الأحد - الموافق 01 أغسطس 2021م

المغرب للجزائريين حبيب / 67 بروكسِيل : مصطفى منيغ

لَمْ يَبْقَ مِنَ اللَّيلِ إلاَّ بما يُذكِّر عمّا جرى فيه ، خلال نهارٍ مُشْفِق سيكون على إنسان وما التصق به ، لم يملك ساعتها غير الاستسلام للمصير بغير مُعانَدَته ، مادامَت الحكمة موقف مُوفَّق بين الضحك معه دون البكاء عليه ، فإذا كان الليل هذا عربون مَكْسَبِه ، النّهار بالتأكيد سيكون راضيا عنه . البِطِّيخة محتفظة بمذاقها تُجْدِي مقتنيها أو تخذله ، هذا لو كان اختيار الانتقاء مباحاً للمشار إليه وليس فاقده ، وحتَّى لو اختار ما عَسَى يَفْعَله ، إن مَلَكَ فِكراً وقلماً ونضالاً مَريراً يتبنَّاه ، مَرّة هنا وتارة هناك خوفاً من رصاصةٍ تصيبه ، مِمّن كل شريف (لا يقبل بالجور والتسلّط والاستبداد) عدوّه ، بُشرَى لمن قبِلَت بمثلي لا تدري أي مستقبل يطارده ، مادام الحاضر لغير رُؤياي باسطاً أذرعه ، منحازاً لمن نَهَبَ ولا زال على منواله ، مُحَصَّناً بمن هو أنْهَبَ منه سبيل نسبة يغذّيه بها و بأخرى أعْلَى يُعشّيه .

أقبلت ألأم مرفوقة بابنتها (ث) التي لم تترك مُلفِتة للنَّظر دون أن تتزيّن بها ، ولا عِطراً جاذبا أنوف المتذوقّين شذاه العارفين بغلاء ثمنه ، إلاّ ورشَّت به أطراف ثوبها الأبيض المُستورد (لا محالة) من أرقى دور عرض أخر صيحات ألبِِسَةِ الزّفاف في عاصمة الضباب لندن ، تخيَّلتُها وهي نازلة من سُلمّ الطابق العلوي ، وكأنَّها من عالم آخر لا يتناسب تماما و عالمي ، إلاَّ في كوننا من نفس صنف البسر ، من صلب نفس آدم عليه السلام ، وقفَ مَن في الصالون الكبير انبهاراً بها فاسِحين لها المجال للجلوس بجانبي ، فوق أريكة أُعِدَّت بعناية خاصة للمناسبة السعيدة ، كأنها وما حولها باقة وردٍ متكاملة الألوان ، العاكسة سعة الحال الضامنة متطلبات المَآل ، المُفعم بما يتركه التشبث بالأمل ، لدى روحين تعاهدا على التمتع بكل ما هو جميل ، المتحوّل لجليل مع تقدّم العمر ليصل للطويل . لم أكن أتصوّر أنني سأحيا مثل المغامرة ، أجل مغامرة بالنسبة لرجل عادي مثلي وجد نفسه محاطا بكل ما عساي أشتهيه وفكرت في الحصول على جزء ولو ضئيل منه ومنذ أعوام طوال ، أكاد لا أصدّق أنْ أكون أنا هو أنا ، وفي وجدة التي هي وجدة ، وبجانب هذه الفتاة التي تغيّرت في كل شيء وبكل شيء ، ولا أعلم حقيقة ، لا أعلم إن كان ذلك للأحسن أو للأسوأ ، صَعبٌ على بَدَنٍ ألِف الامتداد على فراش محشوّ بالقش القديم ، ليجد نفسه بغتة نائماً على شيء مصنوع من أوزان معتبرة ، لريش طيور مختارة ، كان عليَّ أن أفرح ، أليس كذلك ؟؟؟، إذن ما دهاني حتى أصبحتُ أكلّم نفسي وبصمت حتى لا أزعج مَن امتزجوا في الغناء والرقص من أعضاء تلك الاسرة الكثيرة العدد ، الكل منغمس في نعمة الفرح الصادق ، وأنا أفكر في المستحيل ، في الهروب من هذا المكان الذي مهما اتسع بالكماليات الهائلة ، شعرتُ بالضيق يشجعني على الانصراف ، فإذا بي أتسلل عساني أصل للحديقة دون انتباه أخد ، لكن هيهات ( ث ) أدركت ما غمرني تلك اللحظة فتبعتني لتستفسرني بعينيها المكحلتين بالمسك، المشعتين بعشق لا تنطفئ شعلته المكنونة بين وجدان لا يرتاح الا للإنسان الذي أحبته كل هذا الحب الكبير ، لكنه قلق وتبحث بين دقات قلبه عن السبب .

– ما أردتُ إبعادكِ عن جوّ الأسرة لكنني ونفسي ما تعوَّدنا مثل البذخ والكل من مالِك ، وهذا في حد ذاته يجعل مني إنساناً عاجزاً لا أقدرُ مستقبلاً مسايرة اصغر طلب تودين أن احضِره لك من عرق جبيني ، لقد طغت علي منذ لحظات أنني ضيعت كل عمري راكضاً خلف وهم مهيكل ضخم ، أن أكون حراً داخل المغرب وطني ، وتجاهلتُ أن الحرية في حاجة إلى إمكانات ومادية على وجه الخصوص ، وإلا أصبحتُ حراً مُفلِسا بغير قيمة ولا حضور ولا أي شيء ، مؤسف للغاية تصوّر ذاك الحر العاطل عن العمل ، الجائع المُلقَى على حصير مشبعٍ برائحة الرطوبة المتعفّنة ….

شعرت بيديها الناعمتين تمتد لمحياي ماسحة بأناملها السمحة النظيفة دموعاً لم استطع حبسها في مقلتاي وصوتها يخاطب عقلي :

– أتبكي في ليلة عمري هذه ؟ ، أتريد أن أمزّق هذا الثوب اللعين وأركض كالمجنونة بين قومي ، ليعلموا أنك تبكي في ليلة فرحي ، تيقن أن كل دمعة تتسلل فوق وجنتيك سترافقها قطرات دمي من شرايين يدي أمزقها بأسناني فما رأيك يا أعز الناس إلى فؤادي ؟؟؟ ، أنفّذُ فوراً حماقتي ، أم نقنع بمصيرنا ونشارك فرحة هؤلاء الذين تركوا بيوتهم وحضروا لمقاسمتنا بهجة هذا الحدث السعيد ؟؟؟ . (يتبع)

مصطفى منيغ

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك