الثلاثاء - الموافق 07 فبراير 2023م

المستشار الدكتور محمد جبريل إبراهيم …يكتب : ظاهرة التسول ومواجهتها جنائياً

ظاهرة التسول ظاهرة إجتماعية تنشط في مواسم معينة بشكل يهدد أمن المجتمع ويقلق راحته ، ويشوه مظهره ، فينزل المتسولون فيحتلون الساحات والشوارع والطرقات ، ويمارسون نشاطهم فيجرحون الشعور العام ، ويضايقون بتصرفاتهم من يقع تحت يدهم من الافراد .

وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد حذرت من ظاهرة التسول ، وقبحت من هذا الجُرم فقد روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ ) صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم .

فإن القانون الجنائي واجه هذه الظاهرة أيضاً بقواعد حازمة في القانون رقم 49 لسنة 1933 بشأن مواجهة التسول، فعاقب الشخص الذي يمارس التسول في الطريق العام أو في المحال أو الأماكن العمومية ، ولو أدعى أو تظاهر بأداء خدمة للغير أو عرض ألعاب أو بيع أي شيء ، وهو صحيح البنية وبلغ خمسة عشر سنة أو أكثر بعقوبة الحبس مدة لا تتجاوز شهرين .

أما الشخص غير صحيح البنية ومارس التسول في مدينة أو قرية نظم القانون له فيها ملاجئ وكان التحاقه بها ممكناً ، فيعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز شهراً .

أما المتسول الذي يتصنع الإصابة بجروح أو عاهات أو يستعمل أية وسيلة أخرى من وسائل الغش لاكتساب عطف الجمهور واستغلال مشاعرهم ، كاصطحاب أطفال يعانون من أمراض ، أو إظهار شهادات أو وثائق طبية ، فيعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ثلاثة شهور .

كما يعاقب كل شخص يدخل بدون إذن في منزل ، أو محل ملحق به بغرض التسول ، بعقوبة الحبس مدة لا تتجاوز ثلاثة شهور .

كما يعاقب بنفس العقوبة السابقة كل من أغرى الأحداث الذين تقل سنهم عن خمس عشرة سنة على التسول، وكذلك كل من استخدم صغيراً في هذه السن أو سلمه لآخر بغرض التسول، وإذا كان المتسول والياً أو وصياً على الصغير أو مكلفاً بملاحظته تكون العقوبة الحبس من ثلاثة إلى ستة شهور.

وفي جميع الأحوال التي يحكم فيها على المتسول غير صحيح البنية في إحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون يأمر القاضي بإدخاله في الملجأ بعد تنفيذ العقوبة.

يجوز للبوليس وللنيابة الأمر بالقبض على المتهم كما يجوز للنيابة أن تصدر أمراً بحبسه احتياطياً ولا يكون هذا الأمر نافذ المفعول إلا لمدة الأربعة الأيام التالية للقبض على المتهم أو تسليمه للنيابة إذا كان مقبوضاً عليه من قبل ما لم تحصل النيابة في أثناء هذه المدة على إذن بالكتابة من القاضي الجزئي بامتدادها طبقاً لنص المادة 37 من قانون تحقيق الجنايات، وكل حكم يصدر طبقاً لنصوص هذا القانون يكون واجب التنفيذ ولو مع حصول الاستئناف.

وترتبط جريمة التسول عادة بجريمة التشرد المنصوص عليها في المادة الثانية من المرسوم بقانون رقم ٩٨ لسنة ١٩٤٥ بشأن التشرد فى صورتها القائمة على التسول ، إلا أن جريمة التشرد لا تقوم بمجرد قيام المتهم بفعل الاستجداء بل يلزم ، بالإضافة إلى شرطى السن والجنس – أن يحترف المتهم مهنة التسول .

ولما كان التسول يعد فى ذاته وسيلة غير مشروعة للتعيش فضلا عن أنه يُعد جريمة يعاقب عليها القانون ، فإن ممارسة هذه الوسيلة المحرمة واتخاذها موردا للرزق تثبت به حالة التشرد التي تمثل جريمة جنائية آخري وعقوبتها الوضع تحت مراقبة الشرطة .

ومن المقرر أن التشرد فى حكم المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم ٩٨ لسنة ١٩٤٥ هو حالة واقعية تثبت للشخص كلما وجد ماديا بحالة ظاهرة للحس والعيان فى وضع يستدل منه على انتفاء الوسيلة المشروعة للتعيش وتتحقق بقعود الشخص عن العمل اختيارا وانصراف رغبته عن أبواب السعى الجائز لاكتساب الرزق أو باحترافه وسيلة غير مشروعة للتعيش – مع انتفاء أى مورد مالى مشروع يفى بحاجياته الضرورية فى الحالتين كلتيهما – فهو حالة توجد وتنقطع بوجود موجبها المادى وانقطاعه، ولما كان التسول يعد فى ذاته وسيلة غير مشروعة للتعيش فضلا عن أنه جريمة يعاقب عليها طبقا للمادة الأولى من القانون رقم ٤٩ لسنة ١٩٣٣، فإن تعاطى هذه الوسيلة المحرمة واتخاذها موردا للرزق تثبت به حالة التشرد.

 

وإذا كانت جريمة التشرد فى صورتها القائمة على التعويل فى كسب الرزق على التسول لا تتم من مجرد ضبط الشخص وهو يرتكب فعل الاستجداء من الغير الذى يكون جريمة التسول بل أنها تستلزم – بالإضافة إلى توافر شرطى السن والجنس الذى يتطلبه القانون فيمن يوجد فى هذه الحالة – أن تنصرف إرادة الجانى إلى احتراف تلك المهنة غير المشروعة وممارستها بالفعل على وجه يتحقق به هذا المعنى. وإذا اقترن التسول بجريمة التشرد فى نطاق الفهم سالف البيان يكونان معا جريمتين وإن تميزت كل منهما عن الأخرى إلا أنهما يرتبطان ببعضهما البعض ارتباطا لا يقبل التجزئة مما يوجب اعتبارهما معا جريمة واحدة والحكم بالعقوبة المقررة لأشدهما عملا بالفقرة الثانية من المادة ٣٢ عقوبات.

ولما كانت العبرة فى جسامة العقوبة فى حكم المادة ٣٢ عقوبات، هى النظر إلى نوعها بحسب ترتيب العقوبات الأصلية الذى درج الشارع عليه فى المواد من ١٠ إلى ١٢ من قانون العقوبات ولما كانت العقوبة المقررة لجريمة التسول هى بحسب نص المادة الأولى من القانون رقم ٤٩ لسنة ١٩٣٣ هى الحبس مدة لا تتجاوز شهرين، وكانت العقوبة المقررة لجريمة التشرد هى طبقا للفقرة الأولى من المادة الثانية من المرسوم بقانون رقم ٩٨ لسنة ١٩٤٥ الوضع تحت مراقبة البوليس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد عن خمس سنوات، وكانت عقوبة الوضع تحت مراقبة البوليس التى يحكم بها طبقا لأحكام هذا المرسوم بقانون مماثلة لعقوبة الحبس فيما يتعلق بتطبيق أحكام قانون العقوبات، وقانون الإجراءات الجنائية أو أى قانون آخر طبقا لما جرى به نص المادة العاشرة منه، ومن ثم تكون عقوبة جريمة التشرد بالمقارنة إلى العقوبة المقررة لجريمة التسول هى الأشد مما يقتضى أعمالها متى تحققت شروط المادة ٣٢ عقوبات.

وبالرغم من توافر العقوبات التي تواجه ظاهرة التسول إلا إنها في زيادة وانتشار ، مما يستدعي تدخل الدولة لوضع الخطط غير التقليدية اللازمة لمواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة ، ففي الحقيقة فإن القانون الجنائي وحده لا يكفي لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة التي تُعد مصدر للكثير من الجرائم .

وإذا كان المشرع الجنائي ما زال مدعو للتدخل لتشديد العقوبات الخاصة بتسريح الصبية ممن هم دون الخامسة عشرة علي من يغرى هؤلاء الأحداث علي ممارسة التسول باعتبار أن هؤلاء المسرحين هم المجرمون الحقيقيون ، فإن المشرع غير الجنائي أيضاً مدعو بجدية للتدخل بسن التشريعات الإجتماعية لمعالجة هذه الظاهرة الخطيرة .

وفي هذا المجال فإن الأمر يحتاج تكاتف مختلف الجهود ؛ حتي يمكن التغلب علي مضار التسول والتشرد والقضاء علي مشكلاتهما من أساسهما .

 

 

التعليقات

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

انت لاتستخدم دايناميك سايدبار

الفراعنة على فيسبوك