الإثنين - الموافق 01 مارس 2021م

المطابع ودور النشر في الفيوم في القرن التاسع عشر 1800ــ 1900 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. أيمن عبد العظيم رُحَيِّم ..كاتب مصري وناقد أدبي

الطباعة وحدها دليل كافٍ على حدوث التطور في مجتمع من المجتمعات، فعملية الطباعة هي التطبيق الأخير الذي يجسد لك مراحل الفكر والبحث، ثم يمثل مراحل الصناعة الحديثة تجهيزا و تنسيقًا، ولذلك فإن ظهور الطباعة يمثل خطورة كبيرة في سلم تحضر المجتمع وتقدمه، وربما يبدأ التأريخ الحقيقي لهذا المجتمع من لحظة ظهور الطباعة.

تاريخ الطباعة في الفيوم قبل القرن التاسع عشر

وكانت الفيوم على موعد مع ظهور الطباعة قبل العصر الحديث منذ فترة مبكرة، بل يبدو إن الفيوم كانت متفردة في مجال ظهور الطباعة على المستوى التاريخي، حين اكتشفت البعثات في الفيوم ألواحًا خشبية عليها طباعة تعود إلى القرن العاشر الميلادي، ثم تبعتها اكتشافات أخرى عثر فيها على وثائق مطبوعة في الفيوم أيضا تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي.

فإذا كان هذا ما توصيلت إليه الاكتشافات الحديثة عن وجود آثار لأعمال الطباعة القديمة في الفيوم،فإن الدراسات العلمية تؤكد أن” مصر بعد أن قدمت للعالم فنون الكتابة وأوراق البردي، ثم أسهمت مصر في تطوير تقنيات الطباعة من خلال الطباعة بالألواح الخشبية التي عرفت في الفيوم” ( )

الفيوم إذن في تاريخها الثقافيمتفردة في رسوخ صناعة الطباعة في نواحيها منذ العصور السحيقة، فكيف حالها مع الطباعة الحديثة التي أشرقت شمسها في الفيوم في القرن التاسع عشر؟ وإلى أي حد أحدثت الطباعة تطورًا ثقافيًا كبيرا في مجتمع الفيوم؟

1ــمرحلة عدم الحاجة الملحة للطباعة:

في مطلع عصر محمد علي باشا لم يكن هناك أي مظهر للاهتمام بصناعة الطباعة والنشر في الفيوم، فلم تكن في الفيوم أي أوراق جيدة للكتابة أو للنشاط العلمي، وإنما كان النشاط العلمي القائم وقتئذ في الكتاتيب يقوم على الحفظ والتلقين، بينما يعتمد نظام التقويم على التذكر، فلم تكن هناك حاجة تعليمية ملحة بشكل ضروري تدعو إلى تنمية عملية الطباعة والنشر في الفيوم.

من ناحية أخرى كانت الفيوم في هذه الفترة ــ عصر محمد علي باشا ــ قسمًا ضمن مديرية الأقاليم الوسطى تارة، أو قسمًا ضمن مديرية الفيوم وبني سويف تارة أخرى، فإن الموظفين العاملين في دواوين الحكومة كانوا يعتمدون على الأوراق التي تصرفها الحكومة للموظفين، وبخاصة في تدوين الملاحظات أو البيانات المالية أو المراسلات الحكومية، ولم تكن الأوراق متاحة لكافة المواطنين.
أما النشاط الصحفي فكان محدودًا جدًا في الفيوم مطلع القرن التاسع عشر ، وبخاصة صحيفة( الوقائع المصرية) و(الجريدة العسكرية)فقد كانت صلتهما بالفيوم أنهما تغطيان أخبار مأمور الفيوم الإدارية، وبعض الموظفين الآخرين، وهو ما يعني أنه لم تكن هناك نسخ كثيرة تصل للفيوم، ما يؤكد من ناحية أخرى عدم الحاجة الملحة لصناعة الورق والطباعة في الفيوم والاكتفاء بالورق الذي يتداوله التجار ويتم استخدامه بين أرباب العلم والثقافة حينئذٍ.

2 ــ مرحلة صناعة الورق في الفيوم:

في مطلع القرن التاسع عشر أنشأت الحكومة المصرية المطبعة المصرية ــ مطبعة بولاق ــ سنة 1823 ما يعني ازدهار أعمال الطباعة والنشر في مصر ، بشكل حديث، وبصورة تدعمها الدولة رسميًا، ثم أنشأت الحكومة في منتصف القرن التاسع عشر مصنعا للورق في الفيوم، كان من أعماله أنه يبيع ورق التجزئة للتجار( ) وكانت للورق المنتج في الفيوم علامة مائية خاصة بدأت تظهر للمرة الأولى تقريبا سنة 1844م( )
وقد أنشأ هذا المصنع في الفيوم بأمر شخصي من محمد علي باشا سنة 1844( ) وكان محمد علي قد عهد إلى الخواجة (سميث) الإنجليزي بإنشاء هذا المصنع وتعهده بالرعاية، ولذلك فإن العلامة المائية التي كان يصدر بها الورق كانت تحمل اسم الخواجة سميث Smith and Son منذ سنة 1851 ( ) ثم تمَّ تغيير هذه العلامة بإضافة اسم الابن ميلنر ،فأصبحت العلامة في سنة 1869 MilnerSmith and( )

3 ــ مرحلة صناعة الطباعة الحديثة في الفيوم:

ولم يركن الفيوميون إلى ماضيهم العريق في صناعة الورق وصناعة الطباعة سواء في العصور الفرعونية أو الإسلامية، وكذلك لم يكتفوا بصناعة الأوراق التي يحملها إليهم التجار، وكذلك لم يرض طموحهم وجود مصنع سميث وابنه ملنر للأوراق في الفيوم بما يمثله ذلك من دعم للحركة الثقافية والتعليمية في الفيوم، حتى تطلوا إلى وجود مطبعة حديثة في الفيوم.فلم تعرف الفيوم الطباعة الحديثة إلا في الخطوة اللاحقةلتأسيس مصنع الورق السابق ذكره في منتصف القرن التاسع عشر بأمر من محمد علي، وبجهود الخواجة(سميث).

أــ مطبعة الحكومة في مديرية الفيوم:

ظهرت الطباعة في الفيوم في ظروف توافرت لوقوع ذلك الحدث الكبير، حين كانتالحكومة المصرية في عصري عباس باشا ثم الخديوي سعيد لم تعد تهتم بشئون (مطبعة بولاق) المطبعة الرسمية للدولة، بل أخذت في تصفيتها، أو إرسال بعض أجزائها إلى المديريات، ففي هذه اللحظة أرسل مدير الفيوم إلى الخديوي يطالب بجزء من آلات مطبعة بولاق لمديرية الفيوم حتى يكون فيها مطبعة مثل باقي المديريات المصرية، وهو ما حدث بالفعل في 6 مارس 1862م فقد صدر أمر عالٍ منطوقه:

(إنَّ مدير الفيوم أرسل إخبارية إلى معيتنا بواسطة التلغراف في 25 شعبان 1278 يطلب بها ترتيب مطبعة في المديرية، وإرسال آلاتها من مطبعة بولاق لزوم طبع الدفاتر والأوراد وخلافه لزوم عملية سنة 1863 وقد اقتضت إرادتنا ترتيب المطبعة بتلك المديرية اسوة بأمثالها، والآلات ترسل من الموجود في مطبعة بولاق)( )

ويرى الدكتور أبو الفتوح رضوان أن هذه الآلات التي قدمتها مطبعة بولاق لمديرية الفيوم من أجل إنشاء مطبعة للمديرية كان هو آخر ما تستطيع مطبعة بولاق الاستغناء عنه من آلاتها، حيث إنه بعد شهر ونصف من وصول هذه الأدوات والآلات إلى الفيوم قررت الحكومة إنشاء مطبعة في مديرية الخرطوم، فلم تجد الحكومة في مطبعة بولاق ما يمكن أن يفيد في ذلك الغرض، وكان لزاما على الحكومة أن تشتري آلات جديدة لهذه المطبعة( )

أما الدكتور شعبان خليفة فيرى أن مطبعة الفيوم كانت المطبعة الأميرية الجديدة في عصر الخديوي سعيد، وأنها كانت مطبعة حكومية، تختص بالمديرية، وتستمد موادها من مطبعة بولاق( )

ب ــ مطبعة (الفيوم) الخاصة:

طوال الفترة منذ عام 1862 وحتى العقد الأخير من القرن التاسع عشر لم يكن في الفيوم سوى مطبعة المديرية سابقة الذكر التي اعتنت بطباعة الدفاتر والأوراد ومتطلبات مصالح الحكومة، إلى أن ظهر أحد النبغاء من شباب الفيوم هو إبراهيم أفندي رمزي، فأخذ يفكر في إنشاء مطبعة خاصة في الفيوم إلى جانب مطبعة المديرية إلى أن أنشأها سنة 1894م

أنشأ إبراهيم أفندي رمزي مطبعة (الفيوم) في مدينة الفيوم، ولا يعرف على وجه الدقة متى ظهرت هذه المطبعة، فكانت ــ على كونها المطبعة الخاصة الوحيدة في الفيوم ــ ملتقى الصحف والكتب، ومجتمع الأدباء، فكانت تجتمع فيها أعمال المطبعة،وأعمال دار النشر.

ويعد أهم ما نشرته(مطبعة الفيوم) هو كتاب (تاريخ الفيوم) 1895 الذي ألفه إبراهيم رمزي، وكذلك جريدة (الفيوم) التي طبعت جميع أعدادها في مطبعة الفيوم (1895ــ 1896)، وكذلك كتاب محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، كتاب مشكاة المصابيح في 583 صفحة.( )

ويدل مضمون أحد إصدارات هذه المطبعة، وهو كتاب (تاريخ الفيوم) على طريقة الطباعة المستخدمة حينئذٍ، حيث يقول مؤلفه إبراهيم رمزي في مقدمة كتابه أنه أرسل إلى أعيان الفيوم يطلب صورهم كي يقوم بنقشها على المعدن توطئة لإدراجها في تراجم كتابه)( )

 

وقد نجح إبراهيم رمزي في توطيد مطبعته في مدينة الفيوم، فظلت ذات تأثير كبير في الأهالي، وحتى بعد انتقال رمزي إلى القاهرة، فإن أحد أبناء الجيل التالي ممن طالعوا جريدة (الفيوم) ومنشورات(مطبعة الفيوم) قد تأثر باسم الجريدة وأسلوبها، هو الشاعر هاشم عبد الحي، الذي أنشأ أيضًا سنة 1930 مطبعة (الفيوم) وجريدة جديدة أسماها (جريدة الفيوم)

4 ــ دور النشر في الفيوم:

وفي نهاية العقد الأخير من القرن التاسع عشر أخذت فكرة دار النشر منفصلة عن المطبعة في المجتمع الفيومي بالظهور، وذلك حين وقع حدث فريد في مدينة الفيوم للمرة الأولى، هو ظهور كتاب (تاريخ الأمة القبطية) الذي خصصت له جريدة(المقتطف) مقالا نقديا في شهر نوفمبر 1899 والكتاب يعد دراسة تاريخية للأقباط المصريين في المجتمع المصري، لمؤلفه يعقوب بك روفائيلة( )، وقد تم نشره للمرة الأولى في (جمعية التوفيق القبطية) لتكون الجمعية بذلك دار النشر الأولى التي تعمل في الفيوم منفصلة عن المطبعة، تنشر كتابًا تاريخيًا في مجتمع الفيوم، لمؤلف من القاهرة، ولتبدأ بذلك مرحلة جديدة في مطلع القرن العشرين، مرحلة ازدهار المطابع ودور والنشر على نطاق واسع

إن المطبعة ودار النشر ارتبط ظهورها في المجتمع الفيومي بالتطور الحضاري لمجتمع الفيوم، فحافظت الفيوم على مواكبة العصرـ وسعت إلى الحفاظ على إرثها التاريخي في التفوق الحضاري في مجال الطباعة والنشر، وفي الحقيقة لم تكن المطبعة الحديثة مجرد ظاهرة نسعى من واء التأريخ لها إلى تأريخ الحياة في الفيوم في القرن التاسع عشر، وإنما تمثل المطبعة جزءًا مهما من التاريخ الثقافي للفيوم في العصر الحديث.
د.أيمن عبد العظيم رُحَيم
كاتب مصري وناقد أدبي

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك