الأحد - الموافق 04 ديسمبر 2022م

المستشار الدكتور محمد جبريل يكتب :- العصر الرقمي .. وتحول الإنسان إلي سلعة .

لا تتعجب إذا ما تحدثت يوماً مع صديقك عن رغبتك في شراء نظارة شمسية ، أو ساعة يد ، أو حتي عن شراء شقة لتسكن فيها ، فتتفاجئ بطوفان من العروض يحيط بك من كل جانب ، و بسيل من الإعلانات يغزو هاتفك في كل وقت ، هذا عرض نظارات ، وذاك عن الساعات ، والثالث عن العقارات .

لا تتعجب حينئذ ، فبجانبك موبايل يسجل ويصور كل ما تنطق وكل ما تفعل ، فيجمع معلومات عنك ، وهذه المعلومات لها ثمن كبير .

فأنت في العصر الرقمي و في ظل الثورة الرقمية مجرد سلعة ، فكيف يتم الاستفادة منك ، وكيف يتم تحقيق أكبر قدر من الربح من وراءك ؟

وهذا هو الجانب الضار أو السيئ في عصر الرقمنة أو ثورة المعلومات ، حيث تم كشف أسرار الفرد بشكل مثير ،و زاد حجم المعلومات المُتاحة عن الإنسان بصورة مذهلة .

ولك أن تتخيل عدد الشركات التي تستخدم الحواسيب المتطورة ، وترصد الأموال الطائلة ، والجهد والوقت الطويل لكي تجمع المعلومات والصور ، وتقوم بتحليلها وفحصها ، لكي تستطيع استدعائها خلال لحظات عند الحاجة إليها .

ولذلك يمكن القول بأن الإنسان أصبح كتاب مفتوح لهذه الشركات ، وأصبح البعض يعرف عنا كل شيء ، بل وقد يعرف عنا ما لا نعرفه عن أنفسنا .

فكل شيء يحيط بك أصبح يّجمع معلومات وبيانات عنك ، وكأنك صيد ثمين ، ساعتك الرقمية التي في معصمك ، والموبايل الذي في جيبك ، و شاشات التلفزيون والثلاجات والتكييفات الرقمية والرَادارات والكاميرات والحواسيب التي حولك ، تقوم بجمع معلومات عنك في كل وقت .

ونحن نتساءل بسذاجة ، وماذا تفعل الشركات العالمية الكبرى بمعلومات عن شخص بسيط ومجهول في أقصي الريف المصري ، أو شخص في أعالي الصعيد ليس له حول ولا قوة ؟

والإجابة تقول أن هذه المعلومات التي تتعلق بأفراد مغمورين ، لها ثمن حيث تشكل بعد ذلك معلومات عن مجتمعات كاملة وتكون فكرة عامة عن أفكار واتجاهات هذه المجتمعات ، فهذه البيانات والمعلومات التي تتعلق بالمجتمعات تذهب إلى الخوادم الضخمة ، فتشكل ثروة معلوماتية ضخمة عن كُل شخص موجود في هذا المجتمع ، ويمكن بعد ذلك الاستفادة منها في كافة الاتجاهات .

حيث تتمثل هذه المعلومات في مكامن طموحات و احتياجات وآمال كل فرد ، عن طريق تكوين فكرة عميقة عن كل شخص وعن ميوله الشخصية ، وماذا يُحب وماذا يكره ، وما هي أنشطته التي يمارسها ، وما هي الأفعال التي فعلها سراً ، والأفعال التي يمارسها جهراً مع مجموعات ؟

ويتم ذلك عن طريق تحليل المعلومات والبيانات المتعلقة بكل شخص علي حدة ، فيتم معرفة كل الأسرار عن طريق المعالجات الخوارزمية ، والإحداثيات المتقابلة التي تعرف عنا الكثير من المعلومات ، بل وتعرف عنا أكثر مما نعرفه نحنُ عن أنفسنا.

وليس بعيد عن ذلك الأشياء التي نبحث عنها في الإنترنت أيضًا تحفظها مواقع البحث ، وتحللها تبين بكل وضوح اهتماماتنا ، واحتياجاتنا وتبوح بالكثير عن شخصياتنا ، وما نتحدث عنه وتسجله الأجهزة الرقمية وتصوره لنا يكشف بكل سهوله عن أفكارنا وما نريد تحقيقه في الوقت الحاضر وفي المستقبل أيضاً .

فالذين يبحثون عن هذه المعلومات ويجمعونها ويحللونها ، ليسوا أشخاص عاديين، إنما يقومون بإجراء تجارب علينا، حتى أصبحت الأجهزة كمعامل التجارب ، و أصبحنا نحنُ عبارة عن فئران تجارُب، بمعنى عندما تجد في مواقع التواصل الاجتماعي مادة وتتفاعل معها، توجد مراكز دراسات تدْرُس تفاعلاتك ، من أجل أن تبني عليها استخلاصات و استنتاجات ، فنحنُ طول الوقت محل للبحث والاكتشافات والتجارب .

حيث تجرى علينا التجارُب دون أن نشعُر، وتستفيد منها مراكز بحثية كُبرى، تستفيد من هذه التجارب وتبيع هذه المعلومات والاستنتاجات لشركات كبيرة تعنى بهذه الدراسات

ولا شك أن الأسواق تستفيد من كُل معلومة عن الأفراد والمجتمعات ، لأجل أن تبيع لنا تلك المعلومة، وتأخذ من جيوبنا شيء ما، ثم تسيطر على تفكيرنا، نتيجة هذه الاختبارات التي يجرونها، يحصلون على كل ما يخصك، حتى تصُب هذه المعلومات في تلك المُعَالجات الضخمة .

وخلاصة القول أنه في ظل عصر الرقمنة ، و في ظل الثورة الرقمية المذهلة ، أصبح الإنسان عبارة عن كتاب مفتوح ، ليس يستره عن العالم أي ساتر ، فبانت حوائجه وتطلعاته وطموحاته ، وماذا يريد أن يأكل وماذا يريد أن يشرب .

وقد أصبح الإنسان مجرد رقم أو مجرد سلعة فيتم التنافس علي كيفية الاستفادة منها ، فأنت تساوي عند شركات المعلومات والاتصالات التي تتحكم بالمعالجات الضخمة رقم مالي تُباع من خلاله لجهات معينة .

ومن ثم فلا تتبرم حينما تهاتفك الشركات لتسوق لك أغراض كانت مجرد فكرة في دماغك ، أو أن يصل إليك إيميل عن فكرة معينة كانت قد جالت في رأسك منذ فترة وقد تكون أنت قد نسيتها .

فمن أين علموا برغبتك في عمل ذلك أو بنيتك شراء تلك ؟

هذا ما يوضح خطورة الثورة الرقمية التي قضت قضاء صريحاً علي الحق في الخصوصية ، والاحتفاظ بالأسرار ، إلا أن الأخطر من ذلك هو أن الإنسان أصبح قابل للتوجيه والتحكم !!

فالخطورة هنا تتمثل في أنه عن طريق هذه البيانات والمعلومات يمكن توجيهنا وجرنا نحو ثقافات جديدة ، واتجاهات مختلفة لا لشيء إلا للاستفادة منا وتحقيق أكبر قدر من الربح عن طريقنا .

 

 

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك