الأحد - الموافق 01 أغسطس 2021م

المغرب للجزائريين حبيب / 64 بروكسيل : مصطفى منيغ

المَال وحده لا يصنع الرّجال، وانعدامه لا يحوِّلهم لمجرّد أطفال ، حتى النّفوذ والجَاه لا يستعملان الحال لصناعة أجوَد مآل، ولا مطاردة أو مصاحبة الأبطال ، تضمن إحراز مكانتهم حتى في الخيال ، كل شيء يحتاج لتعب ومجهود عظيم وصبر جميل يُبدل ، وعدم الطمع في حق الغير أو الرضوخ لمدِّ اليد كأسفه إذلال ، لكل نصيب لن ينقص منه أو يتخطَّاه مهما سَخَّر المُحال ، حتى الحظ لا وجود له بل مجرَّد تعلُّق بأرخص خيال ، لتبرير ما حاصرته من خيبة أمل ، هو سببها لِما اعتمده من حلّ قائمٍ كان على خَلَل ، للتسرّع عن قِلَّةِ عقلٍ ونسيان أو إغفال ، أنّ الناسَ خُلقوا ليكونوا سواسية لكن للأسف فيهم الغير قانع بخفة حمولته المشروعة فيبحث عن نصيب غيره من أثقال ، لينتهي به الجشع لهلاك نفسه بما فََعل .

… قال لي والد “التطوانية” مصطنعاً الهدوء خائفاً من ردة فعلي ملتزماً باتفاق ربما عقده في غيابي (كما ظننتُ) مع ابنته ، مطمئناً لمفعول دهائه على ربح موافقتي لما يطلب ، وكأنني سلعة اشتراها بثمن بخس ، ليبيعني بآخر أعلى ضامناً به الربح الوفير ، وتلك شيمة التجَّار الكبار الذين لا يفكرون إلا في تنمية مصالح استثماراتهم التجارية لا غير . :

– سنرحلُ إلى “مدريد” وأنتَ معنا ، بعدما تكون قد أصبحتَ عُضواً مُقرَّبا من عائلتنا ، نزولاً لرغبة ابنتي ، هناك ستساعدها في المكتب الذي سأفتحه لإدارة أملاكي واستثماراتي الجديدة ، المكتب الذي سيخصّص لك راتباً محترماً لم تكن تحلم به ، يليق بالوضعية الاجتماعية التي ستصبحُ أهلاً لها من تلك اللحظة ، أعلمُ أنَّك تُتقنُ اللغة الاسبانية مثل ابنتي وربما أكثر ، لذا من المُمكن أن تربط العلاقة مع الإعلاميين والصحفيين المشتغلين بالجرائد والمجلات التي سنضطر الإعلان فيها عن مشاريعنا هناك ، وهذا يصب في تكوينك العلمي ، أنتَ دارس الصحافة في “برشلونة” ولك خبرة كبيرة في الميدان ، ضع كل هذا في كفّة وفي الثانية ضع شروطي التي عليها يتوقف رحيلكَ معنا أم لا ، ومنها أن تتخلَّى عن السياسة وأوجاع السياسة ، وتشغل نفسكَ تماماًُ بمسؤولياتك الجديدة ، مع وضع حد نهائي لأي قضية تجعلك مُطارَداً من قِبل الحكومة الجزائرية ، الصحراء مُحرّرة والدولة المغربية قادرة على مباشرة شؤونها الداخلية دون تدخُّل من أحد ، الباقي من الأمور تظل جانبية يمكن التطرُّق فيها مع مرور الوقت ، أمَّا البند المهمّ والأساسي والعمود الفقري للاتفاق المُبرم بيننا سيكون ، يتوقَّف على معاملتكَ لابنتي زوجتكََ في المستقبل كأنها ابنتي ، وأنتَ اعلم وأدرى مَنْ أكون .

… لمحتُ “التطوانية” وقد انقلب وجهها لتجهُّم يقدّم لصرخة قد تطلقها لتوقِف تخاريف والدها ، لكن ضحكاتي جنّبتها ما كانت بصدد إعلانه كنهاية غير سعيدة لمثل اللقاء ، منتقلة من مكانها لتجلس بجواري وتمسك بيدي معبرة أنها ستكون معي مهما حصل ، الوالد لا زال مشدوهاً ينتظرُ منًّي الجواب ، وما هي إلا لحظات حتى فاجّأته وبكل هدوء سائلا :

– و مَتَى نُسافِرُ إلى نيويورك ؟

– وما دخل أمريكا في الموضوع؟؟؟.

– كي تؤشِّر لنا منظمة الأمم المتحدة على هذه الاتفاقية التي عرضتها على منذ قليل .

– أتَسْخَرُ مِنّي يا هَذَا ؟؟؟.

– بَلْ أقولُ لك وبكلّ احترام ، لابنتكَ ليس لكَ مع السَّلامة . خسارة فيكَ الدقائق التي جلستُ فيها مستمعاً لخزعبلاتك.

أوقفتني “التطوانية” ومشروع هطول دموع غزيرة على وجنتيها المصبوغتين بلون الكُرز ، لتخبرني أنها مغادرة في تلك الأثناء “الفيلا” لتستقرّ في بيتي ، ولما علِمت أنني مسافر إلى الرباط تلك اللحظة ومنها إلى مراكش حيث ينتظرني صباح الغد الاستاذ أحمد عصمان لأجري معه لقاءاً صحفيا لفائدة جريدة “الحدث” تمنت لي الوصول والعودة وأنا في أحسن حال ، مع التذكير أن نسخة من مفتاح باب بيتي معها .

… أدرتُ رقماً مُعيَّناً على جهاز الهاتف فإذا الأسلاك تنقل صوتاً يدلني على المكان المُخصّص للّقاء ، وفي الطريق استرجعت كلمات الأخت “أمينة” ، وهي فعلا أمينة مقر التجمع الوطني للأحرار المُشيد مؤخراً في العاصمة الرباط ، فعلمتُ أنها كانت مُحقّة حينما ودّعتني بأدب جمّ قائلة :

إنّ للأستاذ أحمد عصمان كلمة واحدة ، سينتظرك في الحادية عشرة صباحاً فحاول أن تكون بمدينة مراكش في نفس الموعد بالضبط ، فلم أجد ما أطمئنها به سوى أن كلمتي واحدة أيضا ، وبالفعل تحمّلت عناء السفر إذ القطار يكتظ هذه الأيام بمئات المسافرين فيتجوَّل بدرجته الأولى أيضاً إلى جحيم يتنقَّل ببطء ، ورغم المسافة المحددة بين الرباط ومراكش فهي ساعات ثمانية ، تُدخل من الملل على المرء ما يجعله لا يفكر في امتطاء هذه الناقة المهيكلة المصنوعة من حديد . استقبلني عليل مراكش المنعش يمحي أثار الإرهاق عن وجهي بخيوط فجر يصبغ المدينة العتيقة بلون الحياة . في مراكش يتجدّد الأمل مع إشراقة كل فجر جديد ، أمل هو للإنسان أينما كان ، تلك المرآة التي تعكس أهداف النظرة البعيدة المدى لغد آت بالسعادة والاطمئنان الرّوحي، أمل هو للمكان رونق وللزمن بسمة صادقة تتفجّر من عمق لا وجود للشوائب فيه مُطلقاً . وأنا أتجوّل وحيداً يرافقني هذا الأمل وجريدة “الحدث” أتحسّسها فإذا هي كلمات تلامس الحقيقة تدفعني دفعاً نحو المسير إلى الأكثر في اتجاه لا نهاية له ، كالحرية بمفهوم غير مقيَّد بنظرية هذا الفيلسوف أو ذاك ، فإذا بذور الخير حولي أراها سمة ظلّت هنا بالمغرب ، مع الأحقاب المتعاقبة تجود بلا حساب ، تمهّد الطريق للأجيال لتكون الحياة على استمراريتها الطبيعية نضرة في أعين الجميع ، بلا طبقيات ولا فوارق اللهمّ ما كان للخير من فضل ورخاء ،

وأخيراً وصلت إلى المكان ، بناية كأَنَّ هندستها الرائعة تُرَحّب بمن يتعشَّق الانزواء لتخطيط معالم المستقبل ، إذ الفكر هنا واجد المجال للإبداع والابتكار ، جلست في الصالون الرّحب حيث الأناقة وضعت بصماتها على محتوياته ، جلستُ أنتظر الأستاذ أحمد عصمان الذي استعجل محادثته التي كانت باللغة الإنجليزية – الأمريكية ، ليصافحني بحرارة وتيقنت أن الرّجل بما أظهره من تواضع هو الرّمز الحقيقي لزعيم سياسي سيظل المادة الخام المستقطب لاهتمامات الصحافة لأعوام طويلة ، والأضواء ستبقى مسلّطة عليه بمثل القوة حينما كان رئيسا للحكومة السابقة ، بسرعة ارتحتُ لنفس النّقاش الذي جعلتُه مسلكاً لكل مقابلاتي الصحفية . سألَ وسألتُ وبعناية أدق استمعَ لما فُُهْتُ به ، وحينما تدخّل في المواضيع التي رغبتُ في تسجيلها ل”الحدث” كان صريحاً منطقياً في رؤاه و تخميناته وحساباته بالنسبة للمستقبل . على ضوء المعطيات الحالية ذهب بنا الحديث للتجوال عبر آفاق وجدة لنعرّج على تطوان فالقصر الكبير ، وفي كل ناحية كانت أسماء بعض الأشخاص محور نقاش كافي لأقتنع عملاً بالمبدأ ، خُذ القول الفاصل من فم واضع القرار وبعدها تصرّف كما تمليه الظروف ، وهذه هي السياسة في مظهرها الشكلي ، كم سُرِرتُ أن تكهناتي بالنسبة لبعض الأشخاص كانت في محلها ، وأثبت الصبر جدواه ، وبدأت سحب الغموض تنقشع حتى تربّعت شمس الحقيقة تصرخ ، لقد كنتَ على حقٍ يا مَن أتيتَ تستفسر:

مصطفى منيغ : هل التجمع الوطني للأحرار سيكون هو المعارضة مستقبلاً؟.

أحمد عصمان : كل هيأة سياسية لا تخرج للوجود إلا من أجل ممارسة الحكم والمسؤولية ، بالأحرى حينما تمثل هذه الهيأة الأغلبية ، لا يمكن القول أنه أي حركة تنشأ يكون هدفها المعارضة هذا لا يُعقل ، إنما لتمارس مسؤولياتها وعملها السياسي في الحكم ، هذا بطبيعة الحال ما يفرض نفسه ، سيما إذا كانت تلك الحركة تمثل الأغلبية . المغرب دخل المسلسل الديمقراطي ، أو التجربة الديمقراطية عملاً بمبدأ الشورى بين المواطنين وأصحاب الحق واعتبار الرأي الذي تعبّر عنه الأغلبية ، هذا هو المفهوم الحقيقي للديمقراطية ، وعلى هذا لن نكون معارضة ، لا لن نكون .

مصطفى منيع : أمسك فريق التجمع عن التصويت على ميزانية بعض الوزارات ألا يمثل بداية لا لمفهوم المعارضة كرفض قاطع ، وإنما لمفهوم معارضة بناءة تعتمد على الأسس العلمية والواقع المُعاش ؟.

أحمد عصمان : هناك حالات نحن نمثل الأغلبية داخل البرلمان ، إذن لن نكون في المعارضة ، هذا مستحيل ، المعارضة في النظام الديمقراطي تتمثّل في الأقلية أما الأغلبية فتمارس كلاً أو جزءاً العمل السياسي والمسؤوليات في البلاد. نحن الآن كأحرار نتواجد مع هيئات أخرى داخل الحكومة ، وهذا لا يمنعنا من التعبير عن أفكار مختلفة . في بعض الأحيان لا يمنعنا من توجيه النقد البنّاء داخل البرلمان ودلك يجسّم نوعاً من المشاركة في المسؤولية مشاركة ايجابية . كما لاحظتم امتنعنا عن التّصويت داخل اللجان في بعض الحالات لإظهار الحقائق أمام الملأ وبأنها لا تتّفق والسياسة المتّبعة ، نحن موافقون على البرنامج العام للحكومة وهذا لا يمنعنا من ممارسة واجباتنا كمسؤولين ونواب وكذا إبداء رأينا.

مصطفى منيغ: هل للأغلبية الحالية من استمرار؟.

أحمد عصمان : لا يعلم هذا إلاَّ الله . الأحرار حركة سياسية خرجت إلى الوجود بعد الانتخابات ، كانت تكون تياراً حقيقياً كنا نلمسه عن كثب بضعة سنين قبل الانتخابات ، وقد تبلور هذا التّيار بمناسبة الحملات الانتخابية ومن خلال الممارسات الحكومية التي منحت لنا الفرصة منذ 1971 حتى هذه السنوات الأخيرة لبلورة عدد من الأفكار التي أصبح الأحرار يمتازون بها الآن ونحن نقول أن التجمع الوطني للأحرار جاء لملء الفراغ السياسي ، حيث كانت الأغلبية قد ابتعدت عن المشاركة السياسية وطبعاً لعدة اعتبارات ، و جئنا نحن نلزم هذه الأغلبية الصامتة حتى تعبّر عن نفسها فتخرج بذلك إلى الوجود ، وإذا كنا الآن بصدد تطوير هذا التنظيم السياسي فلا ننسى أن هذا سيتطلّب منا وقتاً طويلاً وعملاً مستمراً ، أما الشيء الذي نلاحظه أن ثمة إقبال من لدن المواطنين ، وهذا في نظرنا لا يكفي إذ نتمنى من صميم الفؤاد أن تكرّس الأطر التي نتوفر عليها ، وهي كثيرة بيننا حمداً لله ، كل الجهد ليترعرع تجمعنا ويتقوى فيصبح ركيزة هذا البلد الأمين . أما بالنسبة للأغلبية مستقبلاً كما جاء في سؤالكم ،أولاً هذه مسألة موكولة إلى التنافس والمنافسة السياسية ، ذلك أننا نقول دوما أننا لا نحتكر الساحة السياسية بل نتعامل ونتعايش مع تشبثنا بالروح الرياضية التي بدونها لآ يمكن للديمقراطية أن تمارس .

مصطفى منيغ : حتى يصبح تنظيمكم ركيزة كما قلتم تمّ إرسال بعثة من أطركم إلى بلد أوربي ؟

أحمد عصمان : لقد ربطنا بصفة عامة علاقات تتطوّر يوماً بعد يوم ، علاقات ود وعمل مع الأحزاب سواء في الداخل أو الخارج ، ومما لا شك فيه أن احتكاكناً هذا ، ولا سيما بالأحزاب الأجنبية قد يمكننا بالاستفادة من تجاربها الطويلة ربحا للوقت وتفادياً للعديد من الأغلاط المُرتكبة من طرف هذه الأحزاب السياسية نفسها . نحن في حاجة إلى نفس جديد ، إلى أسلوب عصري متّبع داخل المنظمات السياسية الأوربية مثلاً، فعلى هذا الأساس أوفدنا بعض الإخوان المنتمين للجنة تكوين الأطر تنفيذا للتوصية المتّخذة في اجتماع المجلس الوطني الأخير ، وهي اللجنة المهمة جداً والتي يتجلى دورها الأساسي في تنشيط العمل السياسي مع تكوين منشطين داخل شُعبنا واتحادياتنا ، وسأقوم بزيارات إلى الخارج قصد الاتصال بالمنظمات والشخصيات بعدد من الدول الأوربية .

… ولما علِم الأستاذ أحمد عصمان برغبتي في الانصراف قادني بسيارته الشخصية إلى محطة القطار ، وفي الطريق وضع شريطاً على جهاز خاص فتعالت جوقة الجمعية الأندلسية الوجدية وهي تشدو أرقّ الألحان وأعذبها ، فتيقنتُ ساعتها أن الاستاذ أحمد عصمان يكون سعيداً حينما يحيط نفسه بجوّ وجدة ، التي تفضح قسمات محيّاه حبّه الشديد لها . (يتبع)

الصورة: 1/ الفقيه مصطفى الدِّرْفُوفِي يدعو داخل ضريح سيدي يحيى أن ينجح أحمد عصمان في الانتخابات البرلمانية لسنة 1977 . 2/ أحمد عصمان .

مصطفى منيغ

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك