الجمعة - الموافق 22 يناير 2021م

القدس مفتاح السلام .. بقلم : الدكتور عادل عامر

إن فلسطين لم تكن مجردَ أرض دخلت تحت سلطان المسلمين يومًا من الأيام، ويمكنها في يوم آخَر أن تكون خارجه، إن فلسطين تاريخًا وأرضًا ومقدسات ومعالِم هي إرثٌ واجب القَبُول، متحتِّم الرعاية، لازمُ الصَّوْن، إنه ليس خيارًا يتردد فيه المترددون أو شأنًا يتحير فيه المتحيرون، القدسُ آيةٌ في الكتاب، وستبقى ما بقي الزمان، ولن يستطيع بشر أن يغير هذه الحقيقة. وإن لهذه الأمة جذورًا أعمقَ مِن أن تُستَأصل.

أيها القدس، فمن أين أبدأ يا عيون فلسطين، وإن في قلب كل مسلم من قضيتك جروحًا دامية، وفي جفن كل مسلم من مآسيك عَبَرَاتٍ هامية، وله بإسلامه عهد لفلسطين من يوم اختارها الباري للعروج، إلى السماء ذات البروج.

يا فلسطينَ الإباء: إذا كان حُبُّ الأوطان من أثر الهواء والتراب، والمآربِ التي يُقَضِّيها الشبابُ، فإنَّ هوى المسلم لكِ أن فيكِ أُولَى القبلتين، والمسجدَ الأقصى الذي بارك الله حوله، وأنكِ كنتِ نهايةَ المرحلة الأرضية، وبدايةَ المرحلةِ السماويةِ، من تلك الرحلة الواصلة بين السماء والأرض صعودًا، بعد رحلة آدَمَ الواصلة بينهما هبوطًا؛ وإليكِ إليكِ ترامت هِمَمُ الفاتحينَ، وترامت الأيْنُقُ الذُّلُلُ بالفاتحينَ، تَحْمِل الهُدَى والسلام، وشرائعَ الإسلام، وتنقُل النبوَّةَ العامةَ إلى أرض النبوات الخاصة، وثمارَ الوحي الجديد إلى منابت الوحي القديم.

القدس مفتاح السلام، ومن الذي يكره السلامَ ولا يريد السلامَ، بل مَنِ الذي اعترض في الماضي أن يعيش اليهود والنصارى مع المسلمين في أرض الشام وفلسطين؟ ومارسوا عباداتهم وبقيت كنائسُهم ومعابدُهم، واختلطوا فيها بالمسلمين وتبادلوا المصالحَ والمنافعَ، بل وتصاهروا كما كان التاريخ القريب والبعيد، مَنِ الذي يكره السلامَ ولا يريد السلامَ.

المسجد الأقصى والأرض المقدسة، وفلسطين وبيت المقدس، أرض النبوات، ومسرى الرسول، وإرثُ الأمةِ الخاتِمة الذي يسكن قلبَ كلِّ مسلم.

بقاعٌ باركها الله وبارك ما حولها، أكثرُ أرضٍ في هذه الدنيا خَطَا فيها الأنبياءُ، مازجت نسماتُها أنفاسَهم، وأصاخت أفياؤها لتراتيلهم ومناجاتهم. وتبلَّلَ ثراها بدموعهم ودمائهم، في أوديتها وعلى وهادها درَجَ أكثرُ الأنبياء، واستقبلت فجاجُهَا وحيَ الله من السماء.

لا يكاد وادٍ من أوديتها لم يشهد مرور نبي، ولا مَرْجٌ من مروجها لم يسمع تسبيحة رسول، لو نطقت حجارتها لَرَوَتْ لنا حكايةَ بعثةٍ، ولو تكلمت جبالها لقصت علينا مولد رسالة، ولو انحصر ظاهرها عن باطنها لهالتك كثرة مراقد الأنبياء هنالك، ووفرة رفاة الصالحين والأولياء من كل الشرائع كذلك.

كانت الأجيال التي تتعاقب على ثراها لا تخلو من نبي أو أنبياء، وكثيرًا ما كان يتوافر عدد من الأنبياء في زمن واحد، وربما قرية واحدة من قُرَى فلسطين، فضلًا عن المتألِّهين والنُّسَّاك المبثوثينَ على صُعُداتها كَبَثِّ الربيع أفانينَ الزَّهَر، محاريب المتبتلين تلقاها في منحنيات الأودية، وصوامع المتعبدين وَبِيَعهم نائية عن القرى والأبنية، عُبِدَ اللهُ فيها زمنا أطول من أزمان بقية الأرض.

ولئن كان الضلال في كثير من بقاع الدنيا على هيئة وثنية أو إلحاد فإن الضلال في الشام وبيت المقدس خصوصا إذا وُجِدَ فقد كان تقصيرا في القيام بحقّ رسالة أو تحريفًا لمبادئ نبوة مع بقاء جزء من الحق فيما بين أيديهم من صحائف أو كُتُب؛ لذا كانت فلسطين هي ميراث النبوات وعهد الرسالات وميلاد الشرائع أولى بها وبخلافتها رسل الله وأتباعهم إلى يوم الدين. وقد كان من أوائلهم إبراهيم الخليل أبو الأنبياء عليه وعليهم السلام والذي لم يكن يهوديا ولا نصرانيا،

واستمر ساكن الأرض المقدسة من بعده تسوسهم أنبياؤهم كلما سلف نبي خلفه نبي، تطاولت بهم الدهور وتتابعت عليهم الحِقَب، تعاقبت على فلسطين أمم وتغايرت أَلْسُن حتى أسلم الله مقاليدها لهذه الأمة الوارثة، لوحدانية الرسالات وخلاصة النبوءات، ولرسولها المبشَّر به في كل الأمم السالفة.

دخل عمر بعزة الإسلام وفتَح القدس بهذه الكلمة العظيمة في يوم من أيام الله وصلى في صدر المسجد مما يلي القبلة، وسأل عن الصخرة وكانت مدفونة تحت القمامة والزبل، فأزال عنها القَذَر بعباءته وتبعه الناس حتى طهر المكان، وكتب لعهد البلد عهدا وأمانا وحفظ لأصحاب الشرائع كلهم حقهم، فلم يمنع أحدا من ممارسة منسكه، ولم يضيِّق على صاحب صومعة أو بيعة، ولم يهدم جدارا أُسِّس على دين ولم يُهَجِّر ساكنا ولا مستوطنا، ولم يهدم بيتا ولا معبدا ولا دارا.

وبقيت الكنائس والمعابد من عهده إلى يومنا هذا وطيلة فترة حكم المسلمين مع تتابع قرون لم يتعرض لها أحد، كل ذلك تَمَّ وعمر أقوى حاكم على وجه الأرض وسلطانه أعز سلطان تحت أديم السماء، لم تكن حينها منظمات تلاحِظ حقوقَ الإنسان ولا جمعيات تطالِب بتعايُش الأديان، كان الإسلام أسبقَ من ذلك وأولئك، لم يضمّ أحد في سلطان الفتح الإسلامي، ولك أن تقارِن ذلك بما يحدث الآنَ في ظِلّ المنظمات والجمعيات وبعد إعلان المبادئ والمواثيق، بعد أن مَلَكَ الصهاينةُ مقدارًا قليلا من القوة؛ ليتبين لك الدعوى من الحق، والزيف من الصدق.

القدس مفتاح السلام، ومن الذي يكره السلامَ ولا يريد السلامَ، بل مَنِ الذي اعترض في الماضي أن يعيش اليهود والنصارى مع المسلمين في أرض الشام وفلسطين، ومارسوا عباداتهم وبقيت كنائسُهم ومعابدُهم، واختلطوا فيها بالمسلمين وتبادلوا المصالحَ والمنافعَ، بل وتصاهروا كما كان التاريخ القريب والبعيد، مَنِ الذي يكره السلامَ ولا يريد السلامَ، وقد قدَّم العربُ مبادراتِهم في ذلك وما زالوا، ولكن أن تُغتصب أرض وتهجَّر أُسَر، ويُنفى شعبٌ ويزوَّر تاريخٌ ويعبث بمقدسات وتغير معالِم، ويقع ظلم شديد بشعب مازال يُسقى المرَّ منذ سبعين عاما، فإن ذلك كله عبث ببرميل بارود لا يُدْرَى متى يبلغ مداه.

إن قضية فلسطين ليست قضية شعب أو عرق، أو حزب أو منظَّمَة، إنها قضية كل المسلمين، ولقد كانت دومًا تستجيش ولاءاتِ المسلمينَ لبعضهم، تجمع كلمتَهم وتوحِّد صفَّهم، وهي عنوان تلاحمهم وترابطهم ومحل اتفاقهم، ولا يجوز أن تكون مثارًا لتبادل الاتهامات وتكريس الخلافات، ولا أن تُستغل لإسقاطات وتصفية حسابات.

والعدل يقتضي أن نقول: إن الفلسطينيين عمومًا، والمقادسة خصوصًا، قد ضحَّوْا تضحيةً عزَّ نظيرُها؛ فقد عاشوا أطول احتلال في هذا العصر، وهم متمسِّكون بأرضهم متشبِّثون بها، مرابطون على الأكناف بلا أسلحةٍ إلا الحجارةَ والهُتَاف، منذ أكثرَ مِن سبعين عامًا وقُرَاهُم تتعرض لمجازرَ ومذابح؛ وذلك لإرهابهم وتهجيرهم، فما زادتهم الأحداثُ إلا ثباتًا، جرَّبُوا قهرَ الرجال في سلب الأرض ومضضَ التهجير.

مضت أجيال منهم وَقَضَوْا وهم لم يعرفوا من رفاهية الحضارة شيئًا، وُلِدُوا في خوف وعاشوا في خوف، وماتوا عليه. تكالبت قُوَى العالَم عليهم وهم صامدون، عاشوا في المخيمات في حين أن الرفاه مِن حولهم، وُلِدَتْ كثيرٌ من أجيالهم في المنافي والشتات، ويعيشون فيها بأقلِّ أجرٍ وحرمانٍ من فُرَص وظيفية مناسبة؛ فَأَقِلُّوا عليهم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا. أقيلوا عثرات مَنْ عثَر منهم بسبب ضغط الواقع عليهم وشدته، ولئن أساء بعضُهم أو أخطأ في تقدير موقف فإن البقية ليسوا كذلك، وَهُمْ أَوْلَى الناسِ بإقالة العِثَار والتماس الأعذار.

والإشاعةُ سلاحٌ مجرَّب للعدو، فاستعجال بعضكم باتهامات أو سوء ظن يعود على قضيتكم وقضيتنا بالفشل والتأخر، وإن بعض الأصوات الشاذة غيرِ المتعقِّلة لَتُفرِحُ العدو، وتُوهِن الصلةَ وتضعف التعاطف، ولستم في حاجة لمزيد من العداوات.

سيبقى القدس في قلوبنا وفي وعي الأمة، وتَرْك الخلاف، لا يليق بأمة الإسلام أن تغرق في خلافات جانبية، ونظرات إقليمية أو أنانية، يجب أن تقدَّم مصالح الأمة الكبرى على كل مصلحة فرعية، وأن تُسمع نداءاتُ الحقِّ والعدلِ ومبادرات الحَزْم والعقل بأن تُطَّرَح الخلافاتُ، وتتوحد الأمة في وجه الأزمات واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، فلن ننجح ما دمنا مختلفين، ولن ننتصر إن كنا متفرقين.

إنه لا سلام دائم بدون عودة القدس إلى أصحابها الفلسطينيين، وهذا ليس مجرد شعار، ولكنه استقراء للمستقبل.. لا يستند إلى معرفة بغيب، بل هو استقراء لتراثنا وتاريخنا، ورؤية ممتدة عبر محطات تمتزج فيها شخصية أمتنا وأرثها، وما يختزن في ضميرها من معانٍ ارتبطت بالإسراء والمعراج والبراق والوثيقة العمرية وحطين وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

التعليقات