية دورا أساسيا في عملية التنمية الاقتصادية وذلك بما تساهم به من تسهيل في عملية نقل الناس والبضائع وربط مختلف مناطق البلاد بالطرق والقطارات إضافة إلى الموانئ والمطارات، وتشير إحصائيات البنك الدولي حول سياسات الاستثمار في إفريقيا إلى أن الدول الأفريقية التي تمتلك بنية تحتية قوية تمتلك فرصا أكثر في الحصول على الاستثمارات الخارجية مقارنة بالدول التي تمتلك بنية تحية هشة أو ضعيفة،

حيث أن معايير منح الاستثمارات تأخذ في الاعتبار مستوى البنية التحية في البلد المستهدف بهذه الاستثمارات. لذلك فإن خبراء التنمية ينصحون الدول الإفريقية بالتركيز على تطوير بنيتها التحية حيث أن ذلك يجعلها أكثر جذبا للاستثمارات الخارجية ويمنحها فرصة للاستفادة من هذه الاستثمارات.

إضافة إلى تطوير البنية التحتية ودوره في قدرة الدولة على جذب الاستثمارات هناك أيضا ضرورة قصوى لتطوير وتنمية بيئة الاستثمار حيث أن العمل على تطوير العمل الإداري وتحسين كفاءته وسرعته يسهم بشكل كبير في جذب المستثمرين ومنحهم بيئة ملائمة لنشاطاتهم التجارية.

إفريقيا القارة الفتية ذات الأرض الغنية، تعتبر وجهة للاستثمارات الخارجية من مختلف المؤسسات المانحة والدول الصناعية حيث تسعى هذه الدول والمؤسسات إلى الاستفادة من ثروات هذه القارة وهي ثروات لا يمكن للدول الإفريقية الاستفادة منها نتيجة انعدام الوسائل اللوجستية والمادية وغياب الخبرة العلمية وارتفاع تكلفة الإنتاج ، تستقطب هذه الدول قروضا ضخمة تصل مليارات الدولارات إلى أن الاستفادة من ريع هذه الاستثمارات

يبقى ضعيفا جدا في غالبية الدول الإفريقية والسبب حسب خبراء التنمية هو انتشار الفساء وغياب الرقابة وفوق ذلك كله غياب الرؤية الطموحة للتنمية والإرادة القوية في الإصلاح .

أن مصر منذ إطلاق رؤيتها للتنمية المستدامة في 2016؛ وهي لم تدخر جهدًا في إصلاح اقتصادها وتحسين بيئة الأعمال بها. فإن مصر ظلت في مقدمة الدول المتلقية للاستثمار الأجنبي المباشر في أفريقيا للعام الخامس على التوالي في 2020/2021 حيث بلغت 5.9 مليار دولار، وهو ما يمثل 53٪ من الاستثمار الأجنبي المباشر الموجه إلى شمال إفريقيا. أن الاستثمار الأجنبي المباشر زاد في الربع الأول من عام 2021/2022 بنسبة 4٪ ، مع زيادة الاستثمار الداخلي في القطاعات غير البترولية بنسبة 28٪، بما في ذلك الصناعة والخدمات المالية والبناء وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات،

وجدير بالذكر أن المملكة المتحدة تمثل 34٪ من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر تليها الولايات المتحدة. تمتلك مصر إمكانات هائلة بفضل تعداد سكانها البالغ حوالي 100 مليون نسمة وموقعها الجغرافي الذي يتيح مدخلاً ممتازاً للأسواق الأجنبية المهمة. غير أن التنمية الاقتصادية ظلت مكبوحة بسبب تركة السياسات الاقتصادية المنغلقة، وضعف الحوكمة، والدور الكبير الذي تقوم به الدولة في النشاط الاقتصادي والذي أسفر عن سوء توزيع كبير للموارد.

ومع ما يشهده الاقتصاد من تقدم نحو الاستقرار، تواجه مصر تحدي تحديث الاقتصاد لتحسين الاستفادة من إمكاناتها المتاحة. ومن العناصر الضرورية في عملية التحديث ضمان أفضل تخصيص للموارد من أجل توليد نمو أعلى، وإزالة التشوهات السعرية التي تعوق الأسواق عن العمل بكفاءة. تمثل وفرة الموارد الطبيعية الإفريقية أحد أهم عوامل جذب الاستثمارات في إفريقيا؛ حيث تحتل الدول الإفريقية ثلثي الأراضي الزراعية في العالم نتيجة توفر مصادر متعددة للمياه، كما يتوفر بها العديد من المعادن مثل البلاتين والكروم والمنجنيز في أكثر من 19 دولة إفريقية،

كما يتوفر الذهب في مالي، وغانا، وإريتريا، وإثيوبيا، ورواندا، وزامبيا، وناميبيا، وجنوب إفريقيا، وزيمبابوي، وشرق السودان. ويتوفر الماس في أنجولا، وبتسوانا، والكونغو الديمقراطية، وجنوب إفريقيا، وناميبيا. ويتوفر النحاس في زامبيا، والسودان، والكونغو. كما يتوفر النفط والغاز والفحم في حوالي 46 دولة إفريقية، حيث تمتلك إفريقيا وحدها نحو 124 مليار برميل من احتياطي النفط، أي بنسبة 12% من نسبة الاحتياطي العالمي.

ومن جهة أخرى، يمثل التنوع البيئي والبيولوجي أحد محفزات جذب الاستثمار إلى قارة إفريقيا؛ إذ تمثل قارة إفريقيا ثاني أكبر قارات العالم من حيث عدد السكان، بما يعني توفر عنصر العمل اللازم للنشاط الاقتصادي، وكذلك توفر عنصر الطلب على السلع والخدمات. كما تتعدد مصادر المياه من أمطار وأنهار وبحيرات، وتتوفر الأراضي الزراعية وتتنوع بين المناطق الاستوائية والسافانا وحوض البحر المتوسط، بالإضافة إلى مناطق الصحراء التي يمكن استغلالها في زراعة التمور والقطن، فضلًا عن توافر الثروة السمكية في غرب إفريقيا.

وتساعد الزراعة في إفريقيا على قيام صناعة الأخشاب التي تسهم بنحو 6% من إجمالي الناتج الداخلي للقارة الإفريقية، وتتوفر جودة عالية من الأخشاب تتركز في كلٍّ من إفريقيا الوسطى والجابون والكونغو والكاميرون، ويتم تصدير هذه الأخشاب إلى عدة دول كالاتحاد الأوربي، وإسرائيل، واليابان.

وأحد عوامل جذب الاستثمارات في إفريقيا يتمثل في كونها منطقة ناشئة مليئة بالخيرات التي لم تستغل حتى الآن، بخلاف أسواق الهند والصين التي لم تعد أسواقًا ناشئة. وتتميز القارة الإفريقية بتنوع الفرص الاستثمارية بها، حيث تتنامى فرص الاستثمار في قطاع النفط والطاقة في شمال إفريقيا، في حين أن قطاع الصناعات التعدينية هو الأفضل للاستثمار في جنوب إفريقيا. على عكس منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى التي لا تزال غير جاذبة للاستثمار، وتشمل اقتصاديات أقل نموًا.

على الرغم من تعدد الفرص الاستثمارية بالقارة، إلا أن عدم توفر خريطة استثمارية متكاملة توضح مختلف المجالات المتاحة للاستثمار يؤثر على معدلات الاستثمار. ويمكن استغلال جائحة كورونا وما ترتب عليها من إعادة تشكيل أولويات الاستثمارات، وإظهار الأهمية النسبية لبعض القطاعات دون غيرها في إعداد الخريطة الاستثمارية الإفريقية وفقًا لمتطلبات العصر الحديث، مع التركيز على قطاع الصحة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات،

وكذلك قطاع النقل واللوجستيات من خلال توجيه الاستثمارات إلى تطوير الموانئ القائمة، وإنشاء موانئ أخرى لتسهيل حركة التجارة، خاصة في ظل وجود نحو 16 دولة إفريقية حبيسة (من بين 55 دولة) لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق موانئ الدول المجاورة. وكذلك، هناك ضرورة ملحة لتطوير شبكة بطرق برية ومواصلات سكك حديدية، ودعم المجال الجوي المرن لتسهيل حركة الطيران في القارة. ومن جهة أخرى، فمع توفر الموارد البشرية بالقارة الإفريقية،

إلا أنه يلزم إصلاح منظومة التعليم والصحة، وتطوير سياسات الحد من الفقر لرفع كفاءة العنصر البشري والحد من هجرة أبناء القارة. أما عن التحديات المتعلقة بتوفير التمويل اللازم لتمويل أهداف أجندة إفريقيا 2063، فيجب العمل على تنويع مصادر التمويل من خلال القطاع المصرفي الإفريقي ومؤسسات التمويل الإفريقية والدولية والقطاع الخاص الإفريقي، وتسخير الموارد المحلية لتوليد فوائض تمويلية لمشروعات البنية التحتية لخلق بيئة مواتية للأعمال والاستثمار.

وعلى صعيد آخر، يجب على دول القارة اللحاق بالثورة الصناعية الرابعة، ووضع استراتيجية لتحفيز الاستثمار في المجال الصناعي بالقارة، وبناء سلاسل التوريد التي تُمكن البلدان من تخفيض اعتمادها على الواردات، وتعزيز قدرتها على المنافسة في السوق العالمية. كما ينبغي تحقيق التكامل بين دول القارة في مجال الصناعة،

ويُعد التكامل الإقليمي هدفًا رئيسيًا في استراتيجية 2063، لذا يجب التركيز على المشروعات التي تحقق التكامل والترابط بين دول القارة لتحقيق تلك الأهداف. ومن جهة أخرى، فإن فرص نجاح الشركات الناشئة في القارة الإفريقية مرتفعة نسبيًا، نظرًا لعدم وجود العديد من القوانين المنظمة للأعمال، وانخفاض حدة وصرامة تنفيذها، الأمر الذي يطلق عليه الفوضى المنظمة، وقد نجح بها العديد من رواد الأعمال في مجالات متعددة، الأمر الذي يتطلب دعم وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال.

وفي إطار الدور الريادي للدولة المصرية في دعم الاقتصاد الإفريقي، قامت مصر بالعديد من الجهود لدعم وتعزيز الاستثمارات في إفريقية، وخلق بيئة استثمارية جيدة بالقارة، وتمثيل القارة الإفريقية في المحافل الدولية على نحو يساعد على جذب الاستثمارات الأجنبية، فضلًا عن تقديم كافة سبل الدعم السياسي والمعنوي للدول الإفريقية لمواجهة التحديات التي تؤثر على جذب وتدفق الاستثمار. وتتطلع مصر لمزيد من الشراكات مع القارة الإفريقية في قطاعات اقتصادية المختلفة، وقد جاء منتدى وكالات ترويج الاستثمار في إفريقيا المنعقد في مصر في يونيو 2021 ليؤكد على دور مصر في تعزيز فرص الاستثمار في القارة الإفريقية،

وتدعيم سبل تعزيز التبادل التجاري وتحقيق التكامل بين الاقتصادات الإفريقية. وقد تم الإعلان عن منح الصادرات المصرية لأسواق دول القارة الإفريقية نسبة 50% إضافية من نسبة المساندة الأساسية للصادرات، مع تحمل نسبة من تكلفة الشحن لإفريقيا لجميع الصادرات -عدا السلع المستثناة- بنسب متدرجة تتراوح بين 50 إلى 80%. كما تم التوقيع على مذكرتي تفاهم بين كل من مصر والسودان وجنوب السودان من أجل تعزيز التعاون وتهيئة البيئة لتشجيع الأعمال والاستثمار.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك