الأحد - الموافق 18 أغسطس 2019م

الوامضون في سماء كابية بقلم :- عبد الرازق أحمد الشاعر

ذات تحد، جلس هيمنجواي مع رفاق الأدب على طاولة الود، فأسر لهم برغبته في كتابةقصة لا تتجاوز ست كلمات، فضحك جلساؤه ساخرين من شطحته المجنونة. فما كان منهإلا أن أخرج عشرة دولارات من جيبه، وطالبهم جميعا بإخراج ورقات من نفس الفئةووضعها على الطاولة. كان رفاق الأدب يعلمون قدر الأديب، لكنهم كانوا على ثقة من أنأوراقه النقدية ستوزع عليهم بالتساوي بعض لحظات، ولهذا لم يترددوا في الاستجابةلرهانه الخاسر حتما. أخرج همنجواي من جيبه ورقة وكتب عليها ومضته المدهشة: “معروض للبيع .. حذاء طفل .. لم يلبسه.” وتداول الرفاق حروفه واجمين، ليكرر أحدهمتلو الآخر: “فعلها بابا.” (هكذا كانوا ينادونه).

هيمنجواي الذي جعل عجوزه “سنتياجو” يصارع سمكة في مضمار يمتد أربعة وستينصفحة من القطع المتوسط على امتداد ثمانين يوما فوق سواحل كوبا، ينجح أخيرا فياجتياز حواجز الكلمات ليسكب رواية كاملة في كلمات ست يدهش بها رفاقة. كان الرجليدرك أن الثرثرة خلق يليق بالصحافي لا بالأديب، وأن رش الأحرف فوق صفيح الأذنالملتهب، لا ينتج إلا نوعا رديئا من الكنافة اللغوية غير المستساغة. صحيح أن قصتهالقصيرة جدا لم ترشحه لنوبل ولم تؤهله لنيل جائزة البوليتزر كما فعلت رائعته “العجوزوالبحر”، لكنها أثبتت أنه قادر على إرسال صواعقه الأدبية في أي فضاء يشاء، وأنه سيدالإطناب وعمدة الإيجاز في الأدب الأمريكي المعاصر وعلى مر العصور.

الأديب الحق قادر على تسور حصون المعنى مهما قلت الكلمات، وعلى اقتناص فرائسهبأقل عدد من الحروف. لكن المتشبهين من الصحفيين بالأدباء، تراهم يخوضون كالذيخاضوا، لكنهم لا يبقون ظهرا ولا يقطعون واديا. وقد أدرك أرباب الكلمة من المفكرينوالخطباء العرب هذا المعنى جيدا، فكان أحدهم (سعد زغلول) يكتب لصاحبه (عبدالرحمن فهمي): “معذرة على الإطالة، لأن الوقت لم يسعفني للاختصار.”

في هذه الأيام النحسات، خرج علينا بعض المتشبهين بهيمنجواي، ممن أرادوا السير علىنهجه، لكنهم لم يمتلكوا فرسا كفرسه ولا قلبا كقلبه، فانهالوا على مسامعنا بمطارقعجزهم الأدبي المدقع، يخلطون الكلمات بدقيق المعنى عسى أن يخرجوا من أفرانأوهامهم خبز الأدب، وما هم ببالغيه. فانتشرت في أسواق الأدب الكاسدة موجة “القصةالومضة” كانتشار النار في هشيم المحتظر، ليلمع في سماواتنا الكابية نجوم من طرازردئ يحرفون الكلم عن مواضعه ليحسبه القارئ أدبا وما هو بأدب، ولكنه تطاول فج علىنوع راق من أنواع القص بأدها هيمنجواي وأنهاها برصاصة اخترقت رأسه ذات يأس.

لا أريد هنا بالطبع أن أدعي أن الومضة قد ماتت برحيل هيمنجواي، لكنني أؤكد أن الكثيرمن الومضات الساذجة قد أحالت ذلك الأدب الراقي إلى سوق كاسد يبيع فيه أصحابالبضائع الكاسدة حروفهم المسروقة، ثم لا يجد أحدهم غضاضة في تسويق هذا الغث علىصفحات الجرائد والمجلات الأدبية على أنه نوع جديد من الأدب، وما هو كذلك، أو علىأنه رائد هذا المضمار، وأني له ذلك؟

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك