الجمعة - الموافق 05 مارس 2021م

النجاح والزمن .. بقلم :الدكتور عادل عامر

الحياة لا تسير دائماً على النحو المُخطط لها، في كثير من الأحيان نجد أنفسنا نسير في طرق لم نتخيلها، ونقوم بأشياء لم نعتقد ولو للحظة واحدة أننا سنقوم بها، ونكتشف أننا كبرنا وأصبحنا أكثر نضجاً بعد المرور بمواقف بعينها، كما أننا نُنهي دراستنا في وقت متأخر عما اعتقدناه، ونبدأ مسيرتنا المهنية في وقت متأخر، وحتى الزواج وإنجاب الأطفال يحدث فجأة ودون ترتيب مُسبق.

ربما تقول لنفسك الآن إن هذا طبيعي وهذه هي سنّة الحياة، ولكن إذا كنت تتساءل عن أسباب ذلك، فتأكد أنها ظاهرة عالمية جذبت انتباه العديد من الباحثين، لذلك قاموا بدراستها وعكفوا على النظر فيها وبحثها لسنوات طويلة، إذا ما الجديد؟

الجديد هو أن هناك دراسة أجريت على مدار عقود خضع لها حوالي 5 ملايين عامل، وخلص خبراء الاقتصاد الذين أجروها أن العمال العاديين يرون أن معظم أرباحهم تنمو خلال السنوات العشر الأولى من حياتهم، ثم تبدأ في الركود بعد سن 35.

ولكن هناك شيئاً تجدر الإشارة إليه، وهو أن هبوط مؤشر النمو لا يحدث لأصحاب الدخل المرتفع، وهنا تكمن المشكلة الرئيسية. لا أحد لديه كرة بلورية لمعرفة ما إذا كانت أرباحه ستهبط، أم أنه سيجنى المزيد من المال، أو يتأكد من أوضاعه المالية.

في كل الأحوال، نستمع دائماً إلى ضرورة التخطيط وأهمية وضع جدول أعمال صارم واتباعه والسير عليه من أجل تحقيق النجاح، ولكن من الضروري الإشارة إلى أن النجاح والوصول إلى قمة لا يرتبط بالضرورة بالوقت، ولا يمكن حصره في فترة مُعينة، كما أنه عليك أن تعلم أنك قد تعاني من بعض المشاكل وتواجه بعض التحديات التي تمنعك عن إنجاز شيء ما في الوقت الذي حددته سلفاً، لذا لا تشعر بالإحباط إذا تأخرت عن تحقيق ما تحلم به.

وفيما يلي نُقدم مجموعة من ملاحظات التي تساعدكم على أن تكونوا أكثر توزاناً:

إجبار نفسك على العمل قد تكون له نتائج عكسية

من بين النتائج التي توصلت إليها الدراسة هو أنه كلما تعرضت للمزيد من الضغوط عجزت عن إنجاز المهام. تأكد من أن إجبار نفسك على العمل وتعريضها للكثير من الطاقة السلبية يؤثر سلباً عليك، ولا تعتقد أنك بهذه الطريقة تحفز نفسك على العمل، لأن الأمر قد يكون له العديد من النتائج العكسية. عليك أن تعرف كيف تستمتع بعملك وكيف تسترخي، في هذه الحالة ستتمكن من تحقيق النجاح، وستتمكن من صعود سلم النجاح بطريقة أكثر سهولة، كما أن علاقتك الجانبية بالأشخاص ستتحسن وستصبح أكثر قوة، لأنه تبين أن لا أحد يريد أن يتواجد بالقرب من رجل يتعامل مع كل شيء بجدية وصرامة مبالغ فيهما، سواء كان في العمل أو في المنزل.

أنت لا تنافس ساعتك البيولوجية

إذا شعرت بأنك في سباق مع الوقت، وإذا كنت لا تستطيع التخلص من خوفك الشديد من أنك تكبر في السن بسرعة، ولا تستطيع تحقيق أحلامك وبلوغ أهدافك بنفس القدر من السرعة، فإنك ستفشل تماماً، وستفقد فرصتك في أن تصبح شخصاً أفضل وتحقق النجاح المنشود.

لا يوجد وقت محدد عليك البدء فيه، ولكن الوقت الصحيح والمناسب يأتي عندما تكون جاهزاً ومُستعداً، لا يوجد عيب في البدء في العمل على تنفيذ فكرتك أو إقامة مشروعك الخاص وأنت في الـ60 من عمرك، كل ما عليك أن تكون مُستعداً وجاهزاً وواثقاً من نفسك، ولديك كل القدرات والإمكانيات التي تساعدك على تنفيذ مشروعك.

لا تفقد الأمل

في الكثير من الأحيان قد تواجه مشاكل وتحولات وتمر بالعديد من المنعطفات، علاوة على التحديات والمصاعب التي تظهر بشكل مُفاجئ، ما يسلبك بعض الفترات الزمنية ويعرقل الجدول الذي وضعته سلفاً. لا تنس أن الحياة تكون عشوائية في كثير من الأحيان، ولا يستطيع أحد منّا السيطرة عليها بشكل كامل. وعلى الرغم من أن كونك إنساناً ناضجاً يجعل الحياة أسهل من نواحٍ كثيرة، فأنت لن تريد أبداً أن تفقد هذا الاعتقاد الطفولي بأن أي شيء وكل شيء ممكن، وأن الناس العاديين مثلك ومثلي يمكن أن يحققوا أشياء رائعة إذا منحوها كل تركيزهم. عليك أن تثق في أحلامك، وأن تؤمن بأنك قادر على القيام بأي شيء في أي وقت.

نمر اليوم في عالم متقلب ومتغير بسرعة عالية وغير معهودة، كل يوم هناك اختراعات جديدة، أحداث جديدة، تقلبات في السوق وفي السياسة.

هذا الواقع يفرض علينا تحديات لم يعرفها الجيل الذي سبقنا، فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الدراسات الاستشرافية تؤكد أن الكثير من المهن والتخصصات الجامعية التي عرفناها ونعرفها لن تكون متاحة لأولادنا في المستقبل القريب.

إحدى هذه الدراسات في المملكة المتحدة تؤكد أن 65 بالمائة من طلاب المرحلة الابتدائية اليوم سيعملون في مهن ليست موجودة اليوم.

فالعلم يتطور والأدوات تتغير وتقلبات السياسة تحمل الكثير من المفاجآت التي لم تخطر لنا على بال قبل ثلاثة عقود، وبالتالي يراودني كل يوم السؤال الملحّ: كيف أستطيع أن أعدّ نفسي وأولادي بالشكل الأمثل للتعامل مع هذه الظروف ومع المستقبل الغامض؟

قد يعتقد البعض أن الجواب هو جمع المال، والكثير منه يمكن أن يشكل مظلة حماية، ولكن المال يمكن أن يذهب بسرعة كبيرة في هذه الظروف ويمكن أن تخسره سريعاً وتفقد تلك المظلة.

الجواب الأكثر إقناعاً هو السعي لبناء أنظمة سياسية واجتماعية تؤمّن الحد الأدنى من الحماية للإنسان بغض النظر عن إمكانياته وكفاءاته. والواقع يؤكد نجاعة هذه الأنظمة في بعض الدول الغربية مثل الدول الاسكندنافية وألمانيا وهولندا في تأمين الحد الأدنى لحماية الإنسان وكرامته. ولكن هذه الأنظمة أيضاً ليست عصيّة على التقلبات التي سيمر بها العالم خلال العقدين القادمين، فضلاً عن ضخامة وعظم هذه المهمة التي أوضحت مسيرة الربيع العربي على أنها قد تحتاج أجيالاً لإنجازها.

لذلك أود أن أحصر الإجابة بالمستوى الفردي، أي ما هي المهارات اللازمة والواجب اكتسابها كفرد للعيش في الزمن الصعب كما أرغب بتسميته؟ والحقيقة أنه لا يوجد جواب واحد لهذا النوع من الأسئلة، فكل شخص لديه تصوّر عن الإجابة تعكسه تجربته وظروفه الخاصة.

بالنسبة لي فأنا أرغب بمشاركة تجربتي مع القراء؛ حيث أعتقد أن سر النجاح ولو شئت أيضاً سر النجاة في الأوقات الصعبة يكمن في ثلاث مهارات أساسية، هذه المهارات لا بدَّ من امتلاكها للحفاظ على البقاء، فضلاً عن التفوق:

1- القدرة على التعلم:

العالم يتغير من حولنا بشكل سريع كما لم يكن قبل اليوم، والتحولات التي احتاجت قروناً فيما مضى تحدث الآن خلال سنوات قليلة، ومن المعروف أن أي تغيير أو تحوّل يحمل معه فرصاً ومخاطر.

ومن يرغب باستغلال الفرص أو تفادي المخاطر عليه أن يفهم ماذا قد تغير؟ ولماذا؟ وكذلك سيكون من الضروري امتلاك القدرة على توقع التغيير القادم، وهذا يتطلب القدرة على مشاهدة الصورة الكبيرة وفهمها من أجل وضع الأحداث في سياقها بدل الغرق في التفاصيل اليومية.

كيف يمكن بناء على هذه المهارة؟ الجواب هو القراءة، والكثير من القراءة في مختلف المجالات وخاصة التأسيسية منها؛ كي يتمكن الإنسان من بناء منهج تحليلي يساعده على فهم الأحداث وجمع شتاتها في صورة كبيرة. اقرأ في السياسة وفي العلوم السياسية، اقرأ في التاريخ وفي علوم الاجتماع، وتابع المتغيرات في الاقتصاد واحصل على الحد الأدنى من علومه، لا تتعامل مع أي حدث على أنه معلق في الهواء أو مجرد، بل تعامل معه على أنه جزء من منظومة أو جزء من قصة لها بداية وأبطال وكومبارس وتهدف للوصول إلى نهاية محددة.

حاول فهم هذه القصة وفهم مَن هم أبطالها، حاول توقّع النهايات بناء على الفهم العميق للبدايات والشخصيات في القصة ومصالحهم ودوافعهم، لا تتوقف عن طرح الأسئلة وخاصة: “لماذا؟”.هناك العديد من النظريات والمناهج في مختلف العلوم التي تساعدك على تحليل الأحداث وربطها ببعضها في كل مجال، ومفتاح الوصول إلى هذه الأدوات هو القراءة وتطبيق ما فهمته على واقعك بشكل مستمر. 2- القدرة المستمرة على التأقلم والتطور:

ما فائدة التعلم والقراءة وامتلاك أدوات ومناهج التحليل إن لم ينتج عنها فعل مناسب يتجاوب مع المتغيرات؟ ما هو الفعل المناسب؟ وما هي السرعة الكافية لإحداث هذا الفعل؟ القدرة على التجاوب مع التغيير من أجل استغلال الفرص أو درء المخاطر هي مهارة أساسية للبقاء على قيد الحياة. وهذه الحقيقة هي جوهر نظرية داروين: البقاء ليس للأقوى وإنما للأكثر قدرة على التأقلم.

فلا يكفي فهم الواقع فقط، بل يجب معرفة كيفية التعامل معه وهذا يتطلب القدرة على ترتيب الأولويات والقدرة على تقييم الأفكار ثم تحويلها إلى خطط عمل، والعمل على تنفيذ الخطط يحتاج مهارات تواصل ومرونة ذهنية عالية لتجاوز العقبات، كيف يمكن الحصول على هذه المهارة؟ الجواب ليس سهلاً.

عليك الدخول في الكثير من التجارب التي تجبرك على الخروج عما هو مألوف بالنسبة لكَ والدخول في تحدٍّ جديد وتجربة جديدة. هذه المهارة يجري صقلها مع الأيام، ولكنها تحتاج لنفس متقدة ومتحفزة للمغامرات ولا تقبل بالحلول الوسط أو الحلول المريحة. كلمة السر هنا هي أن تصل دائماً إلى حدود قدراتك من أجل أن تمدد هذه الحدود بشكل مستمر.

فعلى سبيل المثال: مَن لم يركب دراجة قط سيعتقد أن قيادتها سهلة، ولكن لدى التجربة الأولى سيقع مَن عليها؛ لأنه لا يمتلك مهارة قيادة الدراجة، بدون الدخول في هذه التجربة سيكون من الصعب إدراك فقدان هذه المهارة.

هذا المثال ينطبق على كل مهاراتنا: كالتفاوض والتعاون مع الآخرين في مواضيع شائكة.

تكرار التجارب بشكل منهجي ومدروس والتعلم من الأخطاء هو ما ينمّي قدرتنا على التأقلم والتطور ويصقلها.

المهم أن لا نقبل بما هو سهل ومألوف، جرّب دائماً شيئاً جديداً، استكشف واخطأ وانهض من جديد وتعلّم من خطئك وجرب مرة أخرى.

3- المثابرة:

من أخطر الطباع هي البدء بأي مشروع جديد بهمة عالية ثم الملل والتوقف قبل الوصول إلى الهدف.

المثابرة هي السر الكامن وراء أي نجاح، فلا إنجاز بدون مراكمة، ولا مراكمة بدون صبر ومثابرة. والحقيقة هذه الصفة هي خلق وطبع يمكن أن يتربى الإنسان عليه قبل أن تكون مهارة.

قد تبدأ مع تعليم الأهل لأبنائهم أن يتمّوا أكل صحن الطعام كاملاً، وتتطور كي تصبح طبعاً بألا نقبل بأنصاف الحلول أو الإنجازات غير المكتملة.

والحقيقة أن هذه الصفة قد تغطي على ضعف الموهبة أو ضعف القدرات الأخرى، فقصة اختراع أديسون للمصباح الكهربائي ليست عنا ببعيدة، فقد بدأ بإجراء التجارب والمحاولات لتنفيذ فكرته، وقد فشل حوالي 900 مرة، وكان عندما يفشل يقول: “هذا عظيم، فقد أثبتنا بأن هذه أيضاً وسيلة فاشلة في الوصول للاختراع الذي نحلم به”، فكان شجاعاً لا يعرف اليأس، بل كان مثابراً وجاداً حتى تكلل تعبه بالنجاح الباهر، والعالم اليوم لا يتذكر إلا مَن أتمّوا الطريق إلى نهايته وتركوا بصمتهم، أما مَن استسلموا في منتصف الطريق فلن يتذكرهم أحد حتى لو كانوا أذكى وأقدر مِن أديسون بعشرات المرات.

وفي النهاية لو أردنا تلخيص هذه المهارات بشكل مختصر، سيتوجب علينا تعريف النجاح بالشكل الآتي: هو القدرة على ملاحظة التغيير وفهمه وتوليد استجابة مناسبة له بسرعة أكبر من دورة التغيير، أي قبل أن يحصل التغيير الذي يليه..

التعليقات