الإثنين - الموافق 20 مايو 2019م

المكون الاجتماعي والتيارات الدينية بقلم :- الدكتور عادل عامر

تحولت ظاهرة العودة للدين الي ظاهرة اجتماعية تتغلل في اوساط اجتماعية عديدة ويمكن القول ان هذا الاتجاه ذا البعدين النفسي والسلوكي يمثل محاولة ضمن اخريات في بحث الشخصية المصرية عن توازنات نفسية – ثقافية ازاء ظاهر التغير السياسي والذبذبة الثقافية والنزاعات المتعددة عن الهوية التي تربت علي ذلك وبفعل ظاهرة العودة للدين اجتماعيا وسلوكيا و مزاجيا لاح في الافق الاجتماعي المصري ان هناك قوي سياسية يعتمد ليس فقط علي تنظيماتها المتعددة وانما علي قاعده حركية اجتماعية .

بعد الصعود المفاجئ للتيارات الإسلامية والمكاسب السياسية التي حققتها بعد ثورة 25 يناير، أدركت تلك التيارات حاجتها لأّذرع إعلامية خاصة بها لتحافظ على هذه المكاسب، ولتكون خطا للدفاع عنها وعن سياساتها من جهة، والترويج لأفكارها من جهة أخرى. وسارعت تلك التيارات باقتحام الفضاء الإعلامي بإطلاق عدد من الوسائل الإعلامية التقليدية كالقنوات التلفزيونية والصحف. لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد بل وصلت هذه التيارات زحفها إلى أن زرعت لها أذرعا إعلامية في الواقع الافتراضي، بإطلاق مئات المواقع على شبكة الإنترنت منها ما هو نظير للوسائل التقليدية بإنشاء مواقع لها على شبكة الإنترنت، ومنها ما هو قائم بذاته على مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيس بوك وتويتر.

لكن الصحف التي أصدرتها تيارات الإسلام السياسي في مصر بعد ثورة 25 يناير كانت من أهم ما غير خريطة الإعلام المصري لا سيما الخريطة الصحفية ، وتحديدًا معالم الخريطتين الصحفيتين الحزبية والخاصة اللتيْن أضيفت لهما قطاعٌ جديد تمثل في الصحف المملوكة للتيارات الإسلامية، سواء للأحزاب التي تمثل أذرعًا سياسية لتلك التيارات أو الشخصيات المحسوبة على تلك التيارات. ومن هنا فقد سعت هذه الدراسة للتعرف على ملامح وسمات صحف التيارات الإسلامية التي ظهرت في مصر عقب ثورة 25 يناير.

ان الحالة الاسلامية المصرية لم تقتصر فقط علي جانب الظاهرة السياسية او الامنية فقط وانما تحولت الي حالة اقتصادية عبر بعض المؤسسات المصرفية او الشركات التي سميت بتوظيف الاموال التي وظفت ولا تزال الرمز الاسلامي بأوصافه ودلالاته في العملية الاقتصادية بهدف تعبئة فائض المشاعر الدينية في جذب مدخرات بعض المواطنين المتدينين فضلا عن العائد الاقتصادي المميز الذي كانوا يحصلون علية من هذه الشركات

قبل انهيارها امتدت الحالة الدينية الاسلامية الي المجال السلوكي اي الي نظام الزي والحجاب بكل انعكاسات ذلك النفسية والادراكية والثقافية والقيمية وكثر من ذلك الي المكون الاجتماعي والادوار الاجتماعية للمرأة ولنظام الزواج في المجتمع المصري ولمؤسسات اجتماعية تجارية توظف الرمز الديني ومدارس تعليم اسلامية ادي تصاعد تجليات الظاهرة الاسلامية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الي نزاع داخل مراكز السلطة الدينية في مصر واصبحنا ازاء ظاهرة نزاعات حول السلطة الدينية وسلطات التفسير

وتمثل اطراف هذا النزاع في المؤسسات الدينية الرسمية الازهر كمؤسسة اصولية رسمية ودار الافتاء ومجموع لوعاظها ودعاتها ولم يعد النزاع قاصرا علي مواجهة المراكز الجديدة للسلطة الدينية وانما داخلها اذن لم تعد الحالة الاسلامية الرسمية واللارسمية محض حالة أخلاقية او سياسية او اجتماعية او ثقافية وانما في حالة عامة ونفسية ومن ثم لم تدرس هذه الحالة الا من المنظور السياسي التي يتعامل مع ابعادها السياسية والامنية وظواهر العنف المصاحب لها . اي ان الحالة الدينية في مصر لاتزال مجهولا علي مستوي المعرفة وعلي مستوي الوعي العام بها ومن ثم تبدو الحالة دينية وتجسيداها المؤسسية والحركية وتفاعلاتها وقضاها الخاصة . ظهرت خلال العقدين الاخريين ظواهر عنيفة تمس التكامل القومي من خلال انتشار الظاهرة الاسلامية السياسية وتنظيماتها ورؤاها المحتفلة ازاء الاخر الديني مما ادي الي ظواهر عنف طائفي في مواقع مختلفة في القاهرة .

كل ذلك ادي الي اشكاليات تمس ما بات يسمي في الادبيات المصرية بالوحدة الوطنية مما ادي الي التحام الاندماج بين المؤسسات الدينية وبينهم رعاياها المختلفة . ولكن هل يمكن ان تمثل المرجعية الدينية وحدها باعثا علي العنف ام تتداخل هذه المرجعية مع اشكاليات اللحظة التاريخية التي تلغي بظلالها علي التأويلات والاجتهادات المرتبطة بهذا النص ؟ والراجح ان النصوص الاسلامية عرفت تأويلات مختلفة تبعا لزمان ومكان تطبيقها ويمكن في الواقع ان نميز بين حالتين بارزتين في مسار الحركة الاسلامية اكدتا علي قدرة البيئة الاجتماعية الداخلية والمصالح القطرية علي اعادة صياغة الخطاب الاسلامي والحالة الاولي عبرت عنها فصائل الحركة الاسلامية نفسها علي امتداد الوطن العربي

حيث لا يمكن اعتبار التيار الجهادي والتيار الإخواني شيئا واحد هذه العوامل المتفاعلة من الطرد والجذب بدون ضوابط تحكم عملية الهجرة الواسعة من الريف الي المدينة شكلت ضغطا مستمرا علي المدن بوجه عام وعلي العاصمة بوجه خاص وزاد من تداعيات هذا الضغط عاملان

كما تري الدراسات الاول ان غالبية المهاجرين الريفيين الي المدن اميون وغير مهرة وبالتالي يصعب ادماجهم في العملية الانتاجية ولذا فانهم في النهاية يلتحقون بأعمال هامشية غير منتجة ومن ثم يتحول معظمهم الي قوي عاطلة سواء كانت مسافرة او مقنعة والعامل الثاني هو ان ازمة التحضر لا ترجع فقط الي ضغط المهاجرين اي الي العوامل الوافدة وحدها .

وانما ترتبط ايضا بحقيقة ان ارتفاع معدل التحضر لم يأت كما حدث في الدول المتقدمة نتيجة استجابة لحركة التصنيع بل انه سبق هذه العملية فأصبح تضخم حجم المدينة عائقا امام دفع جهود التنمية كما وقد ادت هذه الظروف مجتمعه الي ازدياد نسبة الاحباط الاجتماعي سواء بالنسبة الي الطبقات الاجتماعية الجديدة ذات الاصول الريفية

بعد تزايد طموحها الاجتماعي والسياسي من جراء حياتها في المدن او بالنسبة الي الطبقة الوسطي المدينة التي تشكلت الهجرة الريفية ضغطا عليها بعد ما نافستها في فرص العمل والحياة وبذلك فتح الباب لكثير من مظاهر عدم الاستقرار الاجتماعي جسدتها بشكل جاد المناطق الحضرية العشوائية فكانت ارضا خصبه لنشاط جماعات الاسلام السياسي .

وقد شاعت هذه التفسيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في تحليل ظاهرة العنف الذي تقوم به الجماعات الاسلامية المتشددة الي الحد الذي اضحي معه النظام السياسي في مصر يتبني هذه التغيرات ويبني عليها خطته في المواجهة عن طريق التوجه لتقديم المزيد من الخدمات والاصلاحات في المناطق العشوائية والمهمشة

غير انه يصعب في الحقيقة قصر تفسير تلك الظاهرة علي هذه النظرة الاجتماعية – السياسية والتي ربما تصلح لتقديم تفسير لتصاعد العنف بمعناه الجنائي في هذه المناطق العشوائية والذي يقوم به ابناء هذه الطبقات المهمشة

اما اعتماد هذه النظرة وحدها لتفسير نشوء ونمو جماعات العنف الدينية فهو يبدو كمحاولة تحليل الفتوحات الاسلامية في العهود المختلفة بأنها خاضعة لنظرية المجال الحيوي في الجغرافيا السياسية فقط وقطعها عن الحبل السري الذي ترتبط به هذه الغزوات والحروب بمراجعتها المقدسة في الكتاب والسنة صحيح ان مثل هذه المتغيرات السياسية والاجتماعية قد تؤدي الي اتساع قاعدة المؤيدين والانصار في لحظة تاريخية ما لكنها لا تصلح تفسيرا وحيدا او رئيسيا في اللجوء نحو العنف الديني .

أن الخطوط والقواسم المشتركة بين صحف التيارات الإسلامية بعد ثورة 25 يناير تمثلت في خلط الدين بالسياسة، وهى نتيجة منطقية خاصة أن مُلاك تلك الصحف يقعون في الخلط ذاته. كما كانت هذه الصحف تشوه المعارضة المصرية لا سيما التي تنتمي للتيار الليبرالي، ويرجع ذلك لأن التيار الليبرالي على النقيض تمامًا من التيارات الإسلامية فكريًا وأيديولوجيًا، كما هاجمت تلك الصحف نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك ورموزه، وقد كان هذا متوقعًا لتيار يعد نفسه ليكون بديلاً لنظام مبارك، وهو ما حدث بالفعل، حيث جلس رئيسٌ ينتمي لجماعة “الإخوان” هو د. محمد مرسي على نفس مقعد الرئيس الأسبق حسني مبارك، إضافةً إلى مساندة مرشحي التيارات الإسلامية سواء في الانتخابات التشريعية أو الرئاسية.

وأوضحت النتائج مدى الضعف الذي اعترى تبويب صحف التيارات الإسلامية التي صدرت بعد ثورة 25 يناير، فلم تكن عناوين الأبواب تعبر عن مضامينها بدقة، كنشر أخبار اقتصادية في باب السياسة، وربما يعود ذلك لضعف الخبرات التي تم الاعتماد عليها في إصدار الصحيفة والتعجل في إصدارها حيث صدرت بعد أشهر قلائل من ثورة 25 يناير.

يمكن القول إن الخريطة الصحفية المصرية بعد ثورة 25 يناير قد تبدلت وتغيرت معالمها بفعل التيارات الإسلامية. وقد طال هذا التغيير النمطيْن الصحفييْن الحزبي والخاص، بإصدار حزبيْ “الحرية والعدالة” و”النور” صحفًا تعبر عنهما وتنطق باسمهما. وعلى صعيد الصحف الخاصة صدرت صحيفة “الرحمة” التي كان يديرها الشيخ محمد حسان المنتمي للتيار السلفي. ولأن هذه الصحف وكما هو معروف تكون لسان حال مُلاكها، فوقعت فيما وقع فيه هؤلاء الملاك المنتمون لتيارات الإسلام السياسي من خلط الدين بالسياسة، وقد اتضح ذلك من خلال معالجتها لعديد من الموضوعات والأبواب التي اشتملت عليها تلك الصحف.

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك