الخميس - الموافق 13 مايو 2021م

النطاسي النطيس فى “جمهــورية فرحات” الطب النبوى .. بقلم الأديب المصرى د.طارق رضوان جمعه

أُقسم بالله العظيم، أن اُراقب الله في مهنتي،أن أصون حياة الإنسان في كافة أدوارها، وفي كل الظروف والأحوال، باذلاً وسعي في استنقاذها من الهلاك والمرض والألم والقلق، أن أحفظ للناس كرامتهم،وأستر عوراتهم، وأكتم سرهم،أن أكون على الدوام من وسائل رحمة الله، باذلاً رعايتي الطبية للقريب والبعيد والصالح والخاطئ والصديق والعدو،أن أُثابر على طلب العلم أسخره لنفع الإنسان لا لإذاه،أن اُوقّر من علّمني، واُعُلِمّ من يصغرني،وأكون أخاً لكل زميل في المهنة الطبية،مُتعاونيين على البر والتقوى ،أن تكون حياتي مصداق إيماني في سري وعلانيتي، نقية مما يشينها تجاه الله ورسوله والمؤمنين، والله على ما اقول شهيد….(قسم الأطباء)
يُسمى الطبيب أيضاً النطاسي والنطيس:وهو العالم بالطب، والنطيس:الفطن والمتفوق في الأمور وتنطس في الكلام أي تأنق فيه. والطب نوعان:طب جسد،وطب قلب: أما طب الجسد فمنه ما جاء في المنقول عنه صلى الله عليه وسلم ومنه ماجاء عن غيره وغالبه راجع إلى التجربة ثم هو نوعان :نوعٌ لا يحتاج إلى فكر ونظر،بل فطر الله على معرفته الحيوانات مثل مايدفع الجوع والعطش،ونوعُ يحتاج إلى الفكر والنظر كدفع ما يحدث في البدن مما يخرجه عن الإعتدال ”.
وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي أن طبيباً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها“،[رواه أحمد وأبو داود والنَسائي والحاكم وسنده قوي كما في الجامع الصغير]،قال الحيدر أبادي لأنها ليست بمؤذ ولا مأكول ولا يتوقف الدواء عليه.
يقول د . طه حسين في مقدمة كتاب جمهورية فرحات ليوسف ادريس:” الطبيب يخالط الإنسان مخالطة لا تتاح لغيره من أصحاب العلم،يخالطه صحيحاً، ويخالطه عليلاً،ويبلوألم جسمه وآلام نفسه أصدق البلاء وأعمقه، ويفتح له ذلك أبواباَ من التفكير تنتهي به أحياناً الى الفلسفة العليا،وتنتهي به أحياناً إلى الأدب الرفيع الذي يحسن فيه الإنسجام بين الحس الدقيق والشعور الرقيق والذوق المرهف والعقل المفكر،ويتيح له ذلك كله قدرة على التصوير الفني لحياة الناس وما يزدحم فيها من الألم والأمل”, ولذلك فكثيراً ما نجد أطباء أدباء.
ويقول الامام ابن القيم: “الطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح وعلاجها كان هو الطبيب الكامل، والذي لا خبرة له بذلك وإن كان حاذقا في علاج الطبيعة وأحوال البدن نصف طبيب.”
فماذا عن التداوى بالتمائم؟
يقول الدكتور القرضاوي( في الحلال والحرام):
” إنّ تعليق التمائم والودع ونحوها على اعتقاد أنها تشفي من المرض أو تقي منه حرام شرعاً، ومازال من يعلق على بابه حذاء فرس، وما زال بعض المضللين في بلادنا يستغلون جهل الدهماء ويكتبون لهم حجبا وتمائم يخطون فيها خطوطاً وطلاسم ويتلون عليها أقساما وعزائم ويزعمون أنها تحرس حاملها من اعتداء الجن، أو مسّ العفاريت، اوشر العين والحسد إلى أخر مايزعمون”.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”من أتى عرافاً أو كاهناً فصّدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد“،وجاء في الحديث الشريف” أن الرقى والتمائم والتوله شرك” [ رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه الذهبي]. ( والتوله :لون من السحر تلجأ اليه المرأة تتحبّببه الى زوجها فيما تزعم،والرقى جمع رقية وهي أن يرقى الشخص ويعزم عليه بكلام لا يفهم ).
وعن التداوى بالمحرمات فاباحها البعض والبعض من الفقهاء رفضها ويقول الشاعر عباس بن مرداس:
رأيت النبيذ يُذلُّ العزيز ويزدادُ فيه الوضيعُ انفساخا
ويُوقعُ في سوأةٍ شاربيه ويكسو التقيَّ النقيَّ اتساخا
فإذا كان ذا جائزاًفي الشباب فما العذرُ فيه إذا المرءُ شاخا
يقول ابن خلدون في مقدمته :
“وللبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص،متوارثة عن مشايخ الحي وعجائزه، وربما يصح منه البعض،إلا أنه ليس على قانون طبيعي،ولا على موافقة المزاج. وكان عند العرب من هذا الطب كثير ، وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كِلدة وغيره” . فالأطباء لايرفضوا كل الممارسات الشعبية، وكل الوصفات الشعبية، بل أحيانا يصفوها ولكن لا بد من سؤال الطبيب حتى تكون الفائدة أكبر. التداوي سنة نبوية مؤكدة،لا تناقض بينها وبين مبدأ التوكل على الله والإيمان بالقضاء والقدر.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “من تطبّبَ ولم يعلم منه الطبّ فهو ضامن“[ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما].
ان في هذا الحديث الشريف تحذير شديد من أنه لابد من اللجوء إلى أهل الخبرة والعلم عند التداوي، وحذر أدعياء الصحة والمُتطببين بغير علم بأنهم ضامنون لما ينجم من أضرار نتيجة جهلهم،او تعديهم في الصنعة. ويقول الإمام ابن القيم تعليقاً على الحديث النبوي الشريف من تطبب،يقول:
” إن في قوله صلى الله عليه وسلم من تطبّب ولم يقل من طبّ بتشديد الباء،لأن لفظ التفعل يدل على تكلف الشئ والدخول فيه بعسر وكلفة. وعالج الإمام جلال الدين السيوطي في مؤلفه الطب النبوي هذا الموضوع ففرق مابين المتطبب والطبيب ومسؤوليه كل منهما،فقال “إن المتطبب هو متكلف الطب غير المأذون فيه وقال عن الطبيب أنه العالم بالطب المجاز في تعاطيه”.
وختاماً، فإنّ الطبّ مهنة قديمة عرفها الإنسان وهي رسالة إنسانية شريفة تخُفّف من ألام الإنسانية .ولأهمية هذه الصفة فإن الكتب الإلهية والأوامر الشرعية جعلت علم الأبدان قريبا لعلم الأديان .وإذا عدنا إلى الأحاديث النبوية الشريفة وجدنا فيها ينبوعا ومَعينا لا ينتهي حول هذا الموضوع.
والإبتلاء هو أحد سنن الله عزّ وجلّ في عباده المؤمنين في الحياة الدنيا،وهو سنة الله في العقائد والدعوات. وأشدّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون ثم الأمثل فلأمثل. يقول الله تعالى: {ألم * أحَسِبَ النَّاسُ أن يُتركُوا أن يقُولوا آمنَّا وهم لايُفتنون* ولقد فتنَّا الذين من قَبلهم فَليَعلمَنَّ اللهُ الذين صَدقوا وليعلمَنَّ الكاذبين}[العنكبوت 1 ـ 3. إنّ الإيمان ليس كلمة تُقال،إنّما هو حقيقة ذات تكاليف،وأمانة ذات أعباء،وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال. ، والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث، ليَميزَ الخبيثَ من الطّيّب.
والشدائد والأزمات تستجيش مكنونات النفس وطاقاتها وإمكاناتها وتطرقها بعنف وقوة ليشتدّ عودها ويصلب ساقها ويصقل قوامها. إنّ النعيم لا يُنال إلا بعد الشقاء،ولذّة السرور تأتي عقب شديد الألم،وجمال الربيع يتلو زمهرير الشتاء.
٠ تعليق

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك