الأربعاء - الموافق 15 أغسطس 2018م

الولاية في الزواج بقلم :- الدكتور عادل عامر

أخذ القانون المصري بالمذهب الحنفي، الذي أجاز للمرأة البالغة العاقلة سواء أكانت بكرًا أم ثيبًا أن تباشر بنفسها عقد زواجها استقلالاً عن وليها، مع جواز أن توكل غير وليها في زواجها، بل وأن تباشر عقد زواج غيرها، مثال ذلك ما قضت به محكمة النقض في حكم لها -بتأصيل ذلك الحق-في الطعن رقم 194 جلسة 19-10-1998م.

وقد نصت المادة الثالثة من القانون رقم (1) لسنة 2000 على أنه: “يعمل فيما لم يرد بشأنه نص في قوانين الأحوال الشخصية بأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبي حنيفة” أن الراجح في المذهب الحنفي -وفقًا لرأي أبي حنيفة وأبي يوسف-أنه إذا تزوجت المرأة البالغة بدون إذن وليها، فإن العقد يكون صحيحًا سواء أكانت بكرًا أم ثيبًا، ويكون نافذًا ولازمًا متى تزوجت كفئًا على صداق مثلها أو أكثر رضي الولي أو لم يرض.

أما جمهور العلماء فقد ذهبوا إلى أنه لا يصح تزويج المرأة بغير ولي، قال تعالى:(وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ والصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وإمَائِكُمْ) [النور:32]، وقال تعالى: (ولا تُنكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا) [البقرة: 221] وقال تعالى:(فَانكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أَهْلِهِنَّ) [النساء:25] وفي هذه الآيات الثلاث الدلالة على إسناد الإنكاح إلى الأولياء.

ووجه دلالة قوله تعالى: (فَلا تَعْضُلُوهُنَّ)) في الآية: ((فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) [البقرة: 232]، وفي ذلك قال البخاري: “ولولا أن له حقًا في الإنكاح ما نهى عن العضل”، وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”‏أَيُّمَا امْرَأَةٍ أنَكَحَتْ نَفْسَها بِغَيْرِ إِذْنِ ‏وَلِيِّهَا ‏ ‏فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ ‏ ‏وَلِيُّ ‏ ‏مَنْ لَا ‏ ‏وَلِيَّ ‏ ‏لَهُ ” [أخرجه الخمسة إلا النسائي وصححه ابن حبان والحاكم وذكر له طرقًا]. وعن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”‏لَا نِكَاحَ إِلَّا ‏ ‏بِوَلِيٍّ ” [رواه الخمسة، وصححه ابن المديني وقال ابن المنذر وأبو عمر بن عبد البر وغيرهما]، وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “‏لَا نِكَاحَ إِلَّا ‏ ‏بِوَلِيٍّ ” وقال الحاكم: “وقد صح الرواية فيه عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش ثم سرد تمام ثلاثين صحابيًا “. اهـ

وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا بجواز نكاح المرأة بغير ولي وحجتهم في ذلك حديث:” الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا”. ولا حجة لهم في ذلك لأن المراد أنه لا يجوز تزويجها بغير رضاها كما أجاب بذلك غير واحد، وهذا في غاية الظهور. أما الأم والأخوال “فليسوا من الأولياء مطلقًا، ولا يصح تزويجهم، لما تقدم من الأدلة في المسألة قبلها، ما يظهر منه أن الأولياء هم العصبة خاصة”. (صادرة عن الإفتاء 491 في 1377 هـ).

لأدلة جمهور أهل السنة، على أن النكاح لا يصح إلا بولي: “الزواج عقد خطير دائم، ذو مقاصد متعددة، من تكوين أسرة، وتحقيق استقرار وغيرها، والرجل بما لديه من خبرة واسعة في شئون الحياة، أقدر على مراعاة هذه المقاصد، أما المرأة فخبرتها محدودة، وتتأثر بظروف وقتية، فمن المصلحة لها تفويض العقد لوليها دونها.”

ونرى أن في اشتراط موافقة الولي تكريم للمرأة وإعزاز لها وحيطة من انسياقها وراء عاطفتها وتوقية لجانبها في مواجهة الرجل، وقد وضع الإسلام عدة ضوابط لاستعمال حق الولي، فحرم عليه العضل أي الامتناع عن التزويج دون مبرر مقبول، وأمره باختيار الأحسن والأفضل صاحب الخلق والدين.

ينعقد الزواج بإرادة المرأة البالغة العاقلة الرشيدة وحدها، ويفضل اجتماع رأيها ورأي الولي لاختيار الزوج الكفء، وللولي في عقد الزواج شروط هي:

1-يشترط في الولي العقل والبلوغ وإكمال الأهلية – وبعضهم يشترط الذكورة – فلا تصح ولاية الصغير ولا المجنون ولا المعتوه ولا فاقد التعبير عن الإرادة والوعي.

2-أ، يكون الولي متحداً في الدين مع المولى عليه، وعليه لا تصح ولاية لغير المسلم على المسلم ولا المسلم على غير المسلم وبالأخص في عقد الزواج.

وقاعدة اتحاد الدين لا تشمل القاضي – الذي يُعد ولي من لا ولي له – لأن ولايته عامة وليست خاصة ، بيد أنه ليس له أن يزوج من له الولاية عليه من نفسه ولا من أصله ولا من فروعه .ولما كانت الولاية تثبت للأولياء الأقرب فالأقرب ، فإن القاضي يستطيع أن يفصل في قبول ولاية إلا بعد إذا غاب أو فقد أو منع (عضل) الولي الأقرب ، وكانت مصلحة للمخطوبة في عقد زواجها ، الزوج كفء والمهر المثل ويخشى فوات الفرصة المناسبة .هذا ويلاحظ أن قانون الأحوال الشخصية لم يأخذ بالولاية على الكبيرة بل منع تدخل حتى الأب وعاقب الإكراه على الزواج أو منعه في المادة التاسعة التي صدرت بالتعديل الثاني رقم (21) لسنة 1978 . الحكمة من شرط الولاية في الزواج: وهناك حكمه ” فلسفه” تكمن خلف إيجاب التشريع الإسلامي شرط الولاية كشرط للزواج تتمثل في الاتي:

أولا: فلسفه اجتماعيه تتجاوز النزعات الفردية والجماعية: أن الفلسفة الاجتماعية الإسلامية ترفض كل من:

أولا: النزعة الجماعية التي تتطرف في التأكيد على وجود الجماعة لدرجه إلغاء وجود الفرد (كما في المذهب الهيجلي والماركسي والوضعي الاجتماعي في الفلسفة الاجتماعية الغربية)، روى الترمذي في سننه عن حذيفة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا)،

ثانيا: النزعة الفردية التي تتطرف في التأكيد على وجود الفرد لدرجه إلغاء وجود الجماعة (كالمذهب الوجودي والليبرالي والفوضوي في الفلسفة الاجتماعية الغربية)،

قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) (عليكم بالجماعة فإن الذئب لا يأكل من الغنم إلا القاصية) (رواه أبو داود وحسنه الألباني)، وتقوم على فلسفه اجتماعيه توازن بين الجماعة والفرد من خلال جعل العلاقة بينهما كعلاقة الكل بالجزء يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه، قالَ الرَسُولُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى (

ثانيا: السلوك عقد” اجتماعي ” وليس فعل” فردى”: بناءا على ما سبق ترى الفلسفة اجتماعيه الإسلامية أن أي سلوك للإنسان ليس فعل فردى “مجرد من أي التزام اجتماعي “-كما في الليبرالية – بل هو عقد ” اجتماعي” قائم على الرضا المتبادل، وملزم لكل اطرافه، وهو جزء من سلسله من العقود، التي تمثل معا حركه المجتمع ككل.

ثالثا: الأسرة هي وحده التكوين الاجتماعي الأساسية: كما ان الفلسفة الاجتماعية الإسلامية تعتبر أن الأسرة – وليس الفرد-هي وحده التكوين الاجتماعي الأساسية للمجتمع، قال تعالى﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾، وقال تعالى﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ﴾، لذا فان الفلسفة الاجتماعية الإسلامية

مفهوم الزواج في الفلسفة الاجتماعية الإسلامية: اتساقا مع تأسيس الفلسفة الاجتماعية الإسلامية لفلسفه اجتماعيه توازن بين الجماعة والفرد، من خلال جعل العلاقة بينهما كعلاقة الكل بالجزء، وتأكيدها على ان سلوك الإنسان ليس فعل فردى، بل هو عقد ” اجتماعي “ملزم لكل أطرافه، وهو جزء من سلسله من العقود، التي تمثل معا حركه المجتمع ككل، وتقريرها أن الأسرة –وليس الفرد-هي وحده التكوين الاجتماعي الأساسية،

فان هذه الفلسفة ترى أن الزواج ليس مجرد فعل، أو علاقة بين فردين، بل هي عقد ” اجتماعي، ملزم لكل أطرافه، وهو جزء من سلسله من العقود، التي تمثل معا حركه المجتمع ككل، وهو ليس علاقة بين فردين “زوج وزوجه “، بل هو علاقة بين أسرتين، اتساقا مع هذا المفهوم-الاجتماعي-للزواج في الفلسفة الاجتماعية الإسلامية، يجيء تقرير التشريع الإسلامي شرط الولاية في الزواج.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك