الأحد - الموافق 16 يناير 2022م

النظم التربوية العربية.. بقلم :- الدكتور عادل عامر

إن النظم التربوية العربية لا تشجّع (بل إنها لم تُصمَّم لتشجّع) روح المواطنة الديمقراطية التشاركية في جوانبها كافة. وهي، بدلاً من ذلك، تركّز على التعلم بصفة عامة، ويشدّد أكثرها بصورة أضيق على اكتساب مادة معرفية محددة ومتفق عليها.

وتُصمَّم النظم المدرسية لاستخدام مادة أكاديمية محددة. ونتيجةً لذلك، يشجَّع المدرسون على تعليم مهارات إدراكية متدنية (تقوم على التذكّر والاستيعاب) على حساب المهارات الأكثر رقيّاً (في مجالات التطبيق، والتحليل، والتوليف، والتقويم، والتفكير النقدي). ومن ثم تنتج تلك النظم خرّيجين يحملون المؤهلات، لكنهم لا يمتلكون منظومة المهارات الضرورية للتصدي للتحديات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية التي تواجه المجتمعات العربية، أو حتى لتلبية احتياجات موقع العمل، وهي الهدف المعلن لكثير من الجهود الإصلاحية الأخيرة.

وواقع الأمر أنه على الرغم من البنية التحتية المدرسية التي أقيمت في البلدان العربية، فإن عملية تعلّم الطلاب بمجموعها، مُخيّبة للآمال، على الصعيد الوطني والدولي على حد سواء بل إن إنجازات الماضي الإيجابية غدت الآن عرضة إلى الخطر في البيئة الإقليمية الحافلة بالاضطراب والعنف، والمكتظة بجحافل اللاجئين، والدول التي أصاب بعضها التآكل في بعض المواضع، وبالضغوط المالية في مواضع أخرى. ووصل الأمر ببعض أنظمة الحكم إلى اعتبار نسبة الشباب السكانية المتعاظمة في جميع أرجاء المنطقة مصدراً للخطر أكثر منه جسراً إلى مستقبل أفضل.

وحتى في تلك المجتمعات التي لم يمسّها الفوران السياسي الذي انتشر في السنوات الأخيرة، يشعر كبار المسؤولين في وزارات التربية والتعليم بأنهم يسيرون فوق الماء في أحسن الحالات؛ إذ يُطلب من المدرّسين أن يعلّموا الطلاب في مجتمع ينكر عليهم ما يستحقونه من الاحترام، والمكانة، وفرص التطور المهني. والكثير من أنشطة التعلّم المجزية التي تبرز خارج إطار النظام المدرسي- والتي تُعتبر على نطاق واسع، عنصراً حاسماً في أي نظام تربوي – لا تحظى بمتابعة ملائمة ومن الصعب تعميمها في العالم العربي.

في أغلب البلدان العربية، يقرّر كبار المسؤولين والهيئات في الدولة منظومة سلطوية من الحقائق، وهوية وطنية/أو دينية مرَّمزة. وتقوم الإدارة البيروقراطية التربوية بترجمة هذه المقررات السلطوية في صلب المنهج الدراسي. وينقل المدرسون ذلك إلى التلاميذ الذين يجري امتحانهم بعدها لتقدير مدى استيعابهم لها. على سبيل المثال، “التربية الوطنية” من المواضيع المقررة في كل من مصر، والأردن، وفلسطين، وتعتمد النصوص على نسخة رسمية وحيدة في مجالي التاريخ والسياسة.

بيد أن الأمر لا يعود فقط إلى الرغبة في تحقيق الاستقرار والانضباط، اللذين يؤديان إلى المركزية، إذ إن المقاربات التي تعتمد على إصدار التعليمات من القمة إلى القاعدة تنطلق أيضاً من الرغبة في إصلاح التعليم لتلبية احتياجات اقتصاد مُعولم. وبالتالي ركّز المسؤولون على مضمون التعليم ليضمنوا الانسجام والانضباط، ما يجعل النزعة المركزية تتجلّى حتى في الجهود الإصلاحية. كانت النتيجة في أغلب الأحيان شعور المربين والمتعلمين على السواء بأن الخيار الوحيد أمامهم هو إما التقليد الأعمى أو الرفض القاطع للأفكار “الغريبة”. وفي كلتا الحالتين، يواصل النظام التعليمي تخريج عدد كبير من المواطنين غير المتجاوبين، والمتمردين الغاضبين المهيّئين لقبول الأفكار الهدّامة، والمهاجرين المحتملين التواقين إلى ترك مجتمعاتهم وراءهم. وثمة كثيرون ممن يحاولون تبني نسخة مثالية ﻟِ”الآخر” (ترتبط بالتفوّق الأخلاقي والتكنولوجي) بدلاً من أن يساهموا في تنمية مجتمعاتهم.

مثل هذه المقاربات لا تخفق في تحقيق النتائج المتوخاة منها في المدى القصير وحسب؛ بل تمنع المدارس والمدرّسين كذلك من مساعدة التلاميذ على تنمية المهارات التي تمكّنهم من التعلّم خارج المدرسة وبعد التخرج بفترة طويلة. ويجب أن يكون مواطنو اليوم والمستقبل قادرين على التعامل مع الاختلافات ويتفاعلون في ما بينهم بصورة بناءة. إلا أن النظم الحالية، القائمة على تلقين المعرفة المعتمدة رسمياً، تحول دون تحقيق هذا الهدف.

إضافةً إلى ذلك، قد تفضي هذه المقاربات إلى نتائج مُلتبسة، عندما تقدّم للتلاميذ رؤية أبوية للحياة العائلية في مجال ما، وصورة مساواتية في مجال آخر- من دون الأدوات اللازمة لاكتناه الفروق أو لتبيّن الطرق التي سيسلكونها في مجتمع بدأت تتداعى فيه كثير من أركان السلطة الماضية. كما أن المناهج الدراسية غالباً ما تتحاشى الخوض في قضايا مهمة، بما فيها التوترات في المجتمع المحلي، والخلافات الدينية، والتفرقة والتفاوت بين الجنسين (ولاسيما في أوساط الفقراء)، وجملة من المشاكل الاجتماعية الأخرى المتأصلة التي تعتبر حساسة جدا في المدارس.

حدث خلال العقود الثلاثة أو الأربعة السالفة تطوران كبيران في السياق العالمي لفهم قضايا التربية، وكان لكل منهما دلالات تساعد في إصلاح التعليم في العالم العربي، بما في ذلك أساليب التدريس، والمناهج، والتقويم.

التطور الأول هو أن الخبراء بدأوا بفهم التعليم بصورة مختلفة- بوصفه أمراً ينبع من سياق اجتماعي، ويحدث فيه، وليس كعملية بسيطة لنقل كمية من المعارف إلى التلاميذ. فليست “المعارف” مجرد حزمة من الحقائق، بل هي شيء ينتجه أعضاء مجتمع ما جماعياً ويتناقشون فيه، ولابد من اعتبار التلاميذ مُمتهِنين [يتلقون أصول الصنعة عن صانع متمرس]- يجري إرشادهم ليغدوا أعضاء مشاركين على نحو كامل في مجتمعاتهم، لا كأوعية تستقبل مايوضع فيها، أي تغيّرت النظرة إلى التعليم باعتباره مجرد “اكتساب للمعرفة”، إلى استعارة مجازية تعتبر التعليم مشاركة تركز على الطبيعة التفاعلية الاجتماعية للتربية السليمة، لا مجرد نقل للمعلومات.

أما التطور الثاني فهو تحوّل أهداف التربية من التركيز على حفظ المعرفة وتذكّرها، إلى مساعدة التلاميذ على التفكير والقراءة النقدية، والتعبير عن أنفسهم بوضوح وإقناع، وحل المشاكل المعقّدة في مجالات العلوم، والرياضيات والميادين الأخرى.

هذه التغيّرات ليست فلسفية فقط: ذلك أن ثمة فهماً أفضل الآن لما تنطوي عليه قدرة الناس على حل المشاكل، وكيفية تمكين التلاميذ من استخدام ما يتعلمونه في سياقات جديدة، وكيفية تأثير المعايير الثقافية والاجتماعية في التعلّم، وتفاعل معارف التلاميذ وقدراتهم القَبْلية مع التعلّم، وكيفية استخدام التكنولوجيا لتوجيه التعلّم وتعزيزه. في كثير من الدول، أسهمت في هذه التطورات متطلبات مواقع العمل الجديدة والمشاركة النشطة في مجتمع ديمقراطي. ويقوم ذلك على فهم جديد لموقع العمل. فالمقاربات القديمة تعتبره الموقع التي تبرز فيه الحاجة إلى أيدٍ عاملة ذات مؤهلات مُحدّدة. وأدى ذلك إلى التركيز بصورة خاصة على الرياضيات، والتكنولوجيا، والعلم- وذلك أمر مقبول بالتأكيد، لكنه يُفهَم لسوء الحظ باعتباره موضوعات تقنية ينبغي التمكّن منها، لا طرائق للتفكير يجب شحذها وصقلها.

علاوةً على ذلك، على المقاربات الرامية إلى تحسين المناهج وأساليب التدريس، والتقويم، وتدريب المدرّسين أن تكون شمولية كلية. فالجهود المتجزأة قد تفضي إلى نتائج مخيبة للآمال. وعندما تُستحدث برامج قوية لتدريب المدرّسين في نظام يتضمن التقويم التقليدي التوجيهي (أي امتحان الشهادة الثانوية للقبول في الجامعة)، وتقوم على اختبار مخزون من المواد، على سبيل المثال، فإن نجاح الطالب، حتى في هذه الحالة، سيعتمد على الاستظهار، والحفظ عن ظهر قلب.

في كثير من الأحيان عادت نقاشاتنا إلى التقدم في علم الأعصاب، والدورات الموسعة المفتوحة عبر الإنترنت، وقواعد البيانات المتسلسلة (بلوك تشين) وعواقب النمو السكاني السلبي – بالإضافة إلى الطرق التي تتغير بها هذه الظواهر وتتحدى الأسلوب الذي نفكر به في التعليم. لقد حظيت بعض هذه التغييرات باهتمام أكثر من غيرها، ولكننا مقتنعون بأهميتها- ويجب أن تنتبه لها الأطراف المعنية بالتعليم في جميع أنحاء العالم.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك