الثلاثاء - الموافق 26 يناير 2021م

.. الملمح الأرق في تاريخ الشيخ كشك … بقلم أحمد العش

قد تُعمِر الأم بُرهة طويلة في قلب الدهر، مع فناء جميع أبنائها أحيانا، غير أنها فى الوقت ذاته تُرتهن إلى شهرتهم وتُنتسب إلى ذيوعهم، إذا ما لهجت بذكراهم وضجت بمآثرهم الدنيا من أدناها إلى أقصاها، وكأنها التى ولدت فيهم، وترعرعت فى كنفهم ونهلت من معينهم المجد والفخار،،،
أتحدث هاهنا عن الأم شبراخيت؛ إحدى مراكز محافظة البحيرة، والمنسوب إليها مولداً أربعة جبال شماء، لكنها المنسوبة لهم استجداء، من أرض شبراخيت خرج الشيخ محمد الخراشي، أول من امتلك ناصية الأزهر الشريف شيخاً وقائدا، والذي تُنسب إليه مقولة ( يا خراشي) التى رددها كثير من المصريين، عند الإحساس بالظلم وفجاعة الأقدار ….

ثم ولد الإمام محمد عبده أول من وكلت إليه مهنة الافتاء فى عموم القطر المصرى، ثم الشيخ سليم البشري أحد شيوخ الأزهر لفترتين شامختين من ١٩٠٠ حتى ١٩١٦م، ولا جرم أن الثلاثة إن وزنوا بتاريخ شبراخيت بل والبحيرة كلها لربحوا، وايم الله وتالله ولعمر الله إن وزن رابعهم الأغر عبدالحميد كشك بالأمة الإسلامية فى خمسين سنة ونيف حتى وفاته عام ١٩٩٦م، لربح وثقل بها وزناً وذهبا….
فى هذه الأيام تحل ذكري وفاة الشيخ عبدالحميد كشك، الذى توفى فى ٦ ديسمبر ١٩٩٦م، ذلكم الداعية الإسلامي أعجوبة الدهر الفريد، بكفاحه المجيد التليد، إنه الرجل الذى ابتُلى بظلامتين، ظُلمة فقد البصر وظُلمة أعداء الدين، فكافأه الله بنور البصيرة فى قلبه يرى بها الحق ويلتمسه ويدمغ الباطل ويجتثه، وظل رحمه الله على الأهوال ثابتاً شديد البأس، وفى مجابهة أهل الضلال رابط الجأش، عُذب فى الله فصبر، وسُجن كفيفاً فذكر الله فى الغدو والسحر، ومنع من الخطابة فما ضجر ولا بسر، وكتب بقلمه فبرز وانتصر، عجيب أيها الرجل الذى أكب على العلم الشرعي منذ كان غض الإهاب فى بواكير الصبا، إلى أن بلغ المرام وارتقى العُلا، فقد حفظ القرآن الكريم وهو ابن عشر سنين، وكان ترتيبه الأول على الجمهورية فى الثانوية الأزهرية، ورغم فقد بصره جزئياً فى الثالثة عشرة وكلياً فى السابعة عشرة من عمره، إلا أنه حقق التميز فى الميدان الدعوي، بفضل صلابة إيمانه وجسارة حجته، فكان فارس الخطباء وتاج البلغاء ، نسيج وحده فريد عصره، وإن لم يكن فى حياته الدعوية كلها إلا عاطفته الدينية وحميته الإسلامية، التى ورثها عنه أقرانه وأترابه، وتلاميذه وتابعيه لكفته…
كان الشيخ كشك رحمه الله، بين شقى رحي جيوش المعتدين، النصاري والعلمانيين والليبراليين والمتأسلمين، ولعَمري فقد دحضهم جميعاً فى الأذلين، لم يهتز لضربة سوط من أنظمة الاستبداد والجهل، ولا لوعيدٍ بالأذى والقتل، فكانت همته قعساء فى الثريا، لم تتضعضع ولم تتزعزع…
ظل عشرين سنة خطيباً لمسجد عين الحياة بحدائق القبة، جوهرى الصوت رقيق الديباجة، يزلزل الأفئدة وينتزع الأدمعة، يأخذ بمجامع القلوب، ويأسر أصحاب الحس المشبوب ، لم يأل جهداً فى الوعظ والإرشاد، ولم يخش فى الله لومة لائم ، ذو مرة فى التبليغ لايفري أحد فريه ولا يجاوزه فى الفضل أحدا،،
صداحاً بالحق مفوهاً بالصدق، منتقداً مشايخ السلاطين، الذين ينزوون وينضوون خيفة، ويلوذون بالفرار والاندحار لا يُسمع لهم ركزا….
لقد فقد حبيبتيه أو كريمتيه فصبر ثم صبر، متأسياً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من فقد حبيبتيه أو كريمتيه فصبر لم أجد له جزاء إلا الجنة!!!
ووالله كان الشيخ كشك يتمثل فى مقولة ابن عباس رضى الله عنهما. إن يأخذ الله من عينى نورهما ففى فؤادي وعقلي عنهما نور…
وقد حباه الله وأسداه ملكة الرؤية الثاقبة، فكان يري بعين ربه وإن كان كفيفا، امتزجت خطبه بالشجن والطرفة فى آن، وكأنه يرثي حال الأمة المكلوم، ويومىء بقادمها المدلهم ، كقوله لا ترقبوا نصائح قاسم أمين بل اتبعوا أبو القاسم الأمين، وقوله كنا ندعوا الله بإمام عادل فابتلانا الله بعادل إمام…..
ترك الشيخ كشك رحمه الله رصيداً فياضاً بالدعوة إلى الله خطيباً مصقعاً وعبقرياً لبيباً وكاتباً ألمعيا… وكانت حياته أرجوحة ناصعة بين آلاف الخطب، وعيون الكتب مثل فى رحاب التفسير وتفسير القرآن…
لله درك يا شيخ كشك ابتُليت بفقد البصر فعوضك الله بنور ساطعٍ ناصعٍ فى بصيرة القلب، عُذبت فى الله فصبرت، تجهمك الجهلة فاحتسبت، ارتقيت إلى الخطابة فأوعظت، كتبت على القرطاس فأدبت، جاء لك رسول الله فى الرؤية ومت فى نفس عمره ثلاث وستين سنة، ومت ساجداً كما رجوت وتمنيت فانتصرت…..

التعليقات