الثلاثاء - الموافق 13 أبريل 2021م

تأثير الفساد على النواحي السياسية في مصر بقلم :- الدكتور عادل عامر

عادل عامر

كشفت دراسة حديثة صدرت عن جامعة القاهرة مؤخرا، عن ارتفاع نسبة مخالفات البناء فى السنوات الأخيرة بشكل غير مسبوق ، حيث توصلت الدراسة إلى أن 90% من مبانى مصر مخالفة بسبب فساد المحليات ويتركز معظمها فى القاهرة ، حيث وصلت المبانى المخالفة فى عين شمس مثلا لـ96% .

تشير الدراسة إلى أن فساد المحليات سبب إنهيار المبانى والعقارات، حيث شهد عام 2010 أسوأ حالات الانهيار ، وهى عمارة لوران بالإسكندرية التى إنهارت ، كوارث إنهيار العقارات أصبحت بشكل يومى وقرارات الإزالة لا يتم تنفيذها، هناك 57 ألف قرار إزالة فى الإسكندرية وحدها ولم يتم تنفيذ أى منها ، الفساد إنتشر بشكل سرطانى فى وزارة الإسكان، الفساد فى المحليات نجده منعكسا حتى على نظافة الشوارع ، ويحتل الفساد فى المحليات الصدارة فى عدد وحجم قضايا الفساد مقارنة بالهيئات والأجهزة الحكومية الأخرى خاصة فى الإدارات الهندسية والإدارات التى تتعامل مع الجماهير، فيما يرجع الفساد فى المحليات لعدة أسباب وهى :-

    إزدواجية الإشراف على الأجهزة التنفيذية بالمحليات . صعوبة حصول المواطن على التراخيص من خلال الطرق المشروعة .    عدم وجود شروط متخصصة لمخالفات البناء .    ضعف أجور الموظفين ومهندسى الأحياء مما يفتح الباب أمام الرشوة والمساومات وهجرة الكفاءات الهندسية من العمل بالمحليات هربا من المسئولية .    تضارب القوانين والتشريعات وتعددها مما يسهل إختراقها .    سيطرة البيروقراطية على المحليات وإنشاء حسابات خاصة لبعض أنشطة المحليات بعيدا عن موازنة الدولة مما ساعد على انتشار الفساد وإهدار المال العام .    إستغلال المسئولين لمناصبهم والتى تسببت فى نشر الفوضى .

    الفساد يكبد الإقتصاد المصرى خسائر تصل إلى 50 مليار جنيه سنويا، حيث كشفت دراسة حديثة أن تفاقم الفساد قبل ثورة يناير تسبب فى إلحاق خسائر بالإقتصاد تصل إلى 50 مليار جنيه ، كما تراجع ترتيب مصر بسبب الفساد ، فى تقرير التنافسية لعام 2011 للمركز 81 فضلاً عن هروب رءوس الأموال الأجنبية والوطنية نتيجة المعاناة فى إجراءات إنشاء المشروعات وتحميل تكلفة المشروعات بالرشاوى ، مما يؤدى إلى إرتفاع التكلفة الاستثمارية لها، فضلا عن عجز موارد الدولة نتيجة للتهرب الضريبى والجمركى والركود الإقتصادى وانخفاض الصادرات لارتفاع تكلفة المنتج المحلى .

    الفساد الإداري في المؤسسات الحكومية منتشر جداً ، فالحكومة مسئولة عن إدارة شئون العامة ورعاية مصالح الدولة والأفراد في حدود القانون ، كما هو معروف فهي تضطلع بهذه الأعباء عن طريق موظفيها في الجهاز الإداري للدولة والتي تعهد إليهم بإدارة هذه الشئون ورعاية تلك المصالح، إلا أن ظاهرة الفساد أصبحت منتشرة في كافة مؤسسات الدولة الحكومية ، مما أصبح عبئاً ثقيلاً على المواطنين إلى الدرجة التي اعتاد فيها بعض الموظفين الإداريين على الفساد الذي بات أحد مقوماتهم الأساسية وشرطاً أساسياً للقيام بأعمالهم ، والسبب الرئيسي للقيام بذلك هو ضعف المرتبات وعدم التوزيع العادل في المرتبات وفروق التباين بين صغار وكبار الموظفين، وسوء اختيار القيادات الحكومية واعتماد توليهم تلك المناصب على الوساطة والمحسوبية .

يوجد 51 ألف قضية فساد في المؤسسات الحكومية حققت فيها النيابة الإدارية خلال عام 2012. الأمر ليس مقتصراً على الفساد الإدارى فقط داخل المؤسسات ولكن المالى أيضا، حيث إختلطت البيروقراطية بالفساد الإدارى واتسمت المؤسسات الحكومية بالبطء الشديد فى إتخاذ القرار وتعطيل مصالح المواطنين من أجل الحصول على الرشوة نظراً لضعف الأجور والمحاباة فى التعيينات والترقيات ، فأصبحت البيروقراطية المصرية مقرونة بالفساد الإدارى، والذى تسبب فى تأخير التعليم والبحث العلمى والصحة والإقتصاد والصناعة والتجارة والسياحة ، وتسبب أيضا فى إهدار أموال الدولة التى تتجه للمشروعات القومية . أمر الفساد الإدارى ولابد من التعامل معه سواء من خلال رقابة أولية داخل المؤسسات نفسها أو رقابة خارجية من خلال جهاز المحاسبات والرقابة الإدارية ، وتحسين الأجور وإنشاء مكاتب متخصصة للشكاوى ، وتفعيل القوانين واللوائح الخاصة بالفسادين الإداري والمالي .    الفساد فى المؤسسات الحكومية يتخذ عدة أنماط ومستويات عديدة ، “فساد القمة” وهو الفساد الخاص بالرئيس والمسئولين والوزراء ، وأصبحت السياسة المتبعة من الحزب الحاكم ومن حوله من مجموعة من المنتفعين الرامين لتحقيقها ، “فساد القاع” ويشمل صغار الموظفين فى الحكومة وخاصة الموظفين فى القطاعات الخدمية وأصبح ما يسمى “الإكرامية والشاى” كما يطلق عليها الموظفون تعاملاً أساسياً فى أى جهة حكومية يتعامل معها المواطن ، بالإضافة إلى إنتشار جميع أنواع الفساد سواء فساداً سياسياً أو إدارياً أو مالياً أو إقتصادياً ، فالفساد السياسى يكمن فى إستخدام النفوذ السياسى لحزب أو شخص أو جماعة لتحقيق مكاسب سياسية ، منها البقاء فى السلطة أطول فترة ممكنة وتزوير الإنتخابات وشراء أصوات إنتخابية .

أما الفساد الإقتصادى فهو التلاعب بالقوانين والنظم الحاكمة للنشاط الإقتصادى فى الدولة لتحقيق مكاسب خاصة لشخص أو فئة معينة من الأشخاص وأهم صوره الإحتكارات الإقتصادية والتلاعب فى البورصة .

فيما يكمن الفساد المالى فى التهرب من الضمانات التى تحكم التصرف فى القطاع المالى والتحايل عليها لتحقيق مكاسب خاصة ومن أهم صوره القروض بدون ضمانات وتهريب الأموال خارج الدولة .

الفساد التشريعى يحدث عندما تستغل السلطة التشريعية لإصدار قوانين تخدم مصالح معينة لأشخاص معينين أو فئات على حساب الصالح العام ، كل تلك الأنواع السابقة موجودة فى مصر.    ألقى الفساد بظلاله على جميع مؤسسات الدولة وأدى إلى تعطيل عجلة التنمية ، حيث تحول الفساد من مجرد إنحرافات شخصية آخذة فى الاتساع ، إلى بنية مؤسسية متكاملة من خلال مجموعة من الآليات مثل وجود سياسات ممنهجة لإفساد المؤسسات الأساسية فى المجتمع وأفرادها .

ثقافة الفساد :-

المجتمع المصرى تقبل صور الفساد وأصبح عنده إمكانية للتعايش معه، فالفساد عام فى مصر سواء فساد السلوك السياسي أو تغلغل الفساد فى كافة الأجهزة الحكومية إلى الحد الذى نستطيع أن نقول فيه إن ثقافة الفساد منتشرة وبدأت تتغلغل فى كافة نواحى الحياة فى مصر ، فهناك اقتناع بوجود الفساد والتعايش مع صوره وأنماطه المختلفة بل وإفساح المجال لها. المواطن يتوقع الفساد فى كافة تعاملاته اليومية حتى بات الفساد ظاهرة طبيعية ، فتهاون النظام الإجتماعى بأكمله مع حالات الفساد جعلها ثقافة مقبولة .

أسباب الفساد :-

أسباب الفساد فى مصر عديدة ومتنوعة، منها ما هو متعلق بالهيكل التنظيمي والمؤسسي ومنها ما هو متعلق بالإطار التشريعي والقانوني ، ومنها ما له علاقة بالثقافة المجتمعية ، وتلك الأسباب منها :-

    ضعف الرادع القانونى وسيادة القانون، وسيادة القانون تعنى أن يطبق القانون على كل المواطنين سواء حكاما أو محكومين ، أغنياء أو فقراء ، وهو ما لا يحدث فى مصر، حيث لا إحترام لسيادة القانون بشكل كبير ويتم إنتقاصها بممارسات مثل إصدار القوانين لصالح فئة معينة، حيث وصل الأمر إلى حد صياغة قوانين لخدمة بعض الأشخاص على حساب الصالح العام ، مثل قانون منع الممارسات الإحتكارية . إننا هنا أمام ما يطلق عليه إقتناص الدول State capture ، حيث وصل المفسدون من القوة والنفوذ لدرجة أن قوانين الدولة لم تعد تمثل عائقا أمامهم لإرتكاب الفساد ، يستطيعون أن يعيدوا تشكيل القوانين لخدمة مصالحهم لتصل إلى ما يسمى “الفساد بالقانون”Corruption law وليس الفساد بمخالفة القوانين Corruption against law ، فضلاً عن التنفيذ الانتقائى للقوانين أى أن القانون لا يطبق بالتساوى على الجميع وتحميه عوامل النفوذ السياسى والقدرة المالية ، ومن الشواهد على ذلك حادثة العبارة “السلام” فى البحر الأحمر فى  2006 ، والتى أودت بحياة أكثر من 1000 شخص ، كما أن إجراءات المحاكمة والتحقيق فى جرائم الفساد تستغرق فترة زمنية طويلة قد تصل إلى عشرات السنين ، مما يضعف من قوة ردع القانون.

    الهيكل التنظيمى قد يكون أحد أسباب الفساد لما يحتويه من عيوب وكذلك أساليب إدارة المؤسسات الحكومية ، كما أن عدم تحديد المهام والواجبات بدقة فى الجهات الحكومية قد يكون أحد أسباب فساد تلك المؤسسات بسبب أن الهياكل التنظيمية للمؤسسات تم إعدادها منذ فترة طويلة ولم يتم مراجعتها أو تحديثها بإستمرار مما يجعلها لا تعكس حقيقة ما يحدث على أرض الواقع ، وهناك تداخل كبير فى الإختصاصات بين الجهات الحكومية وداخل كل جهة وبالتالى تصبح المسئولية مفرّقة بين أكثر من شخص داخل المؤسسة، فضلاً عن أن الكم الهائل من القوانين واللوائح والكتب الدورية التى تحكم العمل فى الجهات الحكومية يؤدى إلى نوع من التشتت فى العمل الحكومى ، بحيث لا يعرف المواطن بالتحديد أى قرار يطبق وأى لائحة يتبع وكذلك أيضا تشتت المسئولية عن المخالفات .

إذن تتلخص أسباب الفساد فى البيروقراطية الحكومية وتعقد إجراءاتها كما ذكرنا من قبل،  تطويل الإجراءات الحكومية بشكل كبير يسمح بإبتزاز المتعاملين مع الجهاز الحكومى وإجبارهم على دفع الرشاوى، الرقابة الذاتية فى المؤسسات الحكومية وهى رقابة تمارسها تلك المؤسسات على نفسها عن طريق إدارات متخصصة داخلها للمتابعة والتفتيش المالى والإداري ، لكن غياب التفتيش والتقصير يسود تلك الإدارات حيث تفتقر الآليات اللازمة لمنع الفساد، ضعف الأجور والمرتبات وعدم عدالة توزيعها وعدم ربط الأجور المتغيرة بالأداء والنزاهة كلها من أسباب الفساد ، فضلا عن ضعف القيمة الحقيقية للمرتبات ، ففى كثير من الأحيان لا تكفى لتوفير الحياة الكريمة للموظف حيث تتراوح المرتبات فى الدرجات الدنيا ما بين 300 و400 جنيه شهرياً ، مع معدل تضخم أكبر بكثير.

فى دراسة أجرها مركز الأهرام للدراسات السياسية على 1400 حالة موزعة على المحافظات ، وجد أن 88% من المواطنين يرون أن انخفاض الأجور والمرتبات أحد أسباب الفساد ، والموظفون يقبلون الرشاوى بحجة أن مرتباتهم لا تكفى لإطعام أولادهم .

    هناك أسباب تتعلق بالمالية العامة للدولة ومنها صعوبة فهم الموازنة العامة، فهى متاحة لمن يريد الاطلاع عليها وعلى كافة الإيرادات العامة ومصادر الحصول عليها، إلا أن من الناحية الواقعية هناك نقد موجه إلى الكيفية التى يتم نشر الموازنة العامة بها ، حيث تتصف بالغموض وتحتاج إلى شخص ذى مهارة عالية لفهمها مما يقلل من فاعلية رقابة المواطنين والمؤسسات غير الحكومية عليها ، فضلا عن عدم خضوع الصناديق الخاصة للموازنة العامة ورقابة الجهاز المركزى للمحاسبات والتى تصل أموالها إلى 1272 مليار جنيه وفقا لتقدير الجهاز المركزى للمحاسبات ، بينما 20% فقط من إيرادات الدولة من ضرائب وعوائد قناة السويس والبترول والهيئات الاستثمارية تذهب للموازنة العامة أما 80% صناديق خاصة تذهب أموالها فى نشر التهانى والتعازى ومكافآت لبعض العاملين.

أساليب منح القروض فى البنوك العامة تحتاج إلى تغيير بسبب ما شهده قطاع البنوك فى مصر من تجاوزات كبيرة، كما أن من صور الفساد المالى أيضا والتى كانت متعلقة بالعيوب التى تشوبه هى أن المصرف العربى الدولى الذى تم إنشاؤه عام 1974 لم يكن يخضع لرقابة البنك المركزى ، وكانت تحوم حوله الشبهات أيام الثورة وضلوعه فى تهريب أموال رجال مبارك ولذلك تم إخضاعه لرقابة البنك المركزى عام  2012.

    البيئة الثقافية والإجتماعية لديها قبول للفساد كما ذكرنا سابقاً، كما أن الطبقية والفئوية السياسية فى القرارات العامة من تعيين أبناء العاملين والفساد المؤسسى والطبقية الاجتماعية والنفوذ السياسى وأبرز دليل على ذلك تعيينات الشرطة والقضاء والسلك الدبلوماسى .   الإطار التشريعى المتعلق بمكافحة الفساد ملىء بالعيوب التى تجعله غير فاعل بالقدر الكافى ومنها عدم حمايته للشهود والمبلغين عن الفساد ، عدم وجود إطار قانونى يسمح بالوصول إلى المعلومات ، عدم وجود إطار قانونى شامل لمنع التضارب فى المصالح.

    المؤسسات المعنية بمكافحة الفساد فى مصر يشوب تنظيمها عيوب تقلل من فاعليتها على الرغم من كثرة الأجهزة الرقابية ، تلك المؤسسات لا تعمل بالكفاءة المنوط بها عملها وضعف تلك المؤسسات على الرغم من كثرتها يعود إلى عدة أسباب:-

    عدم المعرفة الكافية بالجهات الرقابية، فعلى الرغم من تعدد الأجهزة الرقابية فى مصر إلا أنها ليست معروفة لدى جميع المواطنين ، ففى دراسة أجراها مركز العقد الاجتماعي عام 2009 بين أن 4% فقط هم من لديهم معلومات عن الهيئات الرقابية .

    الأجهزة الرقابية غير مستقلة حيث تتبع جميع الأجهزة التنفيذية مما يؤثر على استقلاليتها باعتبار أن السلطة التنفيذية سوف تكون هى المراقب ومُراقبه فى نفس الوقت مما يخالف المبادئ الرقابية السليمة ونجد أن الجهاز المركزى للمحاسبات يتبع رئاسة الجمهورية ، والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة يتبع رئاسة مجلس الوزراء ، هيئة الرقابة الإدارية تتبع رئاسة الوزراء ، هيئة النيابة الإدارية تتبع وزارة العدل، إدارة الكسب غير المشروع تتبع وزارة العدل ، جهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكارات يتبع وزارة التجارة والصناعة ، جهاز حماية المستهلك يتبع وزارة التجارة والصناعة ، هيئة الرقابة المالية الموحدة تتبع رئاسة الوزراء .

    ضعف سلطات بعض الأجهزة الرقابية ، فالعديد من الجهات الرقابية ينقصها السلطات القانونية التى تمكنها من أداء مهامها على أفضل وجه ، كما أن تقارير تلك الأجهزة مفروض عليها سرية تمنع الرأى العام من الاطلاع عليها وممارسة المواطن دوره الرقابى ، وبعض تلك الأجهزة تتداخل اختصاصاتها وضعف التنسيق فيما بينها.

    ضعف الرقابة البرلمانية والمجالس الشعبية والمحلية:- رقابة البرلمان لم تكن فاعلة قبل الثورة بشكل جدى فى مواجهة الفساد، نظراً لأن أعضاءه كانوا يأتون بالتزوير وتابعين للحزب الحاكم ورجال النظام الفاسدون أنفسهم كانوا أعضاء فى البرلمان ورؤساء لبعض اللجان داخله ، كما أن السلطة التنفيذية كانت تتدخل فى عمل السلطة القضائية والتشريعية مما أدى إلى ضعف فاعلية القضاء فى قضايا الفساد .

 

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك