الإثنين - الموافق 05 ديسمبر 2022م

المستشار الدكتور محمد جبريل ابراهيم يكتب :- تهديدات التكنولوجيا الرقمية

لا أحد ينكر أن التكنولوجيا الرقمية جاءت واصطحبها انتشار العديد من الجرائم الالكترونية بشكل ظاهر ، نتيجةً لتداخل التكنولوجية الرقمية في مختلف مجالات الحياة، فقد اصبحت الأجهزة الرقمية الذكية ملاصقة للانسان ، وأصبح لا يستغني عنها في أي تفصيل من تفاصيل حياته اليومية .
وقد نتج عن ذلك العديد من الإشكاليات الخطيرة مثل:
هتك الستر المجتمعي ، الاعتداء على الحياة الخاصة ، وجرائم الابتزاز الالكتروني، الهجمات السيبرانية، الاحتيال والنصب الالكتروني، وغيرها من اشكال الجريمة الالكترونية.
ايضًا ظهرت مشكلات عديدة في الحياة الاجتماعية بسبب سهولة التواصل الاتصال، فقد انتشرت الخيانة والرذيلة واشكال العنف الاسري بشتى انواعه، بالإضافة الى انتشار التنمر الالكتروني الذي يعتبر من اهم مشكلات العصر الحديثة الناجمة عن الثورة الرقمية.

ولا ننسي انتشار البطالة بسبب تطور الصناعة الأمر الذي أدى الى الاستغناء عن الكثير من الايدي العاملة حول العالم، مما أدى الى تفاقم مشكلة البطالة بشكل كبير.

ومع كل هذه السلبيات فلا أحد ينكر ما تقدمه الثورة الرقمية من سبل راحة ، ووسائل رفاهية للإنسانية عن طريق تقديم الكثير من الخدمات التي كان من المستحيل تقديمها بدون التقنيات الحديثة ، حيث وفرت هذه التقنيات إمكانية تحقيق التواصل الإنساني ، وإنجاز الأعمال في سهولة ويسر ، إلي جانب أن الثورة الرقمية يمكن توظيفها في مجالات عدة ، سواء مجالات اقتصادية ، واجتماعية ، وكذلك في خدمة النواحي الأمنية وكشف الجرائم ، وأيضاً في خدمة العدالة وتحقيق الإثبات الذي قد تعجز عن تحقيقه الوسائل التقليدية .
مخاطر الثورة الرقمية
============
إلا أن هذه الثورة الرقمية لها جانب سيئ وضار يتمثل في هتك الستر المجتمعي ، وفضح الأسرار ، ونشر الأخبار علي نطاق واسع ، مما تسبب في أزمة ستر مجتمعي مثيرة ، وتشكل خطر علي الحياة الخاصة .
وفي الحقيقة فإن الثورة الرقمية بما وفرته من وسائل إعلام مرئية ومقروءة ، ووسائل اتصال حديثة وأجهزة رقمية متعددة كالموبايل الذكي ، والساعات الرقمية الذكية ، وشاشات التلفاز ، والثلاجات ، والتكييفات وغيرها من الأجهزة الرقمية الذكية ، أدت إلي أن يصبح الفرد عبارة عن كتاب مفتوح ، وبات من اليسير معرفة كل شيء عنه بدون أي جهد ، ولم يصبح هناك حاجة للتنقيب عن الأسرار أو البحث عنها ، بل أصبحت المعلومات والأخبار والأسرار العميقة تصل بسهولة وطواعية إلي الآخرين عن طريق ضغطة علي زر في جهاز رقمي ذكي .

التكنولوجيا تحيط بالإنسان
==================
وساعد علي ذلك أن هذه الأجهزة أصبحت قرينة لكل شخص ، وباتت مستودع لكل أسرار حياته ، من حيث ماذا يحب وماذا يكره وماذا يأكل وماذا يشرب ، ومن أين يأتي وإلي أين يذهب ، ومن يصاحب ومن يخاصم ، وكل ذلك وفي كثير من الأحيان يكون الشخص غير مدرك بأن ما يحمله من أجهزة ما هي إلا أداة تتجسس عليه ، وترصد تحركاته ، وتسجل سكناته ، وعلي ذلك يمكن تشبيه الإنسان الذي يحمل موبايل ذكي في جيبه ، وكأنه يحمل كاميرا ومسجل لكل تفاصيل حياته ، ويمكن عرض هذه التفاصيل لمن يريد ذلك أو يسعي إليه .
وتبدو خطورة الثورة الرقمية في أنها أتاحت هذه المراقبة وهذا الرصد لكل من هب ودب ، ووفرت سبل هتك الأسرار ، والاطلاع علي الحياة الخاص للناس لأي شخص ، بعد أن كان ذلك مقصور علي جهات معينة وحسب ، بل أنه أصبح هذا الهتك في مقدور أي شخص مهما كان ، حيث يتمكن الكثير من الأشخاص العاديين من القدرة علي اختراق الهواتف المحمولة وفك شفراتها والدخول علي أنظمتها والاطلاع علي محتوياتها أو العبث فيها .
سهولة نشر المعلومات
================
وهذا ما يكشف سيل المعلومات وطوفان الفضائح التي تنتشر سريعاً ، و تكسر الستر المجتمعي عن طريق نشرها علي شبكة الإنترنت ، حيث يتم تصوير خبايا الحياة الخاصة وتسجيل كل هناتها عبر الأجهزة الإلكترونية في المنزل كالهاتف المحمول ، وأجهزة الكومبيوتر ، وكاميرات المراقبة ، وجهاز التلفاز الذكي والثلاجات الذكية ، والتكييفات وغيرها من الأجهزة الرقمية الذكية المحيطة بنا ، والتي يمكنها استراق السمع ، وتصوير كل ما يدور علي مقربة منها .
وما يبدو لنا ، وما تجدر الإشارة إليه أن هذا النهم و التشوق لهتك الستر المجتمعي الذي تسببت فيه الثورة الرقمية قد صادف هوي ، و لاقي قبولاً لدي البعض ممن عندهم فضول ، ولديهم نزعة الجري وراء النقائص الأخلاقية ، والفضائح الاجتماعية ، كما أن تنافس بعض وسائل الإعلام في الاستباق نحو الخوض في تفاصيل الحياة الخاصة لبعض المشاهير من الفنانين والمطربين ولاعبي الكرة ، وذلك بغرض تحيق التريندات ، واجتذاب عديد القراء والمشاهدين ، وكان المساهم في كل ذلك بنصيب كبير الثورة الرقمية في جانبها السيئ الضار .

مخاطر الأجهزة الرقمية :
===================
وما يجب التنبيه عليه والتحذير منه هو أنه لا أحد بمنأي عن هذا الهتك ، فأي شخص معرض لأن يري نفسه وهو متخفف من ملابسه وهو في غرفة نومه وصورته تملاً شبكات الإنترنت ، فما تبقي من خصوصية للإنسان ما زال يضيق ويضيق حتي وصل إلي حد مقاسات ملابسه الشخصية التي لا يتذكرها ، وأصبح بمقدور غيره أن يقف علي أدق تفاصيل حياته الخاصة .
كل هذه المخاطر تثير التساؤل عما إذا كانت التشريعات القائمة كافية لمواجهة الثورة الرقمية أم أنها تحتاج إلي تدخل تشريعي يمكن به كبح جماحها والحد من مخاطرها .
المواجهة التشريعية للثورة الرقمية
===================
وفي هذا الإطار لا يمكن غض الطرف عن فاعلية التشريعات القائمة في هذا الشأن ونذكر منها القانون 175 لسنة 2018 بشأن تقنية المعلومات ، ولم تكن هذه الخطوة الأولي في مجال مواجهة الثورة الرقمية ، بل سبق ذلك العديد من التشريعات التي تناولت الثورة الرقمية السريعة ومنها قانون الأحوال المدنية رقم 143 لسنة 1994 ، وقانون حماية الملكية الفكرية 82 لسنة 2008 ، وقانون التوقيع الإلكتروني رقم 15 لسنة 2004 ، وقانون تنظيم الاتصالات والمعلومات رقم 10 لسنة 2003 .
ومع ذلك ومع كل هذه التدخلات التشريعية إلا أن الثورة الرقمية ما زالت في حاجة إلي ثورة تشريعية مقابلة ، لمواجهة جرائم التعدي علي خصوصية الحياة الخاصة .

 

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك